أكثر المشاكل التي انكوى بها الإعلاميون ونشطاء السوشيل ميديا هو أن تعريف الأفعال المجرمة غير منضبط
أكثر المشاكل التي انكوى بها الإعلاميون ونشطاء السوشيل ميديا هو أن تعريف الأفعال المجرمة غير منضبط

استمع إلى المقال:

​​

​​

بقلم نضال منصور/

تكاد تكون مصادفة مؤلمة إذا ما عرض على أعمال الدورة العادية المقبلة لمجلس النواب الأردني مشروع القانون المعدل لضريبة الدخل ومشروع القانون المعدل للجرائم الإلكترونية؛ ففي الوجدان الشعبي عند البعض فإن قانون ضريبة الدخل سيجردهم من أموالهم دون وجه حق، وقانون الجرائم الإلكترونية لن يسمح لهم بفتح أفواههم للرفض أو التعبير احتجاجا وغضبا.

تتزايد في الأردن بشكل لافت ظاهرة الأخبار الكاذبة والشائعات التي تطال كل شيء. لم يعد هناك الكثير من الخطوط الحمراء التي ظلت لعقود لا يقترب منها الأردنيون بالنقد أو التجريح، وأصبح من السهل متابعة الحض على العنف والتحريض على الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي، وكثيرة هي الأمثلة على التلفيق والافتراء والشتائم والكلام المعيب بحق الكثير من الشخصيات العامة.

وتتنامى هذه الحالة بتصاعد نقاش عن الحل لمواجهة فوضى الشائعات والمعلومات الكاذبة، وهي ظاهرة يعاني منها العالم ولا تقتصر على الأردن، واضطر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وفي أكثر من اجتماع مع الإعلاميين مؤخرا إلى التنبيه لمخاطر "اغتيال الشخصية".

عدلت الحكومة قانون المطبوعات عام 2012 فأغلقت 291 موقعا إلكترونيا واشترطت الترخيص لـ"تأديبها" وجلبها لـ"بيت الطاعة"

​​تستسهل الحكومات أن يندفع صانعو القرار إلى فرض أو تعديل تشريعي يتعامل ويضبط "المشاكل" إن جاز التعبير التي خلقت لهم "الصداع" والأزمات، والتجارب في هذا السياق كثيرة، وفي شأن حرية التعبير والإعلام واضحة وجلية.

أكثر دليل وحجة دامغة على استخدام القانون كأداة للتقييد أن الحكومات الأردنية المتعاقبة عدلت قانون المطبوعات والنشر منذ عام 1993 أكثر من عشر مرات، وفي كل مرة كانت تريد محاصرة وسائل الإعلام، وإن تذرعت بالتنظيم وحماية المجتمع من التجاوزات والإساءات.

اقرأ للكاتب أيضا: 'معركة' الأونروا واستراتيجية ترامب

في العام 1997 أصدرت الحكومة قانونا معدلا للمطبوعات والنشر تسبب في إغلاق أكثر من 13 صحيفة أسبوعية لأن المسؤولين لم يعودوا يتحملون نقدها، وعادت الصحف للصدور بعر قرار تاريخي لمحكمة العدل العليا بالأردن بعدم دستورية القانون.

وتكرر ذات المشهد عام 2012 حين عدلت الحكومة قانون المطبوعات والنشر، وهذه المرة "لتأديب" المواقع الإخبارية الإلكترونية وجلبها لـ"بيت الطاعة"، فأغلقت 291 موقعا، واشترطت في سابقة عالمية ترخيص أي موقع في الفضاء الإلكتروني من هيئة الإعلام التابعة للحكومة.

أرسلت حكومة رئيس الوزراء السابق هاني الملقي، قبل استقالتها، للبرلمان قانونا معدلا للجرائم الإلكترونية يقدم تعريفا لخطاب الكراهية، وفرضت على من يدان بهذه الجريمة عقوبة مغلظة تبدأ من سنة سجن وتصل إلى ثلاث سنوات، بالإضافة الى غرامة مالية تبدأ من 5 آلاف دينار أردني (أي ما يعادل 7 آلاف دولار) وتنتهي بـ 10 آلاف دينار أردني (أي ما يزيد عن 14 ألف دولار).

منذ أن طرح هذا التعديل القانوني، لن تتوقف النقاشات والاتهامات؛ فالحكومة ترى أن هذه خطوة هامة لردع المتسببين "بالفتنة" والتشهير بالناس وخاصة الموظفين العموميين ووصمهم باتهامات كاذبة بالفساد، وفي الجانب الآخر يرى إعلاميون ونشطاء حقوقيون وعديد من البارزين في استخدام "السوشيل ميديا" أن هذه التعديلات تستهدف ضرب حرية التعبير والإعلام. وتكميم أصوات الناس.

يدرك المدافعون والنشطاء أنهم باتوا يمتلكون "أسلحة فتاكة" اسمها "السوشيل ميديا"، حيث أسقطوا هيمنة السلطة واحتكارها للمعلومات، وبات كل منهم يمتلك منصته التي يطل منها على الناس ليقول لهم ما يريد.. نعم، ما يريد دون أن ترتجف أوصاله إن قال كلاما معيبا أو انتهك حق الخصوصية للناس!

