طائرة روسية من طراز IL-20M
طائرة روسية من طراز IL-20M

بقلم عريب الرنتاوي/

سعت إسرائيل في فرض قواعدها الخاصة للاشتباك في الأجواء والسماوات السورية، وسجلت في ذلك نجاحا ملموسا، إذ ضربت طائراتها وصواريخها في كل مكان وبأي توقيت أرادت، في ظل عجز سوري عن تبديل هذه القواعد، وانشغال إيراني بملفات العقوبات الأميركية وأولوياتها الضاغطة، وغرق "حزب الله" في الشأن اللبناني الداخلي تحت ضغط الاحتياجات المتزايدة لـ"بيئته الحاضنة".

طوال السنوات الثلاث التي أعقبت التدخل العسكري الروسي في سورية، ظلت الأنظار شاخصة صوب الكرملين، لتفكيك ألغاز موقفه من الضربات الإسرائيلية المتكررة على سورية، تباينت الآراء وتعددت التقديرات، ومع كل لقاء قمة جمع فلاديمير بوتين ببنيامين نتنياهو، كانت صورة الموقف الروسي تنجلي قليلا، إلى أن تكشفت الأنباء عن "تفاهمات روسية ـ إسرائيلية" تتفهم بموجبها روسيا "حاجة" إسرائيل للاحتفاظ بـ"يد طليقة" في الأجواء السورية، شريطة التزام قطعي بعدم تعريض الجنود والمواقع الروسية لأية أخطار أو تهديدات.

أثارت الحدود "المتواضعة" لردة الفعل الروسية قدرا كبيرا من القلق والامتعاض في أوساط بقية أطراف ما يعرف بـ"محور المقاومة والممانعة"

​​امتنعت موسكو تحت ضغط تل أبيب وواشنطن عن تقديم صواريخ "إس 300"، وأية منظومة دفاعات أرضية "كاسرة للتوازن"، وصدرت الأوامر للقوات الروسية في سورية بعدم التعرض للطائرات والصواريخ الإسرائيلية، وقد قيل أكثر من ذلك، أن موسكو حجبت معلومات عن الجانب الإيراني على وجه التحديد، عن عمليات استهداف جوية، رصدتها أجهزة الرادار والإنذار المبكر الروسية، الأمر الذي أثار جدلا لم ينقطع حتى اليوم، حول ما إذا كانت هناك "مصلحة مشتركة"، إسرائيلية ـ روسية، في تقليص النفوذ الإيراني في سورية، أو حتى إنهائه بشكل كامل.

وبصرف النظر عن "حجم" المسؤولية التي تتحملها إسرائيل عن واقعة إسقاط الطائرة الروسية وعلى متنها 15 عنصرا روسيا، لقوا حتفهم جميعا، فإن كثيرا من المراقبين باتوا يعتقدون أن هذه الواقعة سيكون لها دور في استحداث بعض التغيير في "قواعد الاشتباك" الإسرائيلية.. وتقول التقديرات بشأن ما يعتمل داخل الكرملين من نقاشات حول هذه "الفاجعة" المهينة لروسيا، إن القيادة الروسية لجأت إلى استخدام "لغتين" عند صياغة ردود أفعالها، واحدة تركت للعسكريين، وجاءت طافحة بالوعيد والتهديد ومفعمة بالتعهدات بأن "الفعلة الإسرائيلية لن تمر من دون رد".. والأخرى؛ تركت للسياسيين، الذين برأوا إسرائيل من تهمة "الاعتداء العمد" وعبرت عن الارتياح لإعراب إسرائيل عن "الأسف" للواقعة، والأسف هنا ليس اعتذارا، في مسعى على ما يبدو لتوظيف الحادثة من أجل صياغة قواعد جديدة للاشتباك في سورية وفوقها.

