يحتفلن بتخرجهن من كلية الصيدلة في جامعة العرب في ليبيا
يحتفلن بتخرجهن من كلية الصيدلة في جامعة العرب في ليبيا

بقلم محمد المحمود/

يمكن القول إن ظاهرة "رهبان العلم" تكاد تكون مفقودة اليوم في العالم العربي. لا ينفي هذا الحكم شبه التعميمي تلك الاستثناءات النادرة التي تؤكد هذه القاعدة؛ إذ تبدو هذه الاستثناءات كخوارق للعادات الثقافية الراسخة. كما لا تستطيع النماذج التاريخية الكبرى الشغب على هذا الحكم؛ إذ هي خارج سياق العرب الثقافي الراهن الذي يتأسس على قرون الانحطاط المتأخرة. فالمعرفة في عالم العرب اليوم لم تعد خالصة لوجه العلم، ولو في الحدود الدنيا التي تحفظ حرمات العلم من الابتذال في أسواق التربح الرخيص.

كثير من الدول العربية، لا سيما الدول الخليجية، تشكو من ظاهرة الشهادات العلمية المزورة/ الوهمية، خاصة تلك المتعلقة بشهادة الدكتوراه التي يقتات بها العربي الفقير، ويتباهى بها العربي الغني. وهي وإن كانت ظاهرة ليست بالجديدة، إلا أنها بدت مؤخرا وكأنها (الشهادات الوهمية) هي الأصل، بينما الشهادات الحقيقية باتت موضع اتهام حتى يثبت العكس. وهذه كارثة تزعزع الثقة بالظاهرة العلمية كافة؛ ومن ورائها بمسارات التنمية في كل المجالات، لا سيما مجالي: الصحة والتعليم.

ثمة هوس بالحصول على الشهادات العلمية، سواء الحقيقية أو الوهمية، ولكن في المقابل، ثمة زهد بكل ما تتضمن الشهادات من اشتراطات معرفية

​​كلما تمادى المهتمون بالكشف عن عمق هذه الظاهرة؛ بدت أكبر بكثير من المتوقع، بل وتبدو الجهود المتعلقة بمكافحة هذا الوباء متعثرة، أو هي بطيئة في أحسن الأحوال. وأسباب هذا التعثر/ البطء كثيرة، ولكن لا يخفى أن كثيرا من المتصدرين بشهادات وهمية، من جامعات وهمية، أو شبه وهمية، استطاعوا الوصول ـ بواسطة هذه الشهادات ـ إلى مناصب مرموقة ومواطن نفوذ؛ مكنتهم من تكوين ما يشبه جبهة دفاع/ الجبهة التي تتصدى ـ بشكل خفي ـ لكل عمليات الردع: الكشف ـ المحاسبة ـ العقاب.

ثمة إغراء معنوي ومادي باذخ في هذه الشهادات. حتى أولئك الذين اجتهدوا في نيلها، وتمكنوا من الحصول عليها بجدارة؛ أصبحوا وكأنهم لم يحصلوا عليها انسياقا وراء تقدير خالص للمعرفة من حيث هي معرفة، بل لمجرد ما تمنحه من فرص سانحة في الترقي الاجتماعي والتربح المالي. ولا عيب في ذلك لو كان العلم واشتراطاته حاضرة في سياق هذا التراقي وهذا التربح، ولكن يبدو أن الهم العلمي يتراجع حتى يصبح صفرا؛ بينما يتنامى الهم اللاعلمي؛ حتى يصبح هو الأساس. ولهذا تجد كثيرا من أصحاب تلك الشهادات قد استقالوا من كل جهد معرفي بعد الحصول عليها؛ فكأنها كانت جواز مرور لمرة واحدة، ومن ثم كان آخر عهدهم بالعلم يوم حصولهم عليها!

اقرأ للكاتب أيضا: 11 سبتمبر أو العرب والإرهاب

إذن، ثمة هوس بالحصول على الشهادات العلمية، سواء الحقيقية أو الوهمية، ولكن في المقابل، ثمة زهد يضاهي هذا الهوس بكل ما تتضمن الشهادات من اشتراطات معرفية قانونا أو عرفا. بعض الأقطار العربية لديها من الشهادات العليا أكثر مما لدى بلد أوروبي عريق في المعرفة كفرنسا، مع أنه/ القطر العربي لا يزال يرزح تحت وطأة تخلف فظيع يجعله في صدارة متخلفي العالم الثالث النائم/ لا النامي.

