مغربيون يصلون صلاة الاستقصاء عام 2017
مغربيون يصلون صلاة الاستقصاء عام 2017

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم سناء العاجي/

خلال اجتماع لسكان إحدى الإقامات الجديدة، تحدث الجيران عن مجموعة من التفاصيل التقنية المتعلقة بالملكية المشتركة والتي يحتاجون لمعالجتها: النظافة، الأمن، إلخ.

تردد أحد الجيران كثيرا قبل أن يرفع يده ليطلب الكلمة. حين أخذ الكلمة، تطرق لشأن مكبرات الصوت في المسجد ولضرورة إصلاحها تقنيا، لأنها مرتفعة جدا بالمقارنة مع المعايير المعمول بها في مساجد أخرى من المملكة المغربية.

تعرض الجار المسكين لوابل من العنف والهجوم.. وكأنه طلب من جيرانه الخروج عن دينهم.

الأذان يمكن أن يتم دون مكبرات صوت أو بمكبرات مضبوطة تقنيا بحيث لا تسبب إزعاجا للآخرين

​​منذ متى تحولت مكبرات الصوت لركن من أركان الإسلام؟ أليست هذه المكبرات مجرد اختراع تكنولوجي، يفترض أن يواكب ممارسات الدينية (من بين احتياجات أخرى صنعت من أجلها هذه المكبرات)؟ كيف نحولها لأصل الممارسة الدينية، ونعتبر كل نقاش بخصوصها، كفرا بيانا؟

هذا الشخص، وهو يقدم مقترحه، لم يطلب هدم المسجد ولا إلغاء الأذان وحذفه. هو فقط طلب إصلاح المكبرات تقنيا؛ لأن صوتها المرتفع جدا، وخصوصا خلال أذان الفجر، قد يسبب إزعاجا للسكان.

اقرأ للكاتبة أيضا: أنت نسخة طبق الأصل مني

لنكن موضوعيين، خارج أي تهييج أيديولوجي: هناك أشخاص يحتاجون للنوم بشكل جيد حتى يكون بإمكانهم الاشتغال طوال اليوم. هناك أشخاص مسنون. هناك أطفال رضع.. هؤلاء الأشخاص يتعرضون، حين يكون صوت أذان الفجر مرتفعا جدا، لإرباك في وتيرة النوم مما يكون له تداعيات كثيرة على حياتهم اليومية.

لذلك، يمكن للأذان أن يتم بمعايير تقنية معينة، تمكن المصلين الراغبين في الصلاة من سماع الأذان، لكنها لا تسبب إزعاجا لغيرهم. ولعل من بين من سيتهجمون على هذا المقال، هناك المئات من الأشخاص الذين انزعجوا ولو لمرة واحدة من الأمر. وهو بالمناسبة ليس انزعاجا من الأذان نفسه، بل من الشروط التقنية التي يتم بها، بالنظر لواقعنا اليوم.

لنكن واقعيين ولنبتعد عن الشعارات: في عهد أصبحت فيه ظروف العمل والعيش مختلفة عن القرون السابقة، وفي عهد توفرت فيه كل الإمكانيات التقنية لإيقاظ الراغبين في الصلاة: منبه الهاتف، منبه الساعة، المذياع، وغيرها من الاستعمالات الشخصية التي يمكنها أن تساعد المصلي نفسه دون أن تسبب إزعاجا لغيره؛ في ظرفية زمنية كهذه، يمكننا أن نتعامل مع مكبرات الصوت (التي، بالمناسبة، لم توجد في عهد النبي) بشكل مختلف.

لنتذكر أن مكبر الصوت ليس من أساسيات الصلاة ولا من شروط الأذان

​​الذي يحدث الآن، هو خلط لكل نقاش تقني يتعلق بمكبرات الصوت التي تستعمل في الأذان بالجانب الديني؛ وكأن من يرغب في نقاش موضوع مكبرات الصوت يهاجم الإسلام نفسه أو يدعو لمنع الصلاة. في حين أنه، كما يجب احترام كل الممارسات الدينية ومن ضمنها أداء صلاة الفجر، يجب أيضا احترام الأشخاص الذين لا يمارسونها (وفيهم أشخاص يمارسون باقي العبادات الإسلامية، بل ويؤدون باقي الصلوات). بمعنى أننا هنا لا ندافع عن حقوق أشخاص ملحدين، بل أشخاص أغلبهم متدينون، لكنهم لا يؤدون صلاة الفجر. وليس لنا أن نحاسبهم على ذلك، فهذا شأنهم مع خالقهم.

لذلك، فالأذان يمكن أن يتم دون مكبرات صوت أو بمكبرات مضبوطة تقنيا بحيث لا تسبب إزعاجا للآخرين.

اقرأ للكاتبة أيضا: بعيدا عن القضية.. قريبا من رد الفعل

تاريخيا، حين أمر النبي بلال برفع الأذان للصلاة، لم يكن هدفه إزعاج المسلمين وغيرهم ممن يعيشون معهم في نفس المنطقة؛ بل النداء للصلاة حتى يعرف الباقون بأنه قد حان موعدها. هذا هو هدف الأذان. الآن، وقد أصبحت تقنيات كثيرة تسهل معرفة مواعيد الصلاة، يمكننا أن نتعامل مع الموضوع بذكاء أكبر.

مرة أخرى، لنتذكر أن مكبر الصوت ليس من أساسيات الصلاة ولا من شروط الأذان.. مكبر الصوت اختراع تكنولوجي يمكننا أن نجعله في خدمة قناعاتنا الدينية، دون أن نمارس به ضغطا على الآخرين.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.