أكثر المشاكل التي انكوى بها الإعلاميون ونشطاء السوشيل ميديا هو أن تعريف الأفعال المجرمة غير منضبط
أكثر المشاكل التي انكوى بها الإعلاميون ونشطاء السوشيل ميديا هو أن تعريف الأفعال المجرمة غير منضبط

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم نضال منصور/

تكاد تكون مصادفة مؤلمة إذا ما عرض على أعمال الدورة العادية المقبلة لمجلس النواب الأردني مشروع القانون المعدل لضريبة الدخل ومشروع القانون المعدل للجرائم الإلكترونية؛ ففي الوجدان الشعبي عند البعض فإن قانون ضريبة الدخل سيجردهم من أموالهم دون وجه حق، وقانون الجرائم الإلكترونية لن يسمح لهم بفتح أفواههم للرفض أو التعبير احتجاجا وغضبا.

تتزايد في الأردن بشكل لافت ظاهرة الأخبار الكاذبة والشائعات التي تطال كل شيء. لم يعد هناك الكثير من الخطوط الحمراء التي ظلت لعقود لا يقترب منها الأردنيون بالنقد أو التجريح، وأصبح من السهل متابعة الحض على العنف والتحريض على الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي، وكثيرة هي الأمثلة على التلفيق والافتراء والشتائم والكلام المعيب بحق الكثير من الشخصيات العامة.

وتتنامى هذه الحالة بتصاعد نقاش عن الحل لمواجهة فوضى الشائعات والمعلومات الكاذبة، وهي ظاهرة يعاني منها العالم ولا تقتصر على الأردن، واضطر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وفي أكثر من اجتماع مع الإعلاميين مؤخرا إلى التنبيه لمخاطر "اغتيال الشخصية".

عدلت الحكومة قانون المطبوعات عام 2012 فأغلقت 291 موقعا إلكترونيا واشترطت الترخيص لـ"تأديبها" وجلبها لـ"بيت الطاعة"

​​تستسهل الحكومات أن يندفع صانعو القرار إلى فرض أو تعديل تشريعي يتعامل ويضبط "المشاكل" إن جاز التعبير التي خلقت لهم "الصداع" والأزمات، والتجارب في هذا السياق كثيرة، وفي شأن حرية التعبير والإعلام واضحة وجلية.

أكثر دليل وحجة دامغة على استخدام القانون كأداة للتقييد أن الحكومات الأردنية المتعاقبة عدلت قانون المطبوعات والنشر منذ عام 1993 أكثر من عشر مرات، وفي كل مرة كانت تريد محاصرة وسائل الإعلام، وإن تذرعت بالتنظيم وحماية المجتمع من التجاوزات والإساءات.

اقرأ للكاتب أيضا: 'معركة' الأونروا واستراتيجية ترامب

في العام 1997 أصدرت الحكومة قانونا معدلا للمطبوعات والنشر تسبب في إغلاق أكثر من 13 صحيفة أسبوعية لأن المسؤولين لم يعودوا يتحملون نقدها، وعادت الصحف للصدور بعر قرار تاريخي لمحكمة العدل العليا بالأردن بعدم دستورية القانون.

وتكرر ذات المشهد عام 2012 حين عدلت الحكومة قانون المطبوعات والنشر، وهذه المرة "لتأديب" المواقع الإخبارية الإلكترونية وجلبها لـ"بيت الطاعة"، فأغلقت 291 موقعا، واشترطت في سابقة عالمية ترخيص أي موقع في الفضاء الإلكتروني من هيئة الإعلام التابعة للحكومة.

أرسلت حكومة رئيس الوزراء السابق هاني الملقي، قبل استقالتها، للبرلمان قانونا معدلا للجرائم الإلكترونية يقدم تعريفا لخطاب الكراهية، وفرضت على من يدان بهذه الجريمة عقوبة مغلظة تبدأ من سنة سجن وتصل إلى ثلاث سنوات، بالإضافة الى غرامة مالية تبدأ من 5 آلاف دينار أردني (أي ما يعادل 7 آلاف دولار) وتنتهي بـ 10 آلاف دينار أردني (أي ما يزيد عن 14 ألف دولار).

منذ أن طرح هذا التعديل القانوني، لن تتوقف النقاشات والاتهامات؛ فالحكومة ترى أن هذه خطوة هامة لردع المتسببين "بالفتنة" والتشهير بالناس وخاصة الموظفين العموميين ووصمهم باتهامات كاذبة بالفساد، وفي الجانب الآخر يرى إعلاميون ونشطاء حقوقيون وعديد من البارزين في استخدام "السوشيل ميديا" أن هذه التعديلات تستهدف ضرب حرية التعبير والإعلام. وتكميم أصوات الناس.

يدرك المدافعون والنشطاء أنهم باتوا يمتلكون "أسلحة فتاكة" اسمها "السوشيل ميديا"، حيث أسقطوا هيمنة السلطة واحتكارها للمعلومات، وبات كل منهم يمتلك منصته التي يطل منها على الناس ليقول لهم ما يريد.. نعم، ما يريد دون أن ترتجف أوصاله إن قال كلاما معيبا أو انتهك حق الخصوصية للناس!