من الواضح أن العرب يتعاملون مع شهادة الدكتوراه ـ وغيرها من الشهادات العلمية ـ معاملة تختلف كثيرا عن تعامل الغرب/ العالم المتحضر. طبعا، الأسباب كثيرة، ولكن ربما كان أهمها في تصوري ما يلي:

  1. العرب حديثو العهد بالشهادات، قياسا بالحال عند الغرب. فإذا كانت الشهادات عند الغرب تمتد لقرون، فإنها عند العرب في حدود القرن الواحد تقريبا، إذ إن أول شهادة دكتوراه من أول جامعة عربية "جامعة القاهرة" كانت شهادة دكتوراه طه حسين عن أبي العلاء المعري، التي حصل عليها عام 1914، قبل سفره إلى فرنسا للحصول على الدكتوراه الثانية. أما بقية الشهادات "غير الدكتوراه" فلا تتجاوز هذا التاريخ بأكثر من نصف قرن. طبعا، هذا في مصر، المتقدمة تاريخيا في مأسسة التعليم. وأما في غيرها من بلاد العرب، فالتاريخ أقرب من هذا بكثير. ما يعني أن الوعي بالشهادات من حيث طبيعتها وتنوعها ووظائفها محدود، والابتهاج الطفولي/البدائي بها لا يزال قائما.
  2. التأسيس الأكاديمي لعالم الشهادات في العالم العربي، تزامن مع مرحلة بناء الدولة الحديثة، بمؤسساتها القائمة على وظائف مشروطة بالشهادات. ومن هنا ارتبطت الشهادات بعالم غير عالم المعرفة الذي يفترض أنها صادرة عنه، أي ارتبطت بعالم المصالح المباشرة التي تتجاوز نطاق الفضاءات المعرفية (المدارس، الجامعات، مراكز البحوث)، إلى فضاءات العمل والمال والسلطة والنفوذ. وبهذا أصبحت الشهادة ليست شهادة على المعرفة، بقدر ما هي جواز مرور إلى الوجاهة والترقي في سلم المنافسات الاجتماعية.
  3. يضاف إلى ذلك سبب عام، تندرج إشكاليتنا مع الشهادات في سياقه؛ وهو أننا نعاني كثيرا في توظيفنا لكثير من مخرجات الحضارة المعاصرة، إلى درجة الارتباك، وربما الفوضى. أقصد: أن هذه المشكلة هي من جملة مشاكل تحكي بؤسنا في التعامل مع الطبيعة المؤسساتية للعمل العام في صورته المعاصرة، والذي لا قيام لمجتمع حديث بدونها "الطبيعة المؤسساتية". فنحن ندخل كثيرا من العناصر اللامؤسساتية (من عادات وتقاليد وأعراف وتوهمات هُويّاتية تنتمي إلى زمن غابر مغاير) في سياق العمل المؤسسي، فتضطرب علينا كثير من الأمور، وتطفح على السطح مشاكل تتناسل من حلولنا، ولا تتجاوز كونها جزءا من الإشكال.

هكذا يبدو الوضع في عالمنا العربي، إذ نتيجة لهذا السياق الذي انحرف بالشهادات عن مهامها الوظيفية الأولى، أصبحت الشهادات سلم الوصول إلى الوظائف المرموقة، ومنها إلى المال والنفوذ والوجاهة. ولأنها كذلك، ولأنها ـ كشهادات معرفية/ مهاراتية متخصصة ـ تحتاج لجهد متواصل ليس في وسع الأغلبية من الطامعين الطامحين بذله؛ عمد كثير من هؤلاء إلى الأساليب اللامشروعة للحصول عليها، من تزوير للشهادات، إما بالتزوير التقليدي المباشر، وإما بالحصول عليها من جامعات وهمية، وإما باستئجار من يساعد في أداء أهم مهامها. إنها مغرية كالمال تماما. فإذا كان المال مطمعا، مطمحا؛ لأنه يحقق الكثير من الرغبات المادية والمعنوية، فإن الحصول على المال الكثير يحتاج لمهارة وجهد طويل وشاق، وهذا ما لا يتوافر لكثيرين. ومن هنا، يكثر اللصوص والسرّاق والمختلسون والخائنون للمال العام. وكما هناك لصوص مال، فهناك لصوص شهادات، وهذه من تلك، وكلها تؤدي الدور نفسه في المجتمع الواحد.

أما طمأنينة أصحاب الشهادات الوهمية والمزورة فإنها كطمأنينة اللصوص، أي هي طمأنينة نسبية، مرتبطة بمستويات الضبط والردع في الفضاء الذي تستشري فيه. فكما أن اللصوص والمختلسين يستمدون طمأنينتهم ـ ومن ثم تماديهم في فسادهم ـ من تراخي قبضة النظام، ومن ضعف العقوبات، فكذلك شأن أصحاب الشهادات. وهنا يجب أن ندرك ضرورة أن يكون مستوى الخوف الناتج من الردع النظامي قويا، أي متجاوزا لإغراء المطامع المرتبطة بهذه الشهادات، لأن كل اللصوص، في العالم كله، يقيسون ـ قبل الإقدام على الجريمة ـ حجم الإغراء بحجم الأخطار المتوقعة، فإذا كان الخطر ضعيفا من حيث درجته أو احتمال وقوعه، أقدموا، وإلا فلا.