اقرأ للكاتب أيضا: حرب لا منتصر فيها، وسلام على قاعدة 'خاسر ــ خاسر'

لم يكن أبدا بوارد روسيا أن تدخل في "اشتباك جانبي" مع إسرائيل ردا على واقعة "إيل 20". هذا ليس خيارا لموسكو التي ترغب في "إغلاق" الملف السوري، وتتفادى الانخراط في معارك ومواجهات، قد تعيد قلب المشهد السوري رأسا على عقب، مهددة بذلك كل الإنجازات المكلفة التي حققتها في السنوات القليلة الفائتة.. تدرك موسكو أن الاشتباك مع إسرائيل، هو اشتباك مع الولايات المتحدة و"الناتو"، ودوائرها تعتقد أن ثمة في واشنطن من يبحث عن "فرصة" من هذا النوع لإعادة ترتيب المشهدين السوري والإقليمي، وربما إعادة ترتيب منظومة العلاقات الدولية المختلة، وتحديدا لجهة العلاقة بين القطبين.

لكن روسيا في المقابل، ما كان لها أن تصمت على هذه "الإهانة" بالغة السفور والتحدي لهيبتها ومكانتها في سورية، لاسيما وأنها تأتي في ذروة ازدهار العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية، فقررت على ما يبدو حصر خياراتها بين حدين اثنين: الأول؛ إلزام إسرائيل بقبول "قواعد اشتباك" جديدة تقوم أساسا على تنسيق عمليات الحربية مع غرفة العمليات الروسية، إن لم يكن فوق جميع الأراضي السورية فأقله في مناطق محددة تتميز بوجود ونشاط روسيين كثيفين، وإن لم يكن من باب أخذ "الإذن المسبق"، فأقله من باب "العلم والخبر".. أما الثاني؛ فقد يندرج في سياق "تعزيز القدرات الدفاعية السورية" وتطوير منظومة الصواريخ المضادة للطائرات والصواريخ، وفي هذا السياق، لا يستبعد المراقبون أن تعاود دمشق وموسكو البحث في إتمام صفقة الـ "أس 300" المعطلة منذ عهد الأسد الأب.

أثارت الحدود "المتواضعة" لردة الفعل الروسية على حادثة الطائرة قدرا كبيرا من القلق والامتعاض في أوساط بقية أطراف ما يعرف بـ"محور المقاومة والممانعة"، التي راهنت بدورها على اتساع حدة الشرخ بين موسكو وتل أبيب على خلفية هذا الحادث. وإذ لزمت مختلف أطراف هذا المحور الصمت المفهوم والذي تمليه طبيعة العلاقات والمصالح التي تربطها بالكرملين حيال موقف الأخير من الحادثة، فإن زعيم "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله، كسر حاجز الصمت هذا ودعا في آخر خطاب له أطراف هذا المحور إلى التفكير بكيفية الرد على الاعتداءات الإسرائيلية التي "ما عادت تُحتمل"، والتي بلغت حد الاستباحة الكاملة للأجواء السورية.

من غير المتوقع إحداث تغيير جوهري في "قواعد الاشتباك" الإسرائيلية فوق سورية وعليها

​​في الحوارات الروسية ـ الإسرائيلية المقبلة، والتي ربما تكون بدأت فعليا على نحو غير معلن، ستسعى حكومة نتنياهو في تكريس قواعدها الخاصة للاشتباك في سورية وفوقها، وستعمل من ضمن "قرار استراتيجي" حكم سلوكها في السنوات الأخيرة، على إبقاء يدها الطليقة في استهداف إيران وحلفائها وميليشياتها وفي ضرب عناصر الاقتدار الاستراتيجي السوري.. وستسعى موسكو في "ضبط الاندفاعة" الإسرائيلية، وستعمل على الحد من مفاعيل "غطرسة القوة" التي تهيمن على دوائر صنع القرار السياسي والأمني في إسرائيل على حد تعبير دبلوماسي روسي، وربما ينجح الكرملين في إخراج المواقع السورية من "بنك الأهداف" الإسرائيلية، وربما لا ينجح..

أما دمشق وطهران، ومن خلفهما حزب الله، فسيؤثرون التريث بانتظار ما ستؤول إليه التفاهمات الروسية ـ الإسرائيلية الجديدة.