من غير المنصف إنكار وجود فوضى تسود هذا الفضاء، ومن ينكر حالة التردي يكون كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال؛ غير أن السؤال الملح الذي تتجاهله الحكومات: هل تعديل القوانين وتغليظ العقوبات ينهي أو يحد من هذه الجرائم أو يحسن الحالة المهنية أو يشذب السلوكيات والأخلاقيات؟

كثيرة هي الأسباب التي تدفعنا لمعارضة تعديلات قانون الجرائم وفي مقدمتها الخوف من إهدار الحق في حرية التعبير باعتباره الحق الأجدر بالرعاية، بالإضافة إلى قناعة شخصيات قانونية كثيرة بأن هناك مظلة تشريعية كافية تسمح بملاحقة خطاب الكراهية. وتشير هذه الشخصيات إلى قانون العقوبات الذي يتضمن مواد قانونية تجرم القدح والذم للموظف العام وآحاد الناس، وإطالة اللسان على الأنبياء وأرباب الشرائع السماوية، وخطاب الكراهية وإثارة النعرات الطائفية، وتقويض نظام الحكم. هذه المواد القانونية أمثلة لما يحتويه قانون العقوبات، فماذا عن قانون مكافحة الإرهاب، وانتهاك حرمة المحاكم، والمطبوعات والنشر؟ والسؤال إذن: لماذا الحاجة لتعديل القانون وإضافة نصوص تجريمية جديدة؟

لا تتوقف أسباب المعارضة لتعديل القانون على ما سبق، إنما تمتد إلى التعريف غير المنضبط لخطاب الكراهية، والذي يعطي الحق في التوسع بملاحقة من يستخدمون حقهم بإبداء آرائهم تحت حجة أنها تحض على الكراهية.

أكثر المشاكل التي انكوى بها الإعلاميون ونشطاء السوشيل ميديا هو أن تعريف الأفعال المجرمة غير منضبط، فماذا تعني إثارة الفتنة والنعرات، أو الأمن الوطني، أو الإساءة للاقتصاد الوطني؟

خطاب الكراهية مشكلة دولية توجع العالم، وهناك جدل واسع ونقاشات منذ سنوات للتعامل معها في سياق حقوقي يضمن التصدي لخطاب الكراهية دون المس بحرية التعبير.

أول المبادرات التي لم يلتفت لها المشروع الأردني عند وضع تعريف لخطاب الكراهية الجهود التي بذلتها منظمة "المادة 19" (Article 19) وما أسمته "مبادئ كامدن"، وما تبعه من جهود للمفوضية السامية لحقوق الإنسان والتي انتهت بـ"خطة الرباط" التي كانت نتاج لخمسة اجتماعات واسعة ومتخصصة لخبراء من دول مختلفة.

الحكومات الأردنية المتعاقبة استخدمت التشريع كأداة لتقييد حرية التعبير والإعلام

​​على الرغم من إقرار النظام القانوني في الأردن بأن المعاهدات التي صادق عليها الأردن تسمو على القانون الوطني، لكن عند التطبيق فإن العديد من التشريعات التي تُسن تضرب بعرض الحائط عند مناقشتها وإقرارها بالمبادئ والمعاهدات الدولية، وربما يكون التعديل المقترح وتعريف خطاب الكراهية نموذجا لهذا التعسف وتجاهل الالتزامات الدولية.

ربما يزيد عدد الذين يملكون حسابات على موقع "فيسبوك" في الأردن على 5 ملايين، هذا عدا عن وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، والتدقيق بالمشهد قليلا يدعو للسخرية، فهل يعقل أن يحال المئات ولن أقول الآلاف الى المدعين العامين والمحاكم لملاحقتهم على أفعال تعتبر خطاب كراهية بنظر السلطة التنفيذية؟ أم ستلجأ الحكومات لتطبيق العدالة بشكل انتقائي على من ترى أنهم "مشاغبون" ومزعجون لها، بمعنى تطبيق "العدالة الانتقائية"؟

اقرأ للكاتب أيضا: الشائعات في الأردن مبرمجة لتقويض استقرار الدولة.. أم فزاعة لإسكات الأصوات المخالفة؟

أقر مثل الحكومة بأنني منزعج ممن يفتعلون الأزمات ويفبركون القصص ويشغلون الفضاء الإلكتروني بفيلم "بورنو" مفبرك لشخصية سياسية، ولكني أخالفهم في بناء منظومة الحلول. فالتجريم وتغليظ العقوبات ليس الحل. المشكلة في منظومة القيم التي تحتاج إلى تعديل وتغيير، فحين يمارس الناس احترام الرأي الآخر، والقبول بالاختلاف، والاعتراف بأن القيم والأخلاق إنسانية عابرة للأديان والحدود، نكون قد قطعنا نصف مشوار الحل.

لا نحتاج إلى "عصا" السلطة حتى ينضج استخدام المجتمع لـ"السوشيل ميديا"، ربما نحتاج إلى مراصد مجتمعية تدين الأخبار الكاذبة، والإساءات وخطاب الكراهية، وتفضح من يرتكبها ويروجها، وربما علينا الاستدراك لنعيد الاعتبار لتدريس الأخلاق بدءا من رياض الأطفال بالمدارس بدلا من أن يكون شبابنا قنابل متفجرة يختطفهم ويوظفهم الظلاميون و"الداعشيون"!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.