في حال فكر البعض بإعادة السيف لـ"تيميس"، فإن الحرب تكون هي الجواب
في حال فكر البعض بإعادة السيف لـ"تيميس"، فإن الحرب تكون هي الجواب

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم فارس خشّان/

يُرمز إلى إلهة العدالة "تيميس"، في كل مكان، بسيدة جميلة مكتملة تستر عينيها بربطة، وترفع الميزان بيدها اليمنى والسيف تحمله بيسراها.

أما في لبنان، فإن شئنا إقامة نصب لهذه الإلهة الواردة إلينا من الميثولوجيا الإغريقية، لوجدنا أنفسنا مضطرين أن نُدخل تعديلات جوهرية، بحيث نبدأ بقطع اليد التي تحمل السيف، ومن ثم اليد التي ترفع الميزان، على اعتبار أنه في غياب قوة تطبيق الأحكام لا تعود ثمة قيمة تذكر للميزان، ولكننا إذ نبقي على الربطة التي تحول دون الرؤية، نفتح الفم المغلق لنظهر اللسان.

هذه الكلمات ليست فرعا مكتوبا لفن الكاريكاتور، بقدر ما هي تعبير صادق عن واقع الحال ونحن نراقب التفاعل الذي يحصل، بين حين وآخر، مع أعمال "المحكمة الخاصة بلبنان" التي وصلت إلى المرحلة الختامية من المحاكمة الغيابية لـ"الوحدة الأمنية" التابعة لـ"حزب الله"، المتهمة باغتيال الرئيس رفيق الحريري، في 14 شباط/فبراير 2005.

طالما أن السيف ليس ثابتا في يد العدالة بل تلوّح به تهويلا يد المتهم، فإن لبنان سيبقى بلد الاستثناءات والمفارقات

​​لا تحتاج المسألة إلى تعميق النقاش. من الواضح أن "السيف" ليس بيد العدالة الساعية بلا هوادة إلى الحقيقة، بل بيد المتهم الذي يملك وحده القدرة على استعماله، في حال سعى الضحايا إلى تنفيذ ما سبق ونطقت به القرارات الاتهامية والمذكرات المستندة إليه، أو في حال، فكروا لاحقا بإيجاد ترجمة ميدانية لأحكام التجريم، إذا ما صدرت.

ولأن المسألة كذلك، فإن كلمات سياسية كبيرة تخرج إلى العلن كلما جرى ذكر العدالة في لبنان؛ كالاستقرار والمصلحة العامة وحماية السلم الأهلي، وذلك حتى يفهم الجميع أنه في حال فكر البعض بإعادة السيف لـ"تيميس"، فإن الحرب ـ وبالحد الأدنى الاضطراب ـ تكون هي الجواب.

اقرأ للكاتب أيضا: يائسون و... طامح!

ولا ينبع هذا المشهد المفترض لتطبيق العدالة في لبنان من فراغ، بل يؤسس نفسه على تهديدات سبق أن أطلقها الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله وهو يذكر بها كلما دعت الحاجة، فيما تعمل "جيوشه الدعائية"، سواء كانت سياسية أم إعلامية أم تواصلية ـ اجتماعية إلى تفصيلها بأفظع العبارات وأوقحها، في معظم الأحيان، إذ يذهب بعضها إلى حدود تبني الاغتيال الإرهابي على اعتبار أنه "قصاص عادل".

وفقط في لبنان، تتعاطى الضحية مع محاكمة "الجلاد المفترض"، ليس على قاعدة أنها تمهيد لتنفيذ عقوبة منتظرة، بل على اعتبار أنها مضبطة موثقة توضع بتصرف "عدالة السماء".

وما يقوله الرئيس سعد الحريري، الذي ينتظر تفكيك العقد التي تحول دون تأليف حكومته الثالثة، معبر جدا عن خصوصية التعاطي اللبناني مع العدالة.

فمن أمام مقر "المحكمة الخاصة بلبنان" في واحدة من ضواحي مدينة لاهاي الهولندية، حيث شارك الحريري بصفته الضحية الرقم 59 (V059) في افتتاح مرحلة المرافعات الممهدة لصدور الأحكام المنتظرة، أعلن ردا على سؤال عن موقفه من تأكيد الادعاء العام أن جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري هي "صناعة مشتركة" للنظام السوري و"حزب الله": "عندما أكون في هذا الموقع يجب أن أضع مشاعري جانبا (...) وهدفنا أن نعيش سويا في بلدنا لبنان (...) ورفيق الحريري والشهداء سقطوا لحماية لبنان لا لخرابه".

يشكل موقف الحريري هذا مفارقة لا بد من التوقف عندها؛ ففي العادة، عندما تصدر قرارات عن محكمة دولية يتوجه القيمون عليها إلى رأس السلطة التنفيذية لمطالبته بوجوب تنفيذها.

ولكن ما إن يعرب المراقبون عن اعتقادهم بأن الحريري يخطئ بموقفه المهادن هذا، حتى تصيبهم القشعريرة وهم يسمعون الموقف "الأبوكاليبسي" للمصرين على تطبيق القصاص، وفق مقتضيات ما سوف تنطق به العدالة، إذ إن معادلتهم البديلة هي الآتية: "إذا خيّرتمونا بين الاستقرار والعدالة، فنحن نختار العدالة".

وعلى هذا، ثمة من يجيب بأن العدالة لم تكن يوما لصناعة الاضطراب، بل العكس هو الصحيح، والدليل على ذلك أن السلام خرج من رحم "تيميس".

وبغض النظر عمن هو المصيب بموقفه، فإن ثمة تسليما في لبنان بأن السيف تحمله اليد التي يجب ألا تحمله.

وهذا يعني أنه في حال كانت ثمة نية حقيقية لرفع شأن العدالة لتكون هي طريق الأمان والمساواة والسلام، يجب نقل السيف إلى "تيميس".

لبنان بحاجة إلى التسامح، ولكن على طريقة لجان الحقيقة حيث الإقرار بالحقيقة والتعهد بعدم العودة إلى السلوك الإرهابي مجددا

​​وفي الحالة اللبنانية، لا يتوسل أي عاقل السيف لقطع الرؤوس والأيادي، إنما لتحقيق طموح وطني يفترض أن يكون أغلى ما لدى أي مواطن إلى أي جهة انتمى، على اعتبار أن لا طموحا يعلو فوق طموح إعادة السيف إلى موضعه، لأنه بذلك فقط يتأمن الاستقرار الدائم والمساواة أمام القانون، وتسمو سيادة الدولة، وينتهي استعمال الإرهاب في الصراع السياسي.

ولأن المسألة هي كذلك، وطالما أن السيف ليس ثابتا في يد العدالة بل تلوّح به تهويلا يد المتهم، فإن لبنان سيبقى بلد الاستثناءات والمفارقات، حيث يتعايش الخائف من حقه مع سالبه المرعب.

وحين توضع العدالة على الرف، يعم الغبار كل شيء، لأن من يستهين بالعدالة ويشعر بالتفوق عليها لا يهاب تزوير الحقائق وقلب المعطيات واقتراف الموبقات وهدم المؤسسات والإمعان في الإفساد.

اقرأ للكاتب أيضا: مزّقت... مقالي!

لبنان بحاجة إلى التسامح، ولكن على طريقة لجان الحقيقة حيث الإقرار بالحقيقة والتعهد بعدم العودة إلى السلوك الإرهابي مجددا.

حينها، وحينها فقط، نعيد تمثال "تيميس" إلى أصله وتمتلئ حقولنا بورود الـ"توليب" التي جرى غرس بصلاتها في لاهاي.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