لا بد من التأكيد على أن كثيرا من الشهادات الحقيقية في العالم العربي هي وهمية في مضمونها

​​إننا نقولها بوضوح: في العالم العربي لم يكن الردع بحجم الإغراء. الإغراء كبير، بما تتيحه الشهادات من مناصب ومكاسب، مادية ومعنوية، بينما الردع خجول في معظم الأحيان. ومن هنا، تكون المغامرة، من قِبَل حملة هذه الشهادات، مغامرة تستحق العناء. ولا شك أننا كمجتمع وكمؤسسات ضابطة في المجتمع، نتحمل كثيرا من المسؤولية هنا، فنحن الذين جعلنا من هذه الشهادات بطاقات سفر إلى المناصب والمكاسب، بل ومنحناها الوجاهة الاجتماعية، ثم ترددنا كثيرا في الكشف عن المزيفين، الذين إن تعثرنا بهم ذات نزاهة، فعقابنا لهم لا يعدو أن يكون باهتا، إن لم يكن معدوما، بل كثيرا ما يكون عقابنا الباهت إغراء لبقية المترددين، ودعوة لهم للدخول في عالم التزييف والتزوير والنصب والاحتيال.

لكن، وفي كل الأحوال لا يأس، ففي وسط هذا الاحتيال العلني باسم المعرفة/ العلم، ثمة بوارق أمل للتصحيح، فنحن لا ننكر أن هناك جهودا فردية مستقلة، أو مرتبطة ببعض المؤسسات، تحاول ـ جاهدة ـ مطاردة هذه الظاهرة ومحاصرتها؛ حتى وإن كانت محدودة جدا، قياسا بحجم انتشارها.

اقرأ للكاتب أيضا: ربيع العرب السوري!

ولأن الظاهرة خطيرة، ولأنها واسعة الانتشار؛ فإن التصدي لها لا يكون إلا بتضافر الجهود على أكثر من صعيد. ولعل أهم الخطوات العملية التي أقترحها هي إنشاء مؤسسة رسمية في كل بلد عربي لمكافحة هذه الشهادات على غرار "إدارة مكافحة المخدرات"، بحيث تمارس التفتيش الدوري على هذه الشهادات في كل المؤسسات العامة والخاصة، كما لا بد وأن تؤدي هذه المؤسسة دورا توعويا بهذه الظاهرة وخطورتها، إضافة إلى عملها على سن قوانين رادعة، ومتابعة إقرارها وتنفيذها في الوقائع المتعينة، ثم إشهار هذه العقوبات بالأسماء الصريحة للمزورين والمزور لهم؛ مع تقديم دور بارز للإعلام المستقل في هذا المجال.

أخيرا، لا بد من التأكيد على أن كثيرا من الشهادات الحقيقية في العالم العربي هي وهمية في مضمونها. بمعنى أن خطوات الحصول عليها قانونية شكلا، ولكنها مزيفة مضمونا. فالحصول على شهادة الدكتوراه في بعض جامعات العرب تكون بجمع أقوال السابقين وترتيبها، أو عرض آرائهم وتوظيفها أيديولوجيا، أو مجرد تحقيق تجاري لكتاب تراثي... إلخ العبث الذي يجري في كثير من جامعات العرب باسم العلم، والعلم منهم براء.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

هشام ملحم
هشام ملحم

لكل مشوار جميل نهاية، وهذا المقال هو نهاية مشواري مع قناة الحرة. عندما طلب مني ألبرتو فيرنانديز، بعد تعيينه رئيسا لقناة الحرة، أن أعلق على الأخبار والتطورات السياسية في منطقة الشرق الأوسط وأحلل السياسات الأميركية تجاهها، أكد لي، في رسالة إلكترونية، أنني لن أتعرض إلى أي رقابة من أي مسؤول في القناة "طالما أنا موجود في منصبي"، وأنني سأتمتع بالحرية الكاملة في التعبير عن رأيي وتقييمي لما يحدث في المنطقة حتى ولو كان ذلك يتعارض كليا مع المواقف والسياسات الرسمية للولايات المتحدة.