اقرأ للكاتب أيضا: الملك الأردني يقطع مع 'الكونفدرالية' بسرعة وحزم... والشارع ما زال قلقا ومتحسبا

والحقيقة أن ثمة احتمالات محدودة للغاية لنجاح هذه الأطراف في تغيير "قواعد الاشتباك"؛ فطهران من جهتها غارقة في بحر متلاطم من التحديات والتهديدات الناجمة عن انسحاب واشنطن الأحادي من "الاتفاق النووي" وحملة العقوبات غير المسبوقة المضروبة عليها، وعمليات الاستهداف المنهجي والمنظم لدورها ونفوذها الإقليميين من قبل واشنطن وحلفائها.. وسورية المنهكة بحرب مستمرة من 8 سنوات، تنتظرها أجندة ثقيلة لاستعادة السيطرة على المحافظات الخارجة عن سيطرتها، فضلا عن أعباء عودة ملايين اللاجئين وإعادة الإعمار باهظة الكلفة.. أما "حزب الله"، فلديه من متاعب الداخل اللبناني ما يجعله في غنى عن الانخراط في حرب جديدة ليس بمقدور أحد من الآن تقدير مدتها وكلفها ولا التنبؤ بمآلاتها.

في ضوء جملة الاعتبارات هذه، ومن ضمن سياق التردي المضطرد في العلاقات الأميركية ـ الروسية، فليس متوقعا إحداث تغيير جوهري في "قواعد الاشتباك" الإسرائيلية فوق سورية وعليها. وفي ظني أن أقصى ما يمكن أن تصل إلى إليه موسكو في مفاوضاتها مع إسرائيل، هو مزيد من التنسيق الثنائي عندما يتعلق الأمر بعمليات إسرائيلية في مناطق الانتشار والعمليات الروسية، وتحديدا في الشمال الغربي من سورية، حيث القواعد الروسية الأساسية، أما بقية الأطراف فستبقى تردد مقولتها الشهيرة: "نحتفظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين"، تماما مثلما جرت عليه العادة في أحوال مشابهة.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

General view of George Floyd's memorial site during the first morning after all four officers involved have been criminally…
مواطنون أمام موقع تخليد ذكرى جورج فلويد

تلقي جريمة القتل الوحشية للمواطن الأميركي من أصل أفريقي جورج فلويد على يد ضابط الشرطة ديريك شوفين وثلاثة من زملائه البيض في مدينة منيابولس بولاية مينيسوتا، الضوء ليس فقط على قضية العنصرية، والتي لا تزال تعاني منها الولايات المتحدة رغم مرور سنوات طويلة على إلغاء العبودية، ولكن أيضا على مفارقات في بعض المدن الأميركية التي يصعب فهمها في ظل السياق الطبيعي للأحداث.

وجهان لمدينة واحدة

إحدى هذه المفارقات هي، كيفية فهم التناقض بين كون منيابولس، واحدة من بين أكثر المدن الأميركية ليبرالية وانفتاحا وذات تنوع عرقي وسجل ناصع في القبول والترحيب بالمهاجرين من ناحية، ومن ناحية أخرى لا تزال المدينة تعاني من مشاكل عنصرية حقيقية، سواء على مستوى المؤسسات، كما هو حال أجهزة الشرطة أو إنفاذ القانون، أو في توزيع الموارد بين السكان أو التخطيط الاجتماعي والعمراني.

هذا التساؤل طرحته أيضا صحيفة نيويورك تايمز في تقرير لها مؤخرا. فالمدينة، التي يسكنها حوالي 430 ألف نسمة وموزعة ما بين 60 في المئة من البيض و20 في المئة من السود و10 بالمئة من أصول لاتينية وستة في المئة من أصول آسيوية، يديرها مجلس مكون من 12 عضوا من الحزب الديمقراطي وعضو من حزب الخضر. ومن بين هؤلاء يوجد عضوان من المتحولين جنسيا. كما عرفت المدينة باحتفالها الرسمي منذ سنوات بيوم إلغاء العبودية والذي يصادف 19 من يونيو ويعود تاريخه إلى عام 1865.

قضية العنصرية ليست من القضايا التي تحل عبر القوانين وحدها

أكثر من ذلك فإن ولاية مينيسوتا معروفة بترحيبها بالمهاجرين، حيث استقبلت 110 آلاف مهاجر ما بين عامي 1979 و2018، بمن فيهم عشرات الآلاف من المهاجرين الصوماليين خلال التسعينيات، والذين استقر معظمهم في منيابولس، بما في ذلك النائبة الأميركية إلهان عمر التي انتخبت كأول امرأة مسلمة عن إحدى دوائر المدينة.

