89 في المئة من الأطفال في ولاية الخرطوم يعملون في مهن هامشية غير منظمة
89 في المئة من الأطفال في ولاية الخرطوم يعملون في مهن هامشية غير منظمة

بقلم بابكر فيصل بابكر/

أثير لغط كبير في الأوساط الإعلامية السودانية حول إعلان صدر مؤخرا من حاكم ولاية جنوب دارفور يقرر فيه إعفاء بعض الأطفال العاملين من رسوم الدراسة وذلك بعد أن قام هؤلاء الأطفال بتسليمه تبرعا منهم من أجل المساهمة في إنجاح الدورة المدرسية التنافسية القومية التي تستضيفها ولايته نهاية العام الجاري.

وأظهرت الصحف ووسائل الإعلام عددا من الصور تجمع حاكم ولاية جنوب دارفور، آدم الفكي الطيب، مع مجموعة الأطفال الذين يعملون في نقل البضائع بالأسواق عن طريق العربات اليدوية المعروفة محليا باسم "الدرداقة" (Wheelbarrow) عقب استلامه تبرعهم.

يوضح المجلس القومي أن ثلاثة أطفال يلقون حتفهم يوميا في الطرقات بسبب عمالة الأطفال

​​تساءل كثير من الصحفيين والمعلقين حول البعد الأخلاقي وغياب المسؤولية في قبول الحاكم لاستلام تبرع من الأطفال الذين يضطرون للعمل من أجل الحصول على رسوم الدراسة وتوفير لقمة العيش لأسرهم التي طحنها الفقر.

في محاولته للدفاع عن موقفه، قال الحاكم في حوار أجرته معه "قناة أمدرمان الفضائية" إنه حاول أن يكافئ هؤلاء الأطفال على مبادرتهم وذلك بإصدار قرار بإعفائهم من رسوم الدراسة. ولم ينف أن الأطفال يضطرون للعمل من أجل مساعدة أسرهم، خلافا لما تقول به القوانين والأعراف الدولية، بل أكد أنه لا توجد أية مشكلة في عمل الأطفال طالما أنهم يجتهدون في إعالة أنفسهم وأسرهم.

اقرأ للكاتب أيضا: عندما يصبح الدين أفيون الشعوب

وأمام إصرار محاوره على التأكيد بأن تقديم خدمة التعليم مجانا لهؤلاء الأطفال هي مسؤولية الحكومة، حتى لا يضطرون إلى العمل من أجل توفير الرسوم، قال الحاكم إن رسوم التعليم موجودة في جميع ولايات السودان وإنه لا يمكن إلغاؤها.

أصبت بخيبة أمل كبيرة وأنا أستمع لهذا الوالي وهو يقول ببرود شديد إنه لا توجد مشكلة في أن يعمل الأطفال؛ وسبب الخيبة هو عدم وعي هذا المسؤول الكبير، أو تعمده تجاهل الخطر الكبير الذي يمثله هذا النوع من العمل على سلامة وصحة ورفاهية الأطفال، مما جعل العالم كله يسعى لوضع القوانين التي تمنع عمالة الأطفال.

تقول التقارير الصادرة عن "المجلس القومي لرعاية الطفولة" إن 33 في المئة من الأطفال دون سن الرابعة عشر يمارسون مهنا مختلفة، وهو الأمر الذي يمثل انتهاكا ومخالفة واضحة لقانون رعاية الأطفال السوداني.

كذلك، يوجد آلاف من التلاميذ الذين يضطرون إلى ترك مقاعد الدراسة والانصراف إلى العمل بسبب ضعف الإمكانات المادية، في مخالفة أخرى لقانون الطفل السوداني، الصادر في العام 2010، الذي يلزم الدولة "بتوفير الإمكانيات لإتاحة فرص التعلـيم الأساسـي الإلزامي بالمجان".

وتبين ذات التقارير أن نسبة الذين أكملوا الدراسة الابتدائية بولاية الخرطوم (أكبر ولايات السودان) بلغت 27 في المئة فقط، ونسبة الذين لم يكملوا التعليم بسبب المصروفات الدراسية 43 في المئة في الخرطوم، و89 في المئة من الأطفال في الولاية عينها يعملون في مهن هامشية غير منظمة.