وهذا ما حدث بالفعل خلال سنتين، قمت خلالها أيضا بالعمل مع فريق جيد ومحترف في القناة على إنتاج 6 برامج وثائقية حول قضايا أميركية مختلفة مثل الدستور الأميركي، والرئيس الأميركي الثالث توماس جيفرسون مؤلف إعلان الاستقلال، والحرب الأهلية وغيرها. كان يفترض أن ننتج 12 حلقة، ولكن تم إلغاء الحلقات الأخرى، بحجة واهية وهي تعذر التمويل. 

خلال السنتين الأوليتين لتجربتي التلفزيونية مع الحرة، كنت أعلق على الأحداث السياسية المتعلقة بأصدقاء وحلفاء واشنطن في المنطقة مثل مصر وإسرائيل وتركيا والسعودية بتجرد وموضوعية، ولم أتردد ولو مرة في انتقاد سياسات واشنطن تجاه هذه الدول، أو سياسات هذه الدول في المنطقة والعالم، وكنت أول معلق على شبكة الحرة ينتقد قرار الرئيس السابق دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. 

وكانت لي مواقف نقدية تجاه سياسات السعودية ومصر وتركيا، مع علمي المسبق أنها تتعارض مع مواقف الحكومة الأميركية، أو تتنافى مع مواقف وآراء ألبرتو فيرنانديز، الذي لم يبد أي اعتراض على تحليلاتي وآرائي، وأن استخدمها خلال بعض المقابلات الصحفية لتفنيد الاتهامات لقناة الحرة بأنها مجرد بوق للسياسات الأميركية في المنطقة.

وعندما بدأت بكتابة مقالي الأسبوعي في "من زاوية أخرى"، واصلت العمل وفقا للصيغة المتبعة، لا بل أصبحت أتمتع بمساحة أوسع لاختيار القضايا التي أريد الكتابة عنها، والتي لم تعد محصورة بشؤون وشجون الشرق الأوسط، ودون العودة إلى محرر الزاوية الذي تعاملت معه أولا، أي الزميل ثائر غندور، ولاحقا مع الزميل بهاء الحجار اللذين لم يتحفظا على أي موضوع أو مضمون أي مقال. 

وحتى المقالات التي كانت تعرضني وتعرض القناة إلى انتقادات وحتى شتائم شنيعة كما حدث قبل أسابيع حين كتبت مقالا قلت فيه إن السعودية يجب أن لا تحظى بمعاملة خاصة من قبل الولايات المتحدة بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان وسياساتها الشنيعة في المنطقة مثل حربها على اليمن، لم تؤد إلى أي تغيير في موقف القناة. بعد ذلك المقال، اتصل بي أحد الزملاء من الحرة ليعلمني فقط بأنني أتعرض لحملة شرسة في شبكة تويتر من قبل المطّبلين للسعودية، وكانت المكالمة مناسبة للتندر ولإعلامه بمستوى الرقي الأخلاقي والسياسي الذي لمسته من كارهي "جرب" الشمال  في مملكة الخير.

مقالاتي في "من زاوية أخرى"، تضمنت انتقادات للسعودية وقطر، (الاصطفاف الإعلامي في هذا العالم العربي الغريب يفترض أنك إذا انتقدت السعودية فإنك تؤيد قطر أو مدعوم منها، وإذا انتقدت قطر فهذا يعني أنك تؤيد السعودية أو مدعوم منها). لماذا على سبيل المثال لا يستطيع المحلل أو المراقب أن ينتقد الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر، واعتباره قرارا متهورا ومكلفا للجميع، وفي الوقت ذاته انتقاد سياسات قطر وعلاقاتها الحميمة مع الحركات الإسلامية المتطرفة من الإخوان إلى طالبان، وعلاقاتها الوثيقة السياسية والعسكرية مع تركيا، وإعادة الجيش التركي إلى الخليج بعد أكثر من قرن من انهيار الأمبراطورية العثمانية، والإشارة إلى أن الحصار قد قرّب الدوحة من طهران. ولماذا لا نسمع أصوات عربية تسأل الدول الخليجية التي رفعت الحصار، لماذا رفعته، وما كانت فائدته، ومن المسؤول عن كلفته السياسية والمالية؟

في مقالاتي، انتقدت سياسات عبد الفتاح السيسي القمعية في مصر، وسياسات إسرائيل الكولونيالية ضد الفلسطينيين، والهيمنة الإيرانية السافرة، عبر أطراف داخلية عميلة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، والحرب الوحشية التي يقودها بشار الأسد ضد شعبه، هذا الرئيس السوري ذاته الذي وصف قادة الخليج العرب بأنهم "أشباه رجال" يجد الآن أن دول الخليج تعيد له الاعتبار وكأنه لم يحول سوريا إلى أرض يباب. كما تعاطفت مع الانتفاضة الشعبية السلمية التي قام بها العراقيون واللبنانيون ضد القوى الطاغية والفاسدة التي تحكمهم وتنهب ثرواتهم. مقالاتي عن لبنان وأوجاعه اتسمت بحدة خاصة لأنني أعرف عن كثب أكثر المسؤولين عن مآسي لبنان العديدة، والتي لخصتها عبارة " كلن، يعني كلن". 

