فضح التورط في سورية اللعبة وكشف جميع الأوراق
فضح التورط في سورية اللعبة وكشف جميع الأوراق

بقلم منى فياض/

لفتتني مؤخرا مؤشرات ودلائل بسيطة قد لا تثير الانتباه كثيرا لكنها تحمل دلالة على مشاعر القلق التي بدأت تنتاب "حزب الله" وأمينه العام في علاقتهم مع الجمهور.

فعدا خفوت لغة التهديد المعتادة في خطبهم الرنانة (قطع الرقاب والأيدي ورفع الأصابع..) قبل فلتة "لا تلعبوا بالنار".. تعليقا على المحكمة الدولية؛ نلاحظ منذ مدة بدء حملة "تسويقية" على وسائط التواصل هدفها تعديل "صورة" نصرالله، التي اقتربت من القداسة، من سلوك البشر الفانين الذين يتمتعون بمشاعر إنسانية وحياة خاصة وتعلق بالأسرة كباقي خلق الله الأسوياء.

أول ما لفت نظري صورة تداولتها وسائط الإعلام منذ أسابيع له يحمل أحد أحفاده مداعبا ومبتسما! استغربت ولم أفهم مناسبة هذه الصورة؟ هل هو أول حفيد مثلا؟ أو ولد بعد جهد؟ هل شفي من مرض عضال؟ أم ماذا؟ ولم الآن تحديدا؟

يربط الخوف هذا الجمهور بالحزب، إضافة إلى شبكة المصالح والمنافع الواسعة التي اعتمد فيها على المال الإيراني النظيف

​​أعادت الصورة إلى ذاكرتي ما قامت به بطانة بشار الأسد ومستشاريه الإعلاميين عند استعانتهم بحرفيين متخصصين وفنيين عالميين للقيام بحملة ترويجية له ولزوجته، حاملة الجنسية البريطانية، الجميلة والجذابة. فقاموا بحملة بمنتهى الذكاء لجعلهما مثال الثنائي العصري الشاب والجذاب الذي سرعان ما تماهى معه الشباب السوري (عاينت ذلك في إحدى المؤتمرات في مطلع الألفية). تم تبييضهما تجاه الجمهور الواسع المحلي والعالمي. بحيث أني سمعت مرة بأذني من صديق ـ من المناضلين القدامى من أجل المواطنية وحقوق الإنسان والنزاهة... ـ عن مدى جمال و"سحر" أسماء، السيدة السورية الأولى، الذي لا يقاوم والأمل الذي يمثلانه لمستقبل سورية.

اقرأ للكاتبة أيضا: قراءة في الثورات العربية: ليست ربيعا ولا شتاء، إنها مرحلة

ناهيك عن الصفحات الملونة التي خصصتها مجلة "فوغ" العالمية لصور "زهرة الصحراء" بفساتينها وأزيائها وماركات حقائبها وأحذيتها ومجوهراتها، المصنعة خصيصا من أجلها.. لكن اندلاع الثورة أحرج المجلة ـ لأن القشرة البراقة تشققت وأظهرت ما تحتها من صدأ؛ فاعتذرت عن الريبورتاج.

والآن نجد استعادة للسيناريو نفسه: تجميل صورة زعيم "حزب الله" وتسويقها؛ "السيد" البطل الذي لا يقهر، الذي طالما افتخر جمهوره بقوته وصلابته، صار المطلوب الآن أنسنته لتقريبه من الجمهور.

فلقد حملت الانتخابات التشريعية الأخيرة بوادر تخلي الجمهور عن الحزب وقائده؛ بعد اصطباغهما بصبغة لون الدم السوري القاني، ناهيك عن دم الشهيد رفيق الحريري ودماء مئات الشباب المقاتل تحت راياتهم.

لذا ومع اقتراب زمن المحاسبة وانكشاف الحقيقة والأدوار، فوجئنا بفيديو يتم تداوله مظهرا القائد يسكب دمعه السخي على الحسين بمناسبة ذكرى عاشوراء، التي سبق أن عاشها عشرات المرات دون الحاجة لأن نشاهد دموعه المدرارة. فتبادل الجمهور الواسع فيديو نصرالله، الذي تكبد الصبر الجميل واحتمل استشهاد ابنه، لكنه انهار هذا العام تحت ثقل ذكرى مقتل الحسين!

ناهيك عن تسريبات، قبل أيام، حول معرفته من أوراق الابن أنه كان يطلق على نفسه لقب أبو حسن!

"وكشف السيد نصر الله عن أنه عرف في ما بعد من الأوراق والوثائق الخاصة بنجله الشهيد هادي ومن وصيته التي أحضروها له، أنه كان يتخذ اسما حركيا له هو "أبو حسن" وقال "قبل شهادته لم أكن أعرف بذلك مطلقا، لأني كنت أخاطبه باسمه هادي. وليس من شك في أن اتخاذه اسمي للتكني به، يؤشر لوجود محبة متبادلة، وخصوصا من قبله تجاهي، لأني كوالد أغمر بمحبتي جميع أبنائي على نحو طبيعي جدا، لكن هادي عندما اختار هذا الاسم للتكني به كان يحاول أن يعطي إشارة ود ومحبة تجاهي، أي تجاه والده"؛ وتبع ذلك بث فيديو جنازة الشهيد للمرة الأولى، كما ورد في مواقع إلكترونية قريبة من "حزب الله".

لكن لم يحتاج كل ذلك إلى الإعلان الآن؟ أليس من البديهي أن يكون الأب مثالا لابنه؟ ولماذا تحتاج المحبة والمودة المتبادلة بين الأب والابن إلى براهين ووثائق ملموسة كي نتأكد من صدقها؟ ومتى؟ بعد أكثر من 20 عاما على مقتل الابن؟

هل يعني ذلك أن زمن تقبيل الأحذية وفيديوهات الأمهات السعيدات بمقتل أولادهن دفاعا عن أحذية ضباط الأسد وحماة عرشه المحتل مما لا يحصى من الجيