رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز
رئيس الوزراء الأردني الدكتور عمر الرزاز

بقلم داود كتّاب/

يفهم عدد قليل من القادة أن إحدى أهم مسؤولياتهم هي التواصل مع جمهورهم. على الرغم من إمكانية اتخاذ قرارات بطريقة علمية بعد دراسة جميع الخيارات، يتطلب كسب ثقة المواطنين وإقناعهم في دعم تلك القرارات مهارات غير متوفرة لدى العديد من المسؤولين. يمكن تعلم بعض مهارات التواصل، إلا أن الزعيم الناجح غالبا ما يمتلك مهارات فطرية.

فكرت في موضوع النجاح في التواصل عند مراقبة أداء رئيس الوزراء الأردني الحالي عمر الرزاز وهو يحاول قيادة حكومته وهي تحاول إقناع المواطنين في الأردن بالقبول بخطة اقتصادية تشمل قرارات صعبة تحتاجها الدولة الأردنية، بهدف الحصول على قروض بفوائد مخفضة لسداد ديون مستحقة في أوائل العام المقبل بقيمة مليار و800 مليون دولار. من أجل الحصول على تلك القروض، تحتاج الحكومة إلى إقناع صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات بوجود خطة اقتصادية سليمة بما في ذلك قانون جديد لضريبة الدخل. فهناك حاجة لتوسيع أفقي وعامودي لرقعة دافعي الضريبة.

أحد أهم أسرار نجاح القائد في التواصل مع الشعب هي القدرة على التعاطف مع الطرف الآخر والاستماع بجدية

​​يعرف عمر الرزاز، وهو خريج جامعة هارفرد والموظف السابق في صندوق النقد الدولي، أن الوضع الاقتصادي الأردني غير صحي وغير عادل تجاه الطبقتين الوسطى والفقيرة. فالضرائب غير المباشرة تمس جميع الفئات وتشكل النسبة الأكبر من دخل الحكومة بدل أن تكون الضريبة التصاعدية هي الأساس في الدخل الحكومي.

لكن، فهم الوضع وتعديله أمران مختلفان. فالجمهور غير مستعد لتقبل فكرة التغييرات التدريجية، خصوصا أن الشعب فقد الثقة في الحكومات المتتالية. المشكلة كما أوضحها أصغر الوزراء سنا مهند الغرايبة هي أن أهم ما تحتاجه الحكومة هو الوقت. ولكن، الوقت غير متوفر لحكومة بحاجة إلى تمرير قانون ضروري لإقناع المقرضين الدوليين بتوفير قروض ميسرة.

اقرأ للكاتب أيضا: هل سيتم استثناء المقدسيين من قرار فك الارتباط؟

وبعد أن عدلت الحكومة، بقدر ما استطاعت في اقتراح القانون السابق للضريبة، قامت بنشر النسخة الجديدة للاقتراح على موقع ديوان التشريع والرأي وأعطت المواطنين عشرة أيام للمراجعة والتعليق عليه.

وفي الوقت عينه أطلقت حكومة الرزاز أكبر حملة واسعة للتواصل مع المواطنين من خلال لقاءات مباشرة والحديث عبر الإعلام وغيرها.

استهل رئيس الوزراء الحملة بمحاضرة شاملة في مركز الدراسات الاستراتيجية، رد خلالها على جميع الأسئلة التي طرح الحاضرون وبقي أكثر من ساعة إضافية للتحدث مع المواطنين وحاول الإجابة على كل الأسئلة التي وجهت له، وتلك التي لم يستطع الإجابة عليها، استعان بوزرائه المتواجدين معه في باحة القاعة بعد المحاضرة.

وافق رئيس الوزراء أيضا على تلبية دعوة صديق مشترك والتقى في منزل المحامي الناشط سائد كراجة مع ممثلي الحراك الشبابي، الذين تسببت تظاهراتهم في حزيران/يونيو الماضي بسقوط حكومة هاني الملقي، وتكليف الرزاز. ما رشح من اللقاء يظهر أن الرزاز استمع معظم الوقت بدلا من الحديث.

من المؤكد أن أحد أهم أسرار نجاح القائد في التواصل مع الشعب هي القدرة على التعاطف مع الطرف الآخر والاستماع بجدية؛ ويتطلب هذا الأمر الصبر وسعة الصدر لتقبل النقد وحتى الاستماع لأفكار غير مكتملة وحجج غير منطقية.

الجمهور غير مستعد لتقبل فكرة التغييرات التدريجية، خصوصا أنه فقد الثقة في الحكومات المتتالية

​​يفهم الرزاز أنه يتعامل مع تراكمات من عدم الثقة في الحكومات المتعاقبة، الأمر الذي يسمم العلاقات ويجعل إقناع المواطن أن الأمر يختلف هذه المرة عن سابقاته أمرا صعبا. ففي الأردن، لا توجد حكومات برلمانية منتخبة والأحزاب ضعيفة للغاية، الأمر الذي يزيد من الضغوط على رؤساء الوزراء ويخلق نتائج سلبية عند إخفاق الحكومات لأن الجمهور يفقد ثقته بالمؤسسات.

ولمعالجة الموضوع، اضطر الرزاز، على سبيل المثال، أن ينتصر للشعب حتى على حساب وزرائه. فعندما رفض المواطنون الاستماع للوزراء، قال رئيس الوزراء إنه من الضروري أن ندرس أسباب الاحتقان الذي أوصل الجمهور لهذا الوضع.

اقرأ للكاتب أيضا: هل يجب على العرب تحمل مسؤولية أكبر للاجئين الفلسطينيين؟

ظهرت قدرة الرزاز على التعاطف في أيام حكومته الأولى عندما حاول مواطن القفز من شرفة البرلمان أثناء اجتماع البرلمان لنقاش إعطاء الثقة للحكومة؛ توجه الرزاز إلى لقاء المواطن وجلس معه أمام الكاميرات، وظهر رئيس الوزراء وهو يدون ملاحظات من مواطن عادي أجبره الوضع على اتخاذ قرار القفز. 

بالطبع، إن التواصل وحده ليس كافيا. فالقائد المتواصل يفهم أن قدرته على التأثير ستكون محدودة مهما كان مهاراته جيدة في الحوار والتعاطف. فالمواطن بحاجة إلى رؤية ولمس التغييرات. ولكن إن كان هناك ضرورة لشراء الوقت، فإن القائد المتواصل قد ينجح لمدة زمنية محددة في إقناع المواطنين بالتحمل والانتظار لكي تتحول الأفكار والقرارات إلى نتائج يمكن للمواطنين تلمسها.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.