العراقي حسين محمود يعمل على إصلاح ساعة قديمة في متجره في بغداد
العراقي حسين محمود يعمل على إصلاح ساعة قديمة في متجره في بغداد

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم حسين عبد الحسين/

عزيزي إدوين، تحية وأشواق؛

مر زمن على لقائنا الأخير، يوم تحدثنا عن العراق، وتاريخه، والرحيل عنه. الأسبوع الفائت، شاهدت وثائقيا عرضه التلفزيون الألماني حول يهود العراق، وتظهر أنت في زيارة للمنزل الذي نشأت فيه في بغداد، ثم وأنت تشتري منزلا في كردستان، وتصر أنك لن تربي أولادك على أنهم من شمال لندن، حيث تقيم، بل إنك ستقول لهم إنهم من العراق، الذي يحتضن رفات أجدادهم منذ ألفي سنة وأكثر. شاهدتك تزور الكنيس في بغداد. تجلس فيه، وتدمع عيناك.

لكني أقول لك، صديقي إدوين: لا تخل أن العراق وباقي دول العرب ضاقت باليهود وحدهم وأخرجتهم من ربوعها. أنا لست يهوديا، ولكني مثلك، جذوري عراقية ضاربة في الكاظمية والكرخ، ورفات أجدادي في النجف. أنا مثلك أيضا، خرجت وعائلتي من العراق فرارا. رفض والدي القتال في حرب دموية أشعلها غرور الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وأكملها اعتقاد روح الله الخميني أنه ظلّ الله على الأرض.

لا تخل أن العراق وباقي دول العرب ضاقت باليهود وحدهم وأخرجتهم من ربوعها

​​أثناء إقامتنا في المنفى، منع صدام السفر من وإلى العراق. توفيت جدتي. لم نحضر دفنها. توفي جدي. لم نحضر دفنه. تزاوج أقاربنا، وأنجبوا، ونحن لا نسمع أخبارهم. كانت الرسائل من وإلى العراق مراقبة وصعبة، وكذلك الاتصالات الهاتفية. ابتكر أقاربي كل أنواع الأكاذيب للتستر على هوية صاحب بيتنا، أي أبي، فصدام وعد بمصادرة أملاك المتخلفين عن الخدمة العسكرية والمهاجرين، ومصادرة المنازل التي استهواها ولده الأرعن عدي.

في لبنان، بلد أجدادي لأمي الذي كبرت فيه، بقيت غريبا، فالعرب، وأولهم اللبنانيون، لا يكنّون بالأم. قضينا سنواتنا الأولى نعاني من رهاب استخبارات حافظ الأسد السوري، عدو صدام. ثم تصالح صدام والأسد، وعادت سفارة العراق إلى بيروت، فصرنا نعيش في رهاب استخبارات صدام.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان السيادة والنفايات

عشية إعادة انتخاب صدام بنسبة مئة في المئة، قبل الحرب التي أطاحت به بقليل، خابرني سفير العراق في بيروت. أخبرني أني سأزحف في اليوم التالي إلى السفارة للمشاركة في "يوم الزحف الكبير". رحت. وقفت. قال لنا عناصر الاستخبارات الذين يتظاهرون أنهم ديبلوماسيون: "الإخوان ممن يرغبون بالاقتراع سرا، أكو هنا ستارة". لم يجرؤ أي منا، من عراقيي لبنان، الاقتراب من الستارة. كلنا كتبنا نعم لصدام، وأريناها بعضنا للآخر، وتظاهرنا بفرح غامر. ثم قام أحدنا، وصرخ أنه دفاعا عن منجزات ثورتنا المجيدة، يعلن فتح باب التطوع للعودة إلى العراق والقتال. كتبت اسمي كالآخرين، وتواعدت معهم على فداء صدام بأرواحنا ودمائنا.

خرج اللبنانيون وبعض العرب إلى الشوارع يعارضون الحرب الأميركية للإطاحة بصدام. بعضهم كان من أصحاب المصالح المباشرة ممن يتقاضون كوبونات النفط من صدام، وبعضهم من معادي الغرب والإمبريالية ومشعوذي فلسطين والقضية. يوم لفّ الجنود الأميركيون رأس تمثال صدام في ساحة الفردوس بالعلم الأميركي وأسقطوه مع عراقيين، نشرت أول مقالة لي في "نيويورك تايمز"، وعنونتها: "أول يوم حرية لي".

لم يمض أسبوعان حتى وصلت بغداد لأول مرة في ربع قرن. تواعدت وأصدقاء لي، أشوريين أميركيين، وأميركيين وبريطانيين مغامرين، على اللقاء في المنصور. دخلت بيتنا. شممت رائحته. خرجت إلى الحديقة. رأيت ذكرياتي تركض على غير هدى، مثلما يركض الأطفال. وقفنا في العراق الجديد. حوّلنا المنزل إلى مقر مجلة صدرت بالإنكليزية، وكان اسمها "بغداد بوليتن".

الغرب لم يكن بلادنا، إدوين العزيز، ولكنه صار. صار بلادنا، وبلاد أولادنا. هناك ولدنا، وهنا نموت

​​مر عام كامل، شهد مقتل أحد المحررين. أغلقنا المجلة، ورحنا، كباقي الشعوب، نشاهد انهيار حضارة بأكملها. حضارة يبدو أنه لم يكن يبطئ قضاءها على نفسها إلا طغيان صدام. تعلمنا أن صدام لم يكن استثناء في العراق، ولا هو كان صنيعة الماسونية والصهيونية وباقي أركان المؤامرات الخيالية. صدام هو العراق، وصدام هو نتاج البلد وثقافته. رحل صدام، فرحل رعبه معه، واستأنف العراقيون رحلة اقتتالهم المستمرة منذ انهيار الأسرة النيو بابلية واختفاء الملك نبونيد في الحجاز في منتصف القرن السادس قبل الميلاد. أما المفارقة، فهي أن صاحب نبوءة انهيار حضارة ما بين النهرين هو النبي دانيال، الذي كان من أمثالك، عزيزي إدوين، من يهود العراق.

لا يغرنك، عزيزي إدوين، تاريخ العراق، فكثير منه صنعه أرباب الدعاية، وإلا، ما معنى أن تغرق حضارة متقدمة كالتي كان يديرها الخليفة هارون الرشيد في حرب أهلية بين ولديه الأمين والمأمون في اليوم التالي لوفاته، هذا إن صدقنا روايات هذا التاريخ.

اقرأ للكاتب أيضا: هل تعود الجزيرة العربية خضراء؟

البلاد ليست أرضا. البلاد هي من يعيشون على الأرض، وكيف يعيشون. أنت وأنا، لم تتسع لنا أرض أجدادنا. أما في الغرب البارد الأناني المادي، رحابة صدر لم نعشها من قبل. هنا، في الغرب، تتساوى حقوقنا مع الحكام وأنصاف الآلهة. هنا رائحة الورد تختلف، وكذلك ألوانه. هنا طعم الفاكهة يختلف. هنا المآكل بطعم لم نعتده. هنا أنغام الموسيقى لا تطربنا، ولا أكتاف نشبك معها لنتراقص جماعيا.

هنا، في الغرب، الحب أقل، والحرية أكثر، ونحن أبناء الشرق الأوسط البائس، نعرف أن لا حب ولا من يحبون بلا حرية. الغرب لم يكن بلادنا، إدوين العزيز، ولكنه صار. صار بلادنا، وبلاد أولادنا. هناك ولدنا، وهنا نموت.

والسلام!

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!