طائرة روسية من طراز IL-20M
طائرة روسية من طراز IL-20M

بقلم عريب الرنتاوي/

سعت إسرائيل في فرض قواعدها الخاصة للاشتباك في الأجواء والسماوات السورية، وسجلت في ذلك نجاحا ملموسا، إذ ضربت طائراتها وصواريخها في كل مكان وبأي توقيت أرادت، في ظل عجز سوري عن تبديل هذه القواعد، وانشغال إيراني بملفات العقوبات الأميركية وأولوياتها الضاغطة، وغرق "حزب الله" في الشأن اللبناني الداخلي تحت ضغط الاحتياجات المتزايدة لـ"بيئته الحاضنة".

طوال السنوات الثلاث التي أعقبت التدخل العسكري الروسي في سورية، ظلت الأنظار شاخصة صوب الكرملين، لتفكيك ألغاز موقفه من الضربات الإسرائيلية المتكررة على سورية، تباينت الآراء وتعددت التقديرات، ومع كل لقاء قمة جمع فلاديمير بوتين ببنيامين نتنياهو، كانت صورة الموقف الروسي تنجلي قليلا، إلى أن تكشفت الأنباء عن "تفاهمات روسية ـ إسرائيلية" تتفهم بموجبها روسيا "حاجة" إسرائيل للاحتفاظ بـ"يد طليقة" في الأجواء السورية، شريطة التزام قطعي بعدم تعريض الجنود والمواقع الروسية لأية أخطار أو تهديدات.

أثارت الحدود "المتواضعة" لردة الفعل الروسية قدرا كبيرا من القلق والامتعاض في أوساط بقية أطراف ما يعرف بـ"محور المقاومة والممانعة"

​​امتنعت موسكو تحت ضغط تل أبيب وواشنطن عن تقديم صواريخ "إس 300"، وأية منظومة دفاعات أرضية "كاسرة للتوازن"، وصدرت الأوامر للقوات الروسية في سورية بعدم التعرض للطائرات والصواريخ الإسرائيلية، وقد قيل أكثر من ذلك، أن موسكو حجبت معلومات عن الجانب الإيراني على وجه التحديد، عن عمليات استهداف جوية، رصدتها أجهزة الرادار والإنذار المبكر الروسية، الأمر الذي أثار جدلا لم ينقطع حتى اليوم، حول ما إذا كانت هناك "مصلحة مشتركة"، إسرائيلية ـ روسية، في تقليص النفوذ الإيراني في سورية، أو حتى إنهائه بشكل كامل.

وبصرف النظر عن "حجم" المسؤولية التي تتحملها إسرائيل عن واقعة إسقاط الطائرة الروسية وعلى متنها 15 عنصرا روسيا، لقوا حتفهم جميعا، فإن كثيرا من المراقبين باتوا يعتقدون أن هذه الواقعة سيكون لها دور في استحداث بعض التغيير في "قواعد الاشتباك" الإسرائيلية.. وتقول التقديرات بشأن ما يعتمل داخل الكرملين من نقاشات حول هذه "الفاجعة" المهينة لروسيا، إن القيادة الروسية لجأت إلى استخدام "لغتين" عند صياغة ردود أفعالها، واحدة تركت للعسكريين، وجاءت طافحة بالوعيد والتهديد ومفعمة بالتعهدات بأن "الفعلة الإسرائيلية لن تمر من دون رد".. والأخرى؛ تركت للسياسيين، الذين برأوا إسرائيل من تهمة "الاعتداء العمد" وعبرت عن الارتياح لإعراب إسرائيل عن "الأسف" للواقعة، والأسف هنا ليس اعتذارا، في مسعى على ما يبدو لتوظيف الحادثة من أجل صياغة قواعد جديدة للاشتباك في سورية وفوقها.

اقرأ للكاتب أيضا: حرب لا منتصر فيها، وسلام على قاعدة 'خاسر ــ خاسر'

لم يكن أبدا بوارد روسيا أن تدخل في "اشتباك جانبي" مع إسرائيل ردا على واقعة "إيل 20". هذا ليس خيارا لموسكو التي ترغب في "إغلاق" الملف السوري، وتتفادى الانخراط في معارك ومواجهات، قد تعيد قلب المشهد السوري رأسا على عقب، مهددة بذلك كل الإنجازات المكلفة التي حققتها في السنوات القليلة الفائتة.. تدرك موسكو أن الاشتباك مع إسرائيل، هو اشتباك مع الولايات المتحدة و"الناتو"، ودوائرها تعتقد أن ثمة في واشنطن من يبحث عن "فرصة" من هذا النوع لإعادة ترتيب المشهدين السوري والإقليمي، وربما إعادة ترتيب منظومة العلاقات الدولية المختلة، وتحديدا لجهة العلاقة بين القطبين.

لكن روسيا في المقابل، ما كان لها أن تصمت على هذه "الإهانة" بالغة السفور والتحدي لهيبتها ومكانتها في سورية، لاسيما وأنها تأتي في ذروة ازدهار العلاقات الروسية ـ الإسرائيلية، فقررت على ما يبدو حصر خياراتها بين حدين اثنين: الأول؛ إلزام إسرائيل بقبول "قواعد اشتباك" جديدة تقوم أساسا على تنسيق عمليات الحربية مع غرفة العمليات الروسية، إن لم يكن فوق جميع الأراضي السورية فأقله في مناطق محددة تتميز بوجود ونشاط روسيين كثيفين، وإن لم يكن من باب أخذ "الإذن المسبق"، فأقله من باب "العلم والخبر".. أما الثاني؛ فقد يندرج في سياق "تعزيز القدرات الدفاعية السورية" وتطوير منظومة الصواريخ المضادة للطائرات والصواريخ، وفي هذا السياق، لا يستبعد المراقبون أن تعاود دمشق وموسكو البحث في إتمام صفقة الـ "أس 300" المعطلة منذ عهد الأسد الأب.

أثارت الحدود "المتواضعة" لردة الفعل الروسية على حادثة الطائرة قدرا كبيرا من القلق والامتعاض في أوساط بقية أطراف ما يعرف بـ"محور المقاومة والممانعة"، التي راهنت بدورها على اتساع حدة الشرخ بين موسكو وتل أبيب على خلفية هذا الحادث. وإذ لزمت مختلف أطراف هذا المحور الصمت المفهوم والذي تمليه طبيعة العلاقات والمصالح التي تربطها بالكرملين حيال موقف الأخير من الحادثة، فإن زعيم "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله، كسر حاجز الصمت هذا ودعا في آخر خطاب له أطراف هذا المحور إلى التفكير بكيفية الرد على الاعتداءات الإسرائيلية التي "ما عادت تُحتمل"، والتي بلغت حد الاستباحة الكاملة للأجواء السورية.

من غير المتوقع إحداث تغيير جوهري في "قواعد الاشتباك" الإسرائيلية فوق سورية وعليها

​​في الحوارات الروسية ـ الإسرائيلية المقبلة، والتي ربما تكون بدأت فعليا على نحو غير معلن، ستسعى حكومة نتنياهو في تكريس قواعدها الخاصة للاشتباك في سورية وفوقها، وستعمل من ضمن "قرار استراتيجي" حكم سلوكها في السنوات الأخيرة، على إبقاء يدها الطليقة في استهداف إيران وحلفائها وميليشياتها وفي ضرب عناصر الاقتدار الاستراتيجي السوري.. وستسعى موسكو في "ضبط الاندفاعة" الإسرائيلية، وستعمل على الحد من مفاعيل "غطرسة القوة" التي تهيمن على دوائر صنع القرار السياسي والأمني في إسرائيل على حد تعبير دبلوماسي روسي، وربما ينجح الكرملين في إخراج المواقع السورية من "بنك الأهداف" الإسرائيلية، وربما لا ينجح..

أما دمشق وطهران، ومن خلفهما حزب الله، فسيؤثرون التريث بانتظار ما ستؤول إليه التفاهمات الروسية ـ الإسرائيلية الجديدة.

اقرأ للكاتب أيضا: الملك الأردني يقطع مع 'الكونفدرالية' بسرعة وحزم... والشارع ما زال قلقا ومتحسبا

والحقيقة أن ثمة احتمالات محدودة للغاية لنجاح هذه الأطراف في تغيير "قواعد الاشتباك"؛ فطهران من جهتها غارقة في بحر متلاطم من التحديات والتهديدات الناجمة عن انسحاب واشنطن الأحادي من "الاتفاق النووي" وحملة العقوبات غير المسبوقة المضروبة عليها، وعمليات الاستهداف المنهجي والمنظم لدورها ونفوذها الإقليميين من قبل واشنطن وحلفائها.. وسورية المنهكة بحرب مستمرة من 8 سنوات، تنتظرها أجندة ثقيلة لاستعادة السيطرة على المحافظات الخارجة عن سيطرتها، فضلا عن أعباء عودة ملايين اللاجئين وإعادة الإعمار باهظة الكلفة.. أما "حزب الله"، فلديه من متاعب الداخل اللبناني ما يجعله في غنى عن الانخراط في حرب جديدة ليس بمقدور أحد من الآن تقدير مدتها وكلفها ولا التنبؤ بمآلاتها.

في ضوء جملة الاعتبارات هذه، ومن ضمن سياق التردي المضطرد في العلاقات الأميركية ـ الروسية، فليس متوقعا إحداث تغيير جوهري في "قواعد الاشتباك" الإسرائيلية فوق سورية وعليها. وفي ظني أن أقصى ما يمكن أن تصل إلى إليه موسكو في مفاوضاتها مع إسرائيل، هو مزيد من التنسيق الثنائي عندما يتعلق الأمر بعمليات إسرائيلية في مناطق الانتشار والعمليات الروسية، وتحديدا في الشمال الغربي من سورية، حيث القواعد الروسية الأساسية، أما بقية الأطراف فستبقى تردد مقولتها الشهيرة: "نحتفظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين"، تماما مثلما جرت عليه العادة في أحوال مشابهة.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.