كتبت أيضا وبإسهاب عن الخطر الذي مثله ولا يزال يمثله دونالد ترامب والحركة الشوفينية التي يقودها على الديموقراطية الأميركية، والشروخ العميقة التي خلقها في الجسم السياسي الأميركي، وتأثير هذه السموم السياسية والثقافية على المجتمع المدني وحتى السلم المدني، وكيف أسبغ ترامب نوعا من "الشرعية" على الخطاب العنصري في البلاد. في مقالاتي في "من زاوية أخرى" أيدت بقوة سياسات جوزف بايدن تجاه دعم نضال أوكرانيا لحماية حريتها وصيانة حرمة أراضيها في وجه الحرب العدوانية التوسعية التي شنها فلاديمير بوتين لإعادة تشكيل الأمبراطورية الروسية. كما انتقدت تردد بايدن في التصدي لعنجهية وسياسات إسرائيل التوسعية ضد الفلسطينيين، واكتفائه بمناشدة الطرفين ممارسة ضبط النفس وترديد الكلام حول حقوق الفلسطينيين وإبقائه في حيز الكلام، وكذلك تراجع بايدن عن تهديداته بأنه سيعاقب السعودية "المنبوذة" بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه بحق الحكام الأوتوقراطيين الآخرين  في القاهرة وأنقرة.

هذه المساحة الواسعة من الحرية التي تمتعت بها في السنوات الماضية على منبر الحرة، كانت تدفعني لأقول لأصدقائي الأميركيين والعرب والأوروبيين أن تجربتي مع الحرة تمثل مفارقة لافتة في سنواتي الأخيرة كإعلامي يغطي واشنطن ويراقب العالم العربي والشرق الأوسط من هذا الموقع على مدى ما يقارب الأربعين سنة، وهي أن ما أستطيع ان أكتبه وأنشره بالعربية على موقع الحرة، لا أستطيع أن أكتبه أو أنشره على أي منبر عربي آخر (إن كان في صحيفة أو مجلة أو في موقع) في أي دولة عربية. هذا ببساطة هو الواقع الإعلامي العربي الراهن.

تجربتي الطويل، مراسلا لصحيفة "السفير" اللبنانية، التي أعطيتها أهم سنواتي المهنية، انتهت بقطيعة مرّة ومؤلمة باستقالتي في 2004 احتجاجا على حذف أول فقرة من مقالي حول التجديد للرئيس الأسبق جورج بوش الابن، واستبدالها بفقرة شنيعة ومهينة (للأميركيين ولكن أيضا لكاتب الفقرة) جاء فيها ما معناه أن الأميركيين جددوا لبوش ولاية ثانية ليواصل حربه على العالمين العربي والإسلامي. عندما تحدثت مع مدير التحرير ساطع نورد الدين لم أترك كلمة في قاموس الشتائم العربية لم استخدمها ضده وضد إدارة التحرير، وطلبت نشر تصحيح واعتذار في اليوم التالي، وإلا فأنني سأستقيل، وهذه المرة ستكون الاستقالة نهائية. (قبلها بسنوات قدمت استقالتي بعد أن اجتهد رئيس تحرير "السفير" طلال سلمان وأضاف فقرة رخيصة إلى رسالتي من واشنطن، أحرجتني مع مسؤولين في وزارة الخارجية، وعدت عن الاستقالة بعد اعتذاره). وبعد أيام من المناوشات والاتصالات لم تعتذر إدارة تحرير "السفير"، وأصبحت استقالتي نهائية. وجاءت الاستقالة بعد سنوات اتسمت بالتوتر وتحديدا منذ انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000. آنذاك كان موقفي – وعبرت عنه في مقابلات تلفزيونية – هو أنه بعد انسحاب إسرائيل لم يعد هناك أي مبرر لبقاء القوات السورية في لبنان، وكذلك لا مبرر لسلاح وميليشيا حزب الله. رسائلي اللاحقة التي تطرقت بها إلى المداولات في واشنطن حول إقرار الكونغرس  "لقانون محاسبة سوريا" أغضبت المسؤولين السوريين، وتوقعاتي بأن الكونغرس سيقر هذا المشروع، دفعت بناشر "السفير" طلال سلمان لأن يقول لمدير التحرير ساطع نور الدين " مش قادر اتحمل هشام، ومش قادر اتخلص منو" وذلك بعد اتصال هاتفي أجراه معه من دمشق وزير الخارجية السورية آنذاك فاروق الشرع. آنذاك اقترح رئيس التحرير الراحل، جوزف سماحة، لطلال سلمان أن أزور بيروت "لأن هشام قد ابتعد عن نبض الشارع العربي"، وعلى أن يأخذني معه إلى دمشق. وتبع هذا الاقتراح مكالمة غير ودية بيني وبين طلال. 

