لا يمكن لأحد أن ينكر حجم نفوذ الداعية المصري "المجنس قطريا" يوسف القرضاوي في شبه الجزيرة القطرية
لا يمكن لأحد أن ينكر حجم نفوذ الداعية المصري "المجنس قطريا" يوسف القرضاوي في شبه الجزيرة القطرية

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم مالك العثامنة/

في الأدبيات السياسية الحديثة ما بعد فترة الربيع العربي، نقرأ أحيانا عن جماعة الإخوان المسلمين بأنها جماعة وصلت إلى سدة الحكم في مصر وتونس و"غزة" مثلا! ويأتي ذلك في سياق طموح الجماعة إلى استلام السلطة في أي مكان من العالم العربي أو الإسلامي، تحقيقا لمعالم طريقها الذي أسسه منظرها الأساسي "سيد قطب"، وتواترت أفكاره جيلا بعد جيل في تلك الجماعة التي شكلت تيارا "عميقا" في العالم العربي بعد خوضها تجارب شرسة مع الأنظمة والسلطات والحكومات في نشاطات كانت في الغالب تحت الأرض، وأحيانا فوق الأرض مستخدمة "الديموقراطية" جسرا للوصول يتم حرقه بعد العبور فورا.

لكن، ما نتغافل عنه، أو يجهله البعض، بأن جماعة الإخوان المسلمين استلمت الحكم في قطر بطريقة اختطاف السلطة من القطريين، وهذا يجعلنا أمام أخطر مواجهة مع التطرف المتخفي تحت عباءات المشيخة في تلك الإمارة الثرية والطموحة.

استلمت جماعة الإخوان المسلمين الحكم في قطر بطريقة اختطاف السلطة من القطريين

​​لا تحتاج إلى أدلة كثيرة لتثبت نظرية اختطاف السلطة في قطر من قبل التيار الإسلامي الراديكالي، الذي يقوده تنظيم الإخوان المتمرس؛ فقطر لا تحتضن التيار الإسلامي كما يبدو في الظاهر، بل هي رهينة التنظيم نفسه وقد تسلل من ثغرات الطموح الإقليمي الذي شكل هاجسا للقيادة القطرية فانزلقت في متاهاته حتى ضاعت هي نفسها في حضن التنظيم الإخواني المسيطر فعليا على كل مفاصل الدولة القطرية.

لا تبدأ الحكاية من ملابسات الأزمة الخليجية الأخيرة، بل ربما تكون تلك الأزمة "بكل ملابساتها والتباساتها" تجليا من تجليات تموضع تنظيم الإخوان المسلمين في خاصرة الخليج العربي وقد سيطروا على شبه الجزيرة الغنية بالغاز والنفط.

اقرأ للكاتب أيضا: حين اختفى الأطلسي في صباح 11 سبتمبر

كان واضحا منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي أن الدولة التي تتوسط مياه الخليج الدافئة بجغرافيا مميزة وبحر من الغاز الطبيعي تسعى إلى تشكل سياسة جديدة لها تتجاوز كل تلك الجغرافيا بما توهمت أنه يليق بحجم مواردها الطبيعية من الغاز، فاعتمدت مقارباتها الاستراتيجية المشاكسة وسياسات "لي الأذرع" عبر احتضان أغلب المعارضين في العالم العربي "والإسلامي"، مع احتضانها لأكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة.

ما حصل بعد ذلك، أن تنظيم الإخوان المسلمين، مع رموز من التيارات الإسلامية الراديكالية التي وفرت لهم الدوحة المقر والمستقر، تحالف مع السلطة السياسية في شبه الجزيرة القطرية، وبحنكة المجرب والعارف وبخبرة سياسية في العراك السياسي الطويل استطاع التنظيم التسلل إلى مفاصل السلطة والقيادة في قطر ضمن رؤية الدوحة السياسية "آنذاك" باحتواء التنظيم واستخدامه كأداة في تأطير دور قطر الإقليمي.