ويوضح المجلس القومي أن ثلاثة أطفال يلقون حتفهم يوميا في الطرقات بسبب عمالة الأطفال، إذ أن أعدادا كبيرة منهم تعمل في بيع البضائع عند التقاطعات المرورية وبالتالي يكونون عرضة لحوادث الدهس.

من المعلوم بالضرورة أن ظاهرة عمل الأطفال تنتشر في العديد من الدول الفقيرة وليست قاصرة على السودان، وهي ظاهرة تتسبب فيها الأوضاع الاقتصادية الخانقة وما تؤدي إليه من بطالة وضعف في مداخيل الأسر، بجانب أسباب عديدة أخرى من بينها الحروب التي من أهم إفرازاتها مقتل الآباء وتشريد العديد من الأسر من مأوى عيشهم.

وبما أن جميع هذه الأسباب موجودة في السودان، فإن ذلك يؤدي بالضرورة إلى تفاقم الظاهرة وانتشارها بصورة واسعة، ولكن هذا الأمر لا يجب أن يكون مبررا لهذا النوع من عدم الاكتراث واللامبالاة التي اتسم بها حديث الوالي المعني الذي لم يشأ حتى أن يستنكر عمل الأطفال، بل اعتبره أمرا عاديا.

تتطلب الطفولة، بوصفها مرحلة من مراحل نمو الإنسان، العناية والتهذيب والتربية والتدريس، وليس الإهمال والتعب والشقاء

​​وإذا كان صحيح أن مسؤولية التصدي لهذه الظاهرة هي مسؤولية تضامنية تشترك فيها جميع المكونات والمؤسسات المجتمعية، إلا أن العبء الأكبر يقع على عاتق الحكومة التي يجب عليها، على الأقل، الالتزام بتفعيل مواد القوانين التي من شأنها التقليل من انتشار الظاهرة، وفي مقدمة هذه المواد تلك المتعلقة بمجانية التعليم، حيث يشير الخبراء إلى أن الرسوم المدرسية الباهظة تعد من الأسباب الأساسية التي تقف خلف تسرب نسبة كبيرة من الطلاب من المدارس.

ولكن الأمر المؤسف هو أن الحكومة لا تكتفي بتقصيرها في تطبيق القوانين، بل تتخذ إجراءات لجباية الأموال من هؤلاء الأطفال التعساء، ومن أمثلة ذلك ما تفعله المحليات (الوحدات الإدارية الصغرى) في تنظيم عمل الأطفال بالأسواق، حيث تفرض عليهم استئجار العربات اليدوية "الدرداقات" من متعهدين يقومون باستلام عائد عمل الأطفال ثم يمنحونهم الفتات، ويتقاسمون الأموال لاحقا مع المحليات.

اقرأ للكاتب أيضا: استهداف المدارس الكنسية في السودان

لا تستحي الحكومة من عجزها عن رعاية هؤلاء الأطفال وضمان حقوقهم، بل هي ترتزق وتتكسب من وراء الأعمال الشاقة التي يقومون بها، فهم يمارسون أعمالا تعرض حياتهم للضغوط والخطر المتواصل من شاكلة عمل "الدرداقة" الذي يجبر أجسادهم الضعيفة على سحب حمولات ثقيلة وأكبر من قدرتها بكثير.

تتطلب الطفولة، بوصفها مرحلة من مراحل نمو الإنسان، العناية والتهذيب والتربية والتدريس، وليس الإهمال والتعب والشقاء، والأطفال هم ثروة البلاد ومستقبلها الزاهر، وهو ما يحتم ضرورة مراعاة تنشئتهم في بيئة صالحة تسمح لهم بالنمو الطبيعي بعيدا عن أجواء القهر والحرمان والمعاناة والذلة والإهانة، وهو الأمر الذي يجب أن يكون ضمن أولويات أي حكومة راشدة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!