خلال السنوات القليلة التي عملت فيها مراسلا لمجلة "اليوم السابع"، التي كانت تصدر في باريس ويرأس تحريرها بلال الحسن، ( كانت مجلة جيدة ومنبرا لبعض أبرز الكتاب العرب) كانت مواقفي النقدية لنظام صدام حسين وللرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مصدر توتر لدرجة أنني توقفت عن الكتابة حول العلاقات الأميركية-العراقية والأميركية-الفلسطينية. وتحول التوتر إلى انفجار بعد المقابلة الشهيرة التي أجريتها مع الكاتب والصديق إدوارد سعيد، والذي انتقد فيها للمرة الأولى وبشكل مباشر ولاذع منظمة التحرير الفلسطينية وياسر عرفات وبعض كبار مساعديه بالاسم. المفارقة هي أن المقابلة نشرت في صحيفة "القبس" الكويتية. بعد أسبوع تلقيت نسخة من المجلة وفيها مقال لي حول موضوع لا أذكره الآن، وفي الصحفة المقابلة لمقالي مقال من تونس، دون توقيع تضمن هجوما لاذعا ضدي يدعي أن الزميل هشام ملحم "أجرى مقابلة مع نفسه" لأن عنوان "القبس" أشار إلى أن إدوارد سعيد "يفتح النار على منظمة التحرير". 

طبعا، الغضب الساطع أتى مرة أخرى، وأجريت اتصالا هاتفيا بالزميل جوزف سماحة الذي كان مديرا لتحرير المجلة لاستعلم عن هوية الكاتب الشجاع الذي انتقدني دون أن يفصح عن اسمه. وكما توقعت لم أحصل على جواب واضح. لاحقا أخبرني الزميل والصديق الراحل عبدالله اسكندر أن رئيس التحرير بلال الحسن هو الذي كتب المقال من باريس واستسهل أن يهاجمني وكأنني أنا الذي انتقد عرفات وجماعته، لأنه لا يستطيع أن ينتقد إدوارد سعيد بشكل مباشر. طبعا توقفت عن الكتابة إلى أن اتصل بي بلال الحسن واعترف بأنه هو كاتب المقال، واقترح علي دون خجل أن أرد عليه بمقال أدافع فيه عن نفسي. طبعا رفضت لأنني لا أريد أن ألعب لعبته وأحّول نفسي إلى طرف في نزاع أنا لست طرفا فيه. استأنفت الكتابة بعد اعتذار بلال الحسن.

على مدى أكثر من 13 سنة عملت مع قناة "العربية"، أولا مقدما لبرنامج "عبر المحيط"، وهو برنامج حواري، ولاحقا مديرا لمكتبها في واشنطن. تعرفت على رئيس تحرير العربية الأول، عبد الرحمن الراشد، قبل تأسيس القناة بسنوات عديدة حين كان يغطي واشنطن مراسلا لصحيفة "الجزيرة" السعودية، وكانت تربطنا علاقة مهنية ويعرف بانتقاداتي لانتهاكات جميع الأنظمة العربية لحقوق الإنسان، وموقفي (المفاجئ) والإيجابي جدا من مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبدالله للسلام مع إسرائيل والتي تبنتها لاحقا القمة العربية في بيروت. خلال برنامج "عبر المحيط" حدثت مشكلة بيني وبين أحد المدراء في دبي، الزميل نخلة الحاج الذي اقترحني مقدما للبرنامج. خلال البث الحي لأحد البرامج حين استضفت الصديق والباحث المتميز شبلي تلحمي والزميلة والصحافية روبن رايت، أجرى نخلة الحاج اتصالا هاتفيا بمديرة البرنامج وطلب منها أن تعلمني بضرورة وقف الحلقة اعتراضا على استضافتي لشبلي تلحمي، لأن تلحمي، وفقا لإدارة تحرير العربية، لم يكن منصفا للقناة ومنحازا لقناة "الجزيرة" القطرية في استطلاع للرأي حول القنوات العربية أجراه في تلك الفترة. طبعا اعتبرت الطلب مهينا ومستحيلا، وواصلت الحلقة حتى النهاية. وتبع ذلك انتقاد وعتاب وشكوي مني ومن إدارة التحرير. ولكن بشكل عام لم يتدخل الراشد أو الحاج في اختياري للضيوف أو المواضيع. 