استطاع التنظيم الموهوب بالتغلغل العميق عبر تاريخه، والذي وضع معالم طريقه "سيد قطب"، أن يقلب الطاولة بعد سنوات من "التحالف الجهنمي" لينتهز فرصة ما تم تسميته بالربيع العربي مستثمرا الحنق الجماهيري والشعبي على الأنظمة المستبدة في العالم العربي، وبمباركة السلطة السياسية في قطر اختطف "من مكمنه في العمق" ثورات الربيع العربي ليختطف بعدها السلطة في قطر نفسها.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

لا يمكن لأحد أن ينكر حجم نفوذ الداعية المصري "المجنس قطريا" يوسف القرضاوي في شبه الجزيرة القطرية، ولعل ما تم بثه على التلفزيون القطري أيام عيد الفطر الماضي كان رسالة واضحة تثبت نفوذ الشيخ، الذي استطاع بالمال القطري المسال أن يؤسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ويترأسه ويستقطب إليه أغلب المؤثرين من شيوخ الدين الإسلامي في العالم، إضافة إلى ترأسه المباشر لمؤسسات دعوية عالمية مؤثرة من بينها مركز البحوث والإفتاء في أوروبا!

في الصورة الاحتفالية بعيد الفطر، يظهر الأمير القطري الشاب وقد جلس على يمين "عرشه" الشيخ القرضاوي وقد طبع الأمير "المعتد بنفسه" قبلة على جبين القرضاوي في إشارة لا تخلو من دلالات في عالم شرق أوسطي متخم بالإشارات والرموز.

تبع تلك الصورة استقالات لمستشارين أميركيين عملوا في خدمة الإمارة، وقد أوضحت "تغريداتهم" وتصريحاتهم الغاضبة حجم نفوذ الإخوان في ثنايا السلطة الحقيقية في قطر.. لقد أصبح التنظيم نفسه هو الدولة العميقة!

لم يصل تنظيم الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في بعض الدول العربية وحسب، فالتنظيم شكل فعليا دولته العميقة جدا في شبه الجزيرة القطرية

​​تزامن ذلك مع تصريحات صادمة للسفير الروسي السابق في قطر، فلاديمير تيتورينكو، تحدث فيها عن حجم (نفوذ القرضاوي ـ الإخوان) إلى حد سيطرته المطلقة ـ حسب شهادة السفير ـ على محتوى ما تبثه قناة الجزيرة.

رد القرضاوي نفسه على "شهادة" السفير الروسي، ببيان أكد فيه أنه التقى السفير وناقش معه الأزمة السورية! ونفى الشيخ الداعية شهادة السفير حول سيطرته على السياسة القطرية ومحتوى الجزيرة في ذلك اللقاء السياسي.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

عند كتابة هذا المقال، كان الأمير القطري يقوم بزيارة "عمل وأعمال" إلى ألمانيا الاتحادية تحت عنوان "منتدى قطر ـ ألمانيا للأعمال والاستثمار"، في ثنايا اللقاء، وخلف "سبل التعاون المشترك" تكمن تفاصيل مرصوفة إلى جهنم الأحداث في صفقات ضخمة؛ سياسيا، تتعلق بالتسوية مع إيران ودعم الاتفاق المرفوض أميركيا، و"مالية" تغذي فيها قطر قطاع الأعمال الألماني فالوفد القطري مدجج بكل صناديقه المالية والاستثمارية، و"أمنية" ـ كما رشح من معلومات ـ تتعلق بتزويد الجانب الألماني والأوروبي بملفات الجماعات الإسلامية الراديكالية التي دعمتها قطر في الحرب السورية طوال السنوات الماضية (وقد انتهت صلاحيتها)، ضمن مقابل لا يمكن الاعتقاد أنه "مالي" لدولة تعوم على أحد أكبر ثورات العالم من الغاز، وقد تكون ساحة المقايضات "إعلامية" وهي ساحة تتقن الدوحة "الإخوانية" اللعب على أوتارها بمهارة شديدة.

اقرأ للكاتب أيضا: إيران: في انتظار خريفها الغاضب

في المحصلة؛ لم يصل تنظيم الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في بعض الدول العربية وحسب، كما تروي الأدبيات السياسية المعروضة، فالتنظيم شكل فعليا دولته العميقة جدا في شبه الجزيرة القطرية، واختطف السلطة فيها بكل ثرواتها وإعلامها، ليضع معالم طريق "سيد قطب" خارطة طريق أكثر ذكاء وعصرية لسياسات الإمارة المختطفة.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