من غير المنصف إنكار وجود فوضى تسود هذا الفضاء، ومن ينكر حالة التردي يكون كالنعامة التي تدفن رأسها بالرمال؛ غير أن السؤال الملح الذي تتجاهله الحكومات: هل تعديل القوانين وتغليظ العقوبات ينهي أو يحد من هذه الجرائم أو يحسن الحالة المهنية أو يشذب السلوكيات والأخلاقيات؟

كثيرة هي الأسباب التي تدفعنا لمعارضة تعديلات قانون الجرائم وفي مقدمتها الخوف من إهدار الحق في حرية التعبير باعتباره الحق الأجدر بالرعاية، بالإضافة إلى قناعة شخصيات قانونية كثيرة بأن هناك مظلة تشريعية كافية تسمح بملاحقة خطاب الكراهية. وتشير هذه الشخصيات إلى قانون العقوبات الذي يتضمن مواد قانونية تجرم القدح والذم للموظف العام وآحاد الناس، وإطالة اللسان على الأنبياء وأرباب الشرائع السماوية، وخطاب الكراهية وإثارة النعرات الطائفية، وتقويض نظام الحكم. هذه المواد القانونية أمثلة لما يحتويه قانون العقوبات، فماذا عن قانون مكافحة الإرهاب، وانتهاك حرمة المحاكم، والمطبوعات والنشر؟ والسؤال إذن: لماذا الحاجة لتعديل القانون وإضافة نصوص تجريمية جديدة؟

لا تتوقف أسباب المعارضة لتعديل القانون على ما سبق، إنما تمتد إلى التعريف غير المنضبط لخطاب الكراهية، والذي يعطي الحق في التوسع بملاحقة من يستخدمون حقهم بإبداء آرائهم تحت حجة أنها تحض على الكراهية.

أكثر المشاكل التي انكوى بها الإعلاميون ونشطاء السوشيل ميديا هو أن تعريف الأفعال المجرمة غير منضبط، فماذا تعني إثارة الفتنة والنعرات، أو الأمن الوطني، أو الإساءة للاقتصاد الوطني؟

خطاب الكراهية مشكلة دولية توجع العالم، وهناك جدل واسع ونقاشات منذ سنوات للتعامل معها في سياق حقوقي يضمن التصدي لخطاب الكراهية دون المس بحرية التعبير.

أول المبادرات التي لم يلتفت لها المشروع الأردني عند وضع تعريف لخطاب الكراهية الجهود التي بذلتها منظمة "المادة 19" (Article 19) وما أسمته "مبادئ كامدن"، وما تبعه من جهود للمفوضية السامية لحقوق الإنسان والتي انتهت بـ"خطة الرباط" التي كانت نتاج لخمسة اجتماعات واسعة ومتخصصة لخبراء من دول مختلفة.

الحكومات الأردنية المتعاقبة استخدمت التشريع كأداة لتقييد حرية التعبير والإعلام

​​على الرغم من إقرار النظام القانوني في الأردن بأن المعاهدات التي صادق عليها الأردن تسمو على القانون الوطني، لكن عند التطبيق فإن العديد من التشريعات التي تُسن تضرب بعرض الحائط عند مناقشتها وإقرارها بالمبادئ والمعاهدات الدولية، وربما يكون التعديل المقترح وتعريف خطاب الكراهية نموذجا لهذا التعسف وتجاهل الالتزامات الدولية.

ربما يزيد عدد الذين يملكون حسابات على موقع "فيسبوك" في الأردن على 5 ملايين، هذا عدا عن وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، والتدقيق بالمشهد قليلا يدعو للسخرية، فهل يعقل أن يحال المئات ولن أقول الآلاف الى المدعين العامين والمحاكم لملاحقتهم على أفعال تعتبر خطاب كراهية بنظر السلطة التنفيذية؟ أم ستلجأ الحكومات لتطبيق العدالة بشكل انتقائي على من ترى أنهم "مشاغبون" ومزعجون لها، بمعنى تطبيق "العدالة الانتقائية"؟

اقرأ للكاتب أيضا: الشائعات في الأردن مبرمجة لتقويض استقرار الدولة.. أم فزاعة لإسكات الأصوات المخالفة؟

أقر مثل الحكومة بأنني منزعج ممن يفتعلون الأزمات ويفبركون القصص ويشغلون الفضاء الإلكتروني بفيلم "بورنو" مفبرك لشخصية سياسية، ولكني أخالفهم في بناء منظومة الحلول. فالتجريم وتغليظ العقوبات ليس الحل. المشكلة في منظومة القيم التي تحتاج إلى تعديل وتغيير، فحين يمارس الناس احترام الرأي الآخر، والقبول بالاختلاف، والاعتراف بأن القيم والأخلاق إنسانية عابرة للأديان والحدود، نكون قد قطعنا نصف مشوار الحل.

لا نحتاج إلى "عصا" السلطة حتى ينضج استخدام المجتمع لـ"السوشيل ميديا"، ربما نحتاج إلى مراصد مجتمعية تدين الأخبار الكاذبة، والإساءات وخطاب الكراهية، وتفضح من يرتكبها ويروجها، وربما علينا الاستدراك لنعيد الاعتبار لتدريس الأخلاق بدءا من رياض الأطفال بالمدارس بدلا من أن يكون شبابنا قنابل متفجرة يختطفهم ويوظفهم الظلاميون و"الداعشيون"!

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.