آنذاك كانت تربطني علاقة مهنية جيدة بوزير الخارجية السعودي الراحل سعود الفيصل، الذي كان يثني دائما على مقابلاتي مع شبكات التلفزيون الأميركية، كما كانت تربطني بالسفير السعودي في واشنطن الأمير بندر بن سلطان، ولاحقا بمساعده عادل الجبير الذي خدم أيضا كسفير للرياض في واشنطن ولاحقا مستشارا لشؤون الأمن القومي للملك عبدالله. الأمير بندر الذي كان يعرف بمواقفي النقدية أحيانا للسعودية آنذاك (لم تكن حادة كما أصبحت لاحقا مع بروز  ولي العهد محمد بن سلمان وحروبه ضد اليمن والناشطين المدافعين عن حقوق الإنسان في الداخل) وكان يمازحني كلما التقاني بمناداتي "شيخ النقاد". وللإنصاف لم يستبعدني ولا مرة من اللقاءات الطويلة التي كان يجريها مع بعض الصحافيين العرب في واشنطن. وأذكر أنه خلال زيارة لولي العهد عبدالله بن عبد العزيز لواشنطن دعيت مع بعض الأكاديميين العرب لتناول العشاء معه في منزل الأمير بندر في فيرجينيا. آنذاك جاءني الأمير سعود (من أذكى وألطف الدبلوماسيين العرب الذين التقيتهم) وأنا أضع المقبلات في صحني، وقال أريدك أن تجلس قرب ولي العهد. كان ولي العهد عبدالله صريحا للغاية خلال حوارنا معه، وأذكر باستغراب استغرابه لإخلال زعيم الطالبان الملا عمر بوعده له، عبر الأمير تركي الفيصل الذي كان مديرا للاستخبارات السعودية، بأنه سيبقي عينه على أسامة بن لادن الذي كان قد انتقل مع عائلته إلى أفغانستان بعد مغادرته للسودان. قال لنا ولي العهد ما معناه: "تخيلوا يا اخوان هذا رجل دين ولكنه كذّاب، معقول؟" وأذكر أنني قلت لنفسي: معقول وأكثر.

خلال عملي مديرا لمكتب "العربية" كنت وزملائي نركز على تغطية السياسات الأميركية تجاه المنطقة، ونركز أكثر فأكثر على تغطية الولايات المتحدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا، وكنا نستمتع كثيرا في تغطية الانتخابات الأميركية، وفعلنا ذلك بطرق خلاقة. وكان عبد الرحمن الراشد يتفهم حساسية تغطية واشنطن ولا يطلب منا طلبات تعجيزية أو محرجة. بعد موسم الانتفاضات العربية غطينا مواقف واشنطن منها، وكانت تعليقاتي طبعا متعاطفة مع الاحتجاجات السلمية. وعندما تدخلت دول الخليج بقيادة السعودية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في البحرين بالقوة، وجدت نفسي في موقع صعب. آنذاك نشرت مقالا بالإنجليزية في مجلة "فورين بوليسي" انتقدت فيه الحملة المضادة التي قامت بها القوى المؤيدة للوضع القائم ضد قوى التغيير، وانتقدت فيه بالتحديد التدخل الخليجي السلبي في البحرين. توقعت احتجاجات من إدارة التحرير في دبي، ولكني لم أتلق أي شيء ربما لأن المقال بالإنجليزية. في وقت لاحق، وبعد أن حوّل بشار الأسد ملايين السوريين إلى لاجئين هربوا من قمعه إلى تركيا والأردن ولبنان، كتبت في مقالي الأسبوعي في صحيفة "النهار" اللبنانية (عبد الرحمن الراشد وافق على استمرار تعاوني مع النهار، على الرغم من تحفظات مسؤولين آخرين في القناة) عن هذه الظاهرة وأشرت إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يمثلها هؤلاء اللاجئون على هذه الدول الثلاثة، خاصة وأن عدد اللاجئين الذين استقبلتهم دول الخليج هو صفر. فارس بن حزام أحد المسؤولين السعوديين في "العربية"، حمل نسخة من المقال إلى الزميل نخلة الحاج، وقال له  "اقرأ ما يكتبه صاحبك هشام"، متوقعا منه أن يطلب مني التوقف عن التعبير عن مثل هذه المواقف. لاحقا اتصل بي نخلة لا ليعاتبني بل ليقول لي أنه يحترم شجاعتي، وأنه يريد فقط أن يعلمني بالعقلية السائدة في المحطة وفي الخليج تجاه الانتفاضات العربية. المراقب العربي لا يراقب فقط ما تكتبه في صحيفته أو مجلته أو موقعه، بل ما تكتبه أو تقوله في المنابر الأخرى. وهذه أيضا من الظواهر الغريبة في الإعلام العربي الراهن. 

عندما شنت دول الخليج حربها على القوات الحوثية في اليمن، والتي تحولت لاحقا إلى حرب انتقامية من اليمنيين وبنيتهم التحتية وجدت نفسي في وضع صعب للغاية، خاصة وأن إدارة الرئيس الأسبق أوباما دعمت الحرب عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا، لأن أوباما كان يريد دعم دول الخليج لاتفاقه النووي مع إيران. وحاولت أكثر من مرة التهرب من التعليق على الحرب بحجج مختلفة، وكانت القناة آنذاك بعد أن أصبح ولي العهد محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للسعودية، وبعد استقالة الراشد، وتعيين تركي الدخيل المقرب من ولي العهد مديرا عاما "للعربية"، قد أصبحت عمليا ناطقة باسم ولي العهد. تركي الدخيل، الذي عمل في منابر إعلامية مختلفة، اقترح على ولي العهد، وفقا لتقارير استخباراتية أميركية تطرقت إليها صحف مثل نيويورك تايمز إغراء أو استدراج جمال خاشقجي للعودة إلى السعودية بحجة توظيفه في قناة "العربية"، وأن ولي العهد لم يجد الاقتراح مقنعا. وعندما انهت "العربية" تعاقدها معي، في تلك الفترة المتوترة كان ذلك نهاية متوقعة ومناسبة للطرفين.

هذا بعض ما عانيت منه في المنابر والمحافل الأخرى التي عملت فيها خلال مشواري الإعلامي الطويل، الذي حاولت فيه أن أشرح للقارئ والمشاهد والمستمع العربي ما يحدث في الولايات المتحدة، سياسيا وثقافيا وكيف ترى الولايات المتحدة نفسها والعالم وما هي إنجازاتها العظيمة وعطاءاتها الكبيرة في مختلف المجالات، وما هي ايضا كبواتها الهامة وأخطائها المكلفة لنفسها وللعالم. وهذا ما حاولت أن أقوله للأميركيين في مقالاتي الإنجليزية ومقابلاتي ومحاضراتي عن طموحات وأحلام الشعوب العربية، عن محاولات العرب بناء مجتمعات حديثة ومتنورة، وكيف كانت هذه المحاولات تتعثر وتنهار على أيدي قوى رجعية وظلامية وقمعية محلية، كانت أحيانا، ولا تزال، قوى خارجية غربية وغير غربية تساهم فيها. 

أعرف صحفيين ومحللين عرب جيدين ومهنيين ونزيهين وأصحاب خبرة يعملون ويتحركون كما كنت أعمل وأتحرك، ضمن دائرة معينة حيث نحاول دائما وأبدا توسيع مساحة هذه الدائرة بقدر ما نستطيع لنوسع معها رقعة الحرية النسبية التي كنا نتمتع بها بين وقت وآخر. وهذه مهمة من المستحيل إنجازها، ولكن من المستحيل أيضا وقفها. وكل صحفي عربي يحترم نفسه/نفسها يدرك أيضا حقيقة المقولة البسيطة والصحيحة، وهي أنه لا صحافة حرة، في مجتمعات غير حرة. 

خلال تجربتي مع قناة وموقع الحرة، لم أشعر أنني أقف في دائرة مماثلة للدوائر التي وقفت فيها خلال عملي مع المنابر الإعلامية العربية، حيث كنت أدفع بالجدار السميك لهذه الدائرة وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنني قادر ولو نسبيا على توسيع حدود الدائرة ولو لمساحة بسيطة للغاية. أنا لا أقيّم هنا، قناة الحرة التلفزيونية ودورها أو قيمتها وكانت لي تحفظات على إنشاء قناة أميركية من هذا النوع قبل ولادة الحرة، ولكن هذا موضوع آخر.. أنا أتحدث فقط عن خبرتي، وعن "مشواري" معها، كمعلق تلفزيوني وككاتب مقال أسبوعي. من المؤسف للغاية أن نقول إن المنبر العربي الوحيد الذي سمح لي ولمجموعة من الأصدقاء والزملاء أن نكتب عن قضايا عربية وغير عربية، سياسية وإنسانية، فكرية واقتصادية ودينية دون قيود ودون حدود ودون  محرمات، هو موقع تابع لقناة تلفزيونية يمولها الكونغرس الأميركي، ودافع الضرائب الأميركي، وأنا واحد منهم، وأن مثل هذا الموقع ممنوع من الوجود في هذه الصحراء العربية الواسعة.