الغرفة الداخلية في كنيسة القيامة في القدس (أ ف ب)
الغرفة الداخلية في كنيسة القيامة في القدس (أ ف ب)

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم داود كتّاب/

تنفس المقدسيون الصعداء بعد سماعهم قرار الحكومة الأردنية تخفيض رسوم تجديد جواز السفر الأردني من 200 دينار أردني (نحو 280 دولار أميركي) إلى 50 دينارا أردنيا (نحو 70 دولارا أميركيا) والسماح لهم بتقديم طلبات إصدار الجواز الأردني من القدس من دون عناء السفر إلى الأردن.

يختلف الوضع القانوني والحياتي لسكان القدس عن باقي الأراضي الفلسطينية إذ أصبح المقدسيون أيتاما سياسيا. فالمواطنون الذين يبلغ عددهم نحو 330 ألفا، غير مسموح لهم الحصول على هوية أو جواز سفر فلسطيني، ومن الصعب جدا الحصول على جواز سفر إسرائيلي. فبين هذا وذاك، تحول المقدسيون إلى أشخاص يعيشون فراغا قانونيا في ما يتعلق بوثائقهم.

حاليا، يستخدم المقدسيون جواز السفير الأردني كوثيقة سفر وليس كشهادة عن الجنسية الأردنية

​​ومن هنا، اعتبرت اللفتة الأردنية بتخفيض رسوم إصدار جواز السفر مهمة ومؤشرا لاستعداد أردني لمساعدة سكان القدس على الصمود وتوفير الغطاء والمرجعية القانونية لهم، لغاية إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

لا شك أن موضوع القدس حساس. ففي العام 1950 أصبحت القدس، كما بقية الضفة الغربية، جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية بعد صدور القرار بتوحيد الضفتين. تعرض هذا الوضع لهزة كبيرة عند احتلال إسرائيل للضفة الغربية في حرب العام 1967 ومن ثم الانتفاضة الفلسطينية في العام 1987 وقرار منظمة التحرير الفلسطينية بإعلان دولة فلسطين، والذي نتج عنه قرار فك الارتباط مع الأردن.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يجب على العرب تحمل مسؤولية أكبر للاجئين الفلسطينيين؟

شمل قرار فك الارتباط الأردني، الذي صدر في أواخر العام 1988، جميع المناطق المعلنة للدولة الفلسطينية بما في ذلك القدس الشرقية. لكن اتفاقيات أوسلو للسلام، والتي نتجت عنها السلطة الوطنية الفلسطينية، لم تشمل القدس التي ترك الاتفاق بشأنها لمفاوضات الحل النهائي.

حوّل هذا الوضع المعقد المقدسيين إلى أيتام سياسيين. فإسرائيل، من ناحيتها، ضمت أراضي القدس ولكنها لم تضم السكان، والسلطة الفلسطينية ممنوعة من التعامل مع القدس وسكانها تحت خطر العقاب الإسرائيلي.

ورغم أن كل فلسطينيي الضفة الغربية وقطاع غزة حصلوا على رقم وطني فلسطيني وهوية وجواز سفر، إلا أن السلطة الفلسطينية لم تستطع تقديم هذه الخدمة للمقدسيين.

بقي سكان القدس من الفلسطينيين يحملون جواز السفر الأردني، إذ سيطرت إسرائيل على القدس عندما كانت تابعة للأردن. حاليا، يستخدم المقدسيون جواز السفير الأردني كوثيقة سفر وليس كشهادة عن الجنسية الأردنية، رغم أن نحو 100 ألف مقدسي احتفظوا بجنسياتهم الأردنية التي حملوها قبل قرار الفصل.

وُضع ملف المقدسيين جانبا لفترة طويلة بسبب المحاولات الإسرائيلية للسيطرة على الأماكن المقدسة وخاصة المسجد الأقصى، الذي تتم حراسته من قبل حراس الأوقاف الأردنية في استمرار للوضع القائم منذ عام 1967. ونجح الأردن في الحصول على إقرار بحقه في أي مفاوضات نهائية حول الوضع القانوني للأماكن الدينية الإسلامية. ارتفع عدد حراس الأوقاف الأردنية كثيرا ووصل حاليا لنحو ألف موظف تابع للحكومة الأردنية، ويشمل هذا العدد حراسا وإداريين وخبراء سياحة وتعليم وعلاقات عامة.

في العام 2013 نجحت القيادتان الأردنية والفلسطينية في التوصل إلى اتفاق في ما يخص الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية في القدس، وينص على رعاية هاشمية أردنية لتلك الأماكن لغاية قيام الدولة الفلسطينية، لكن العنصر الإنساني بقي من دون حل.

منذ عام 1967 تقوم إسرائيل بإصدار وثيقة سفر للمقدسيين ترد فيها كلمة "أردني" في خانة الجنسية، لكن هذا التعريف تغير فجأة هذا العام، بحيث بات ينص على "غير معرف" بالنسبة للجنسية.

يطالب سكان القدس، الذين باتوا أيتاما سياسيا، بالمساعدة؛ وعلى أي جهة قادرة على ذلك ألا تتأخر في تقديم الدعم لهم

​​شجع قرار الحكومة الأردنية الأخير بتسهيل معاملات إصدار جوازات السفر الأردنية المقدسيين للمطالبة باستثنائهم من قرار فك الارتباط القانوني والسياسي؛ فهل آن الأوان للمطالبة باستثناء المقدسيين من فك الارتباط؟

قد يفهم البعض هذا التوجه بطريقة خاطئة. فهذا ليس تخليا عن الجنسية الفلسطينية، لكنه قرار مؤقت يهدف إلى وقف عملية الأسرلة التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية عبر محاولة إقناع المقدسيين بالانضمام فكريا وعضويا لإسرائيل. فعملية الأسرلة، تتدخل في مجال التعليم والصحة والسياحة والإسكان والتجارة ولا بد من وقف التدهور لغاية التوصل إلى حل سياسي.

اقرأ للكاتب أيضا: الطاقة المتجددة مفتاح الحل

قد تحتاج الفكرة إلى تنسيق عال على مستوى القيادة بين الجانبين الفلسطيني والأردني، كما حدث في ملف الأماكن المقدسة.

يطالب سكان القدس، الذين باتوا أيتاما سياسيا، بالمساعدة؛ وعلى أي جهة قادرة على ذلك ألا تتأخر في تقديم الدعم لهم. لا يمكن التأخر أكثر وبات من الضروري إطلاق التنسيق والعمل العربي المشترك لحماية المقدسيين.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