تظاهرة في المغرب عام 2012 للمطالبة بمحاسبة المغتصبين
تظاهرة في المغرب عام 2012 للمطالبة بمحاسبة المغتصبين

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم د. عماد بوظو/

يولي الإعلام والرأي العام الغربي حاليا اهتماما خاصا بالاعتداءات الجنسية التي قام بها بعض الأشخاص، بغض النظر عن منصبهم ومكانتهم وإنجازاتهم. كانت البداية في الولايات المتحدة مع سلسلة فضائح نتج عنها دعاوى قضائية وملاحقات جنائية لكهنة ورهبان كاثوليك نتيجة ممارسات ارتكبوها خلال العقود الماضية، حين قاموا بالاعتداء جنسيا على أطفال وقاصرين. فقد ادعى أكثر من عشرة آلاف شخص أنهم تعرضوا لاعتداءات جنسية في الفترة بين عامي 1950 و2002. تم إثبات من 80 في المئة من الشكاوى المقدمة.

منذ ستينيات القرن الماضي، بدأت النقاشات في الولايات المتحدة بشأن قضية الاعتداءات الجنسية؛ جرى أغلبها ضمن الكنيسة مع تغطية شبه معدومة في وسائل الإعلام، ولذلك كان العقاب يقتصر غالبا على نقل الكاهن أو القس المتهم إلى أماكن ومرافق كنسية ذات نظام أكثر صرامة. أما في الثمانينيات، فقد بدأ الإعلام يهتم بالإضاءة على هذه القضايا، وتزايد الوعي بموضوع الإيذاء الجسدي للأطفال، مما ساعد على خلق مناخ شجع على تقديم الشكاوى القانونية وما تبعه من اعترافات لرجال دين؛ وهو ما جعل هذه القضايا تخرج للعلن، وتتم إحالة المتهمين إلى القضاء المدني لمحاسبتهم.

تنتظر المجتمعات العربية الجهة التي ستملك الشجاعة اللازمة للبدء بالحديث عن هذه المواضيع المحظورة

​​في تسعينيات القرن الماضي، كشف عما يحدث من الكنيسة الكاثوليكية في إيرلندا، وأطلقت السلطات الإيرلندية سلسلة من التحقيقات والمحاكمات الجنائية في ادعاءات باعتداء عدد من الكهنة جنسيا وجسديا على مئات من القصّر خلال السنوات السابقة. لكن عدد الملاحقات القضائية كان قليلا نسبيا؛ ونتيجة الاهتمام الإعلامي بهذه القضايا تم التبليغ عن اعتداءات جنسية طالت الأطفال والقاصرين في أوروبا وأستراليا ونيوزيلاندا وكندا وأميركا اللاتينية. في العام 1994، وجهت اتهامات ضد 47 رجل دين بالأرجنتين بتهم الاعتداء الجنسي، ومنذ عام 1995 أدين أكثر من مئة قسيس في أستراليا. وأخيرا اتهم حوالي 80 كاهنا في تشيلي بتجاوزات جنسية مما أدى لتقديم كل أساقفة الكنيسة التشيلية استقالاتهم للبابا فرانسيس، الذي قدم اعتذارا رسميا عن هذه الحوادث وتعهد بمنع المتهمين بهذه القضايا من العمل الكنسي.

وقبل بضعة أعوام، أقر حاخام يهودي بتصويره نساء عاريات بين العامين 2009 و2014 باستخدام كاميرات وضعت في حمام معبد في واشنطن أثناء قيامهن بطقوس التطهر بعد الدورة الشهرية أو عند التحول لليهودية. وسبق أن اتهم حارس معبد يهودي في القدس قبل سنوات بالتحرش واغتصاب أطفال خلال زيارتهم للمعبد، والقصة الأكثر شهرة هي إدانة محكمة دينية خاصة بالقدس أحد كبار الحاخامات الأرثوذكس اليهود بالاعتداء على قاصر.

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا لا يقتدي العرب بإسرائيل اقتصاديا وعلميا وسياسيا؟

أما في إيران فهناك قضية قارئ القرآن المفضل عند المرشد الأعلى والفائز بالعديد من مسابقات تجويد القرآن الذي وجهت إليه الاتهامات باغتصاب 19 طفلا من طلابه تتراوح أعمارهم بين 12 و14 عاما، وقد وصف طفل عمره 12 عاما التفاصيل الدقيقة للاعتداء عليه. ادعى المتهم بأن هذه الدعاوى كاذبة وهدفها تشويه صورته وصورة المرشد؛ وفعلا برأه القضاء الإيراني مطلع العام الحالي! وهناك قصة مدير إحدى مدارس الذكور في طهران الذي قال الادعاء العام إن ذوي 15 طالبا اشتكوا بأنه أساء لأطفالهم جنسيا، وقالت وسائل إعلام إيرانية إنه كان يعرض على الطلاب أفلاما جنسية ويدعوهم لممارسة الجنس مع بعضهم ومعه.

يقوم الإعلام العربي بنشر هذه الأخبار وكأنها أمراض اجتماعية تصيب فقط الشعوب والديانات الأخرى دون الاعتراف بإمكانية وقوع أمثال هذه الحوادث في الدول العربية؛ إذ ليس من المألوف في هذه المجتمعات وصول مثل هذه القضايا للرأي العام أو الإعلام والقضاء. لكن قيام رجال دين مسلمين بممارسات مماثلة في أوروبا، يؤكد وجود مثل هذه الحوادث في المجتمعات العربية. ومن الأمثلة، اتهام إمام من أصول باكستانية بأربع جرائم اغتصاب لأطفال داخل مسجد في إنكلترا بعد الدروس الدينية حين كان يأخذهم إلى أي غرفة لا يوجد فيها كاميرات مراقبة.

كما اتهم المفكر الإسلامي طارق رمضان، وهو حفيد حسن البنا وأحد القيادات الإسلامية في أوروبا وأستاذ الفكر الإسلامي في جامعة أكسفورد، بعدة قضايا اغتصاب وتحرش؛ وقالت إحدى الصحف السويسرية إنها تحدثت مع أربع سيدات سبق أن كن طالبات لديه في تسعينيات القرن الماضي، ونقلت عن إحداهن أنها صدت تحرشه حين كانت في سن الرابعة عشرة، بينما قالت الثلاث الأخريات إنه استغل سلطاته كمدرس لإقامة علاقات جنسية معهن عندما كانت أعمارهن بين 15 و18 عاما. وسبق أن قالت ناشطة فرنسية من أصول تونسية إن رمضان اعتدى عليها في أحد فنادق باريس أثناء فعاليات اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا عندما كانت قريبة من التيار الإسلامي السلفي.

 وأشارت الكاتبة الفرنسية كارولين فورست إلى أن بعض ضحاياه روين لها ما حدث معهن، لكنها لم تستطع إقناعهن بتقديم شكاوى قانونية. كما اتهمت سيدة سويسرية اعتنقت الإسلام رمضان باغتصابها قبل عشر سنوات في جنيف واحتجازها في فندق رغم إرادتها.

عندما يقوم رجال دين مسلمون بمثل هذه الأفعال في أوروبا فما الذي يمنعهم (أو غيرهم) من ممارسة أمر مشابه في بلدانهم.

تجدر الإشارة إلى أن المغرب بدأ عام 2018 بسلوك طريق مغاير لطريق الصمت العربي عن الاعتداءات الجنسية؛ إذ نشرت علنا قصة إمام مسجد، في مدينة مراكش، اتهم باغتصاب سبع طفلات تتراوح أعمارهن بين 7 و12 سنة بعد دروس الدين في المسجد، وقصة إمام مسجد آخر اتهم بالاعتداء جنسيا على ستة أطفال دون الثامنة من العمر، ومدير مدرسة كان يتحرش جنسيا بطالباته.

تدل هذه الأمثلة على أن الواقع في الدول العربية ليس مختلفا عن بقية العالم، وتجاهل هذه الحوادث سيعني السماح باستمرارها. تتعلق الأسباب الحقيقية لعدم الاعتراف بوجودها بالتركيبة الاجتماعية للمجتمعات العربية، حيث يسيطر الخوف من الفضيحة في هذه المجتمعات المغلقة والتي تستمتع بالنميمة.

كما أن هذه المجتمعات، وبعكس بقية العالم، تلوم الضحية دائما بدلا من التعاطف مع الطرف الأضعف الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه، وتجد وسيلة لكي تضع اللوم على الضحية. كما ترى الثقافة الشعبية في هذه المجتمعات التجربة الجنسية، خصوصا بالنسبة للمرأة عارا دائما يلاحقها حتى لو كانت ناتجة عن اعتداء جنسي، ولذلك تفضل هذه المجتمعات التكتم على هذه الحوادث.

عندما تنتشر حركة على نمط "مي تو" في المنطقة العربية، سنسمع قصصا تفوق ما سمعناه عن حوادث مماثلة في الغرب

​​تنتظر المجتمعات العربية الجهة التي ستملك الشجاعة اللازمة للبدء بالحديث عن هذه المواضيع المحظورة.

انتشر في الولايات المتحدة في نهاية عام 2017 هاشتاغ على مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار "مي تو" (Me too، أنا أيضا)، كشفت آلاف من النساء عبره عن تعرضهن لاعتداء أو تحرش جنسي. سرعان ما توسعت هذه الظاهرة، وتحولت إلى حركة عالمية، ونتج عنها كشف عدد كبير من حالات الاعتداء الجنسي التي طواها الصمت لسنوات طويلة.

شجعت هذه المبادرة من تعرض/ تعرضن لحوادث مشابهة للكشف عما عايشوه، وهو ما يساهم في فضح المعتدي، ومنعه من تكرار الاعتداء وربما محاسبته.

اقرأ للكاتب أيضا: بوتين وأردوغان وخامنئي مشروع تحالف يصطدم بحقائق التاريخ والجغرافيا

كانت البداية في هوليوود، ثم انتقلت الظاهرة إلى شركات خاصة ومؤسسات حكومية، ووصلت إلى مجالات الرياضة والطب. بعد أشهر، صنفتها مجلة تايم الأميركية كـ"شخصية العام" نتيجة لآثارها الإيجابية.

إذا أرادت المجتمعات العربية حماية أبنائها وبناتها، فما عليها سوى العمل على رفع الحظر عن تداول أمثال هذه المواضيع وكشف المسكوت عنه في هذه المجتمعات من أجل حماية النساء والأطفال. عندما تنتشر حركة على نمط "مي تو" في المنطقة العربية، وعندما يتم تشجيع من تعرض لاعتداء جنسي على عدم السكوت عنه، سنسمع قصصا تفوق ما سمعناه عن حوادث مماثلة في الغرب، وقد تخرج للعلن فضائح محرجة، لكن ذلك سيخفض احتمالات حدوث مثل هذه الحوادث في المستقبل وسيحمي الأجيال الجديدة ويجعل حياتها أفضل.

ــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.