عنصرية مغلفة بابتسامة

في الوقت نفسه تعاني المدينة، حسبما يقول تقرير نيويورك تايمز، من فوارق عرقية كبيرة بين السكان البيض والسكان من الأعراق الأخرى، حينما يتعلق الأمر بفرص التعليم ومخرجاته، وحظوظ التنمية الاقتصادية وفرص الرعاية الصحية. فالقليل جدا من العائلات من أصول أفريقية تملك منازلها مقارنة بعائلات البيض، كما يهيمن البيض على جهاز الشرطة الذي يتهم منذ عقود بالقيام بممارسات عنصرية، لكن من النادر أن يتعرض أفراده المسيؤون إلى عقوبات تأديبية.

يقول "لورانس آر. جاكوبز" أستاذ العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا "إن العنصرية موجودة هنا منذ زمن طويل. تستطيع أن تشاهدها في تخطيط الأحياء وفي نظام التعليم وفي نظام المواصلات وبالطبع في نظام الشرطة".

لكن بالطبع يظل السؤال هو كيف يمكن أن يحدث الأمران معا، تبني القيم الليبرالية وفي نفس الوقت الإبقاء على الإرث العنصري في الوقت نفسه؟

ما جرى في منيابولس وما يجري في المدن الأميركية الأخرى، إذا كان له من معنى، فهو أنه يشكل فرصة لمقاربة هذه القضية بصورة أكثر جذرية

ثمة من يجادل بأن "المظهر" الليبرالي الذي يقدمه بعض السكان أو بعض المدن، ومنها منيابولس ليس حقيقيا، وإنما هو مجرد "قناع" يخفي وراءه مشاكل متجذرة. مشاكل يعجز هؤلاء عن حلها، لأسباب نفسية أو ثقافية أو تاريخية أو عملية، فيلجؤون إلى دفنها تحت السجادة.

يقول روبرت ليليغرين، وهو أول أميركي من السكان الأصليين ينتخب لعضوية مجلس المدينة عام 2001، "هذا هو الشعور العام: أن تقوم بعمل مصطنع، ثم تشعر بأنك قمت بعمل كبير. أن تشكل هيئة تعني بالحقوق المدنية، ومجلس مدني لمراجعة عمل الشرطة، ولكن لا تعطي أي منهم صلاحية لتغيير السياسات أو تغيير النظام".

مقاربة جذرية

بالطبع مثل هذا الكلام يتردد صداه في مدن أميركية أخرى، وفي بعض المناسبات أو الأزمات، لكنه لا يخلو أيضا من التعميم، وهو تعميم قد لا يساعد أحيانا على طرح القضايا بصورة جدية. إذ هو يتغافل عن أن الغالبية في المجتمع الأميركي لا توافق على الممارسات العنصرية، وإن لم تفعل ما يكفي لمكافحتها. وأن هناك عدد كبير من البيض وقفوا وحاربوا طوال عقود ضد الممارسات والقوانين العنصرية في البلاد ودفعوا ثمنا باهظا جراء ذلك. بل هناك من لا يزال منهم حتى اليوم يتصدر الدفاع عن الحقوق المدنية وقضايا الأقليات ومناهضة التمييز على أساس العرق أو الدين أوالجنس... إلخ. كما أن المشاركين في تظاهرات اليوم أو التظاهرات السابقة، لم يكونوا كلهم من السود.

لهذا فإن ما جرى في منيابولس وما يجري في المدن الأميركية الأخرى، إذا كان له من معنى، فهو أنه يشكل فرصة لمقاربة هذه القضية بصورة أكثر جذرية، وخاصة عل مستوى أجهزة الشرطة والجهاز القانوني عموما التي يتعين إصلاحها بشكل يكفل وضع حد لتكرار المآسي التي لحقت ظلما بالسود طوال السنوات الماضية.

أقول ذلك، مع التأكيد على أن قضية العنصرية ليست من القضايا التي تحل عبر القوانين وحدها، ففي الولايات المتحدة توجد قوانين هي الأكثر صرامة ضد التمييز العنصري، ولكنها قضايا تتعلق أيضا بالوعي وتغيير العقول والقلوب معا. وهذا يصح في أميركا كما يصح في غيرها من الدول.