تظاهرة لـ"حزب التحرير" في تونس
تظاهرة لـ"حزب التحرير" في تونس

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم منصور الحاج/

بين الحين والآخر أدخل في حوارات مع أصدقاء إسلامويين أو مسلمين تقليديين يرفضون الديموقراطية ويعارضون العلمانية جهلا بها في الغالب واعتقادا بسمو الشريعة وصلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان وخاصة في المجتمعات الإسلامية، على الرغم من الفشل الواضح لكل الأنظمة الإسلامية في تقديم نموذج للحكم الرشيد يكفل الحقوق والحريات والتداول السلمي للسلطة.

والحجة التي عادة ما يرددها أولئك، الذين أصفهم بالحيارى، في رفضهم ومعارضتهم للأنظمة الإسلامية في الدول التي يعيشون فيها أو فروا منها هي أن الخلل يكمن في التطبيق وليس في النظرية الإسلامية للحكم أو مفهوم الشورى كما يحلو لهم تسميتها.

حظي رجال الدين في المجتمعات الإسلامية بالحصانة، فنادرا ما يعاقبون على جرائمهم الأخلاقية وفتاواهم التحريضية

​​يدعي صديقي، المعني في هذا المقال، أن الإسلام يكفل حرية الاعتقاد ويحمي الحريات الشخصية لكنه في الوقت نفسه يؤمن بوجوب تطبيق الحد على المرتدين "المحاربين"، وأن حرية التعبير لا تشمل الحق في انتقاد التراث الإسلامي أو التعرض للذات الإلهية أو النبي محمد وصحابته. كما يعتقد بأن الحجاب فرض على المسلمات وأن الجلد والرجم عقوبات أصلية غير قابلة للتغيير أو التبديل.

في اعتقادي، لا يختلف طرح هذا الصديق الإسلاموي، ومن يؤيدوه من المسلمين التقليديين، عما يطرحه الإخوان المسلمون وتنظيم "القاعدة" و"الداوعش"، فجميعهم يؤمنون بحاكمية الشريعة وسموها على سائر التشريعات "الوضعية" كما يصفونها.

اقرأ للكاتب أيضا: رحلة الانعتاق من التشدد الديني

إن مشكلة الإسلامويين تتلخص في أنهم لا يثقون في مبادئ الديموقراطية لإيمانهم بأنها نتاج الثقافة الغربية، التي يدعون بأنها لا تتوافق مع المجتمعات الإسلامية، متجاهلين ما يتمتع به المسلمون في الغرب بحقوق لم توفرها أزهى عصور حكم الشريعة الإسلامية للأقليات غير المسلمة في عهود الصحابة والتابعين.

ومرد انعدام الثقة هذا هو عقائدي بحت مبني على ضيق أفق، بل وانغلاق ورفض فكرة فشل الأطروحات الإسلامية وعدم قبول للديموقراطية الغربية ومبادئ العلمانية التي تحيد الدين وتمنح البشر الحق في إدارة شؤون دنياهم. فالإسلاميون والمسلمون التقليديون يرفضون العلمانية ويعارضون حصول المرأة على حقوقها ولا يسمحون للأقليات بممارسة شعائرهم الدينية، ولكنهم في الوقت نفسه لا يمانعون بأن يختلي رجل دين بامرأة ليرقيها بنفث لعابه عليها أو التحرش بها بحجة إخراج الجن الذي يسكنها.

وبفضل هذه الثقة العمياء، حظي رجال الدين في المجتمعات الإسلامية بالحصانة، فنادرا ما يعاقبون على جرائمهم الأخلاقية وفتاواهم التحريضية التي يتم التبرير لها بأنهم اجتهدوا وأنهم إن أصابوا فمن الله ولهم أجران وإن أخطأوا فمن أنفسهم ومن الشيطان ولهم أجر الاجتهاد. أما المسلمون الذين يهديهم فكرهم إلى رفض فكرة صلاحية الشريعة الإسلامية للتطبيق في هذا العصر، فيتهمون بالزندقة والإلحاد والسعي لنشر الفساد في الأرض والحكم بغير ما أنزل الله.

إن أحكام الشريعة الإسلامية بالفهم التقليدي لها تتنافى تماما مع فكرة الحريات وقوانين حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا

​​وبالعودة إلى صديقي الإسلاموي الذي يعترف بعدم إلمامه التام بأحكام الشريعة الإسلامية ومحدودية فهمه لأصول الفقه الإسلامي وحكمة مشروعية الأحكام في الشرع، لكنه على اقتناع تام بصلاحيتها للتطبيق في المجتمعات الإسلامية، فإنه يرى أن الإسلام وانتقاد الذات الإلهية لا يجتمعان في مسلم قط، لأن الإسلام، بحسب رأيه، يعني التسليم التام بأحكام الشرع. وهو بذلك ـ من حيث يدري أو لا يدري ـ يحكم بخروج المسلم الذي يشكك في الإسلام من دائرة الدين. وبحسب رأيه أيضا، لا يملك المسلم الحق في إنكار أي ركن من أركان الإسلام، كترك الصلاة أو الإفطار في نهار رمضان دون عذر شرعي أو دفع الزكاة أو الاعتراض على فكرة الحج بالطريقة المعتادة.

لا يعلم صديقي الحائر أنه بذلك يتفق مع "القاعدة" و"الدواعش" في تكفير من ينكر ما هو "معلوم من الدين بالضرورة" وأن الحكم الشرعي على من يفعل ذلك هو الاستتابة، وإن أبى فمصيره القتل وأنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين.

اقرأ للكاتب أيضا: قراءة نقدية لواقع السود في المجتمعات العربية (4)

عبثا يصر صديقي أنه مع الحريات ومع الشريعة في نفس الوقت، وأنه لا يرى أي تعارض بينهما، وهذا أمر تكذبه أحكام الشريعة الإسلامية ويتناقض مع الواقع الذي يعج بقصص أولئك الذين خسروا أرواحهم بسبب أطروحاتهم الجريئة التي اعتبرها الإسلاميون، أمثاله، خروجا من الملة وحكما بردتهم وتبرر إهدار دمائهم وتطليق زوجاتهم والاستيلاء على أموالهم.

وخلاصة القول، إن أحكام الشريعة الإسلامية بالفهم التقليدي لها تتنافى تماما مع فكرة الحريات وقوانين حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، وإن عليه وأمثاله الاختيار إما أن يكونوا مع مبادئ العلمانية التي تكفل الحريات وتؤمن بحقوق الإنسان أو مع الشريعة ومن يؤيدها من التنظيمات كالإخوان المسلمين و"القاعدة" و"داعش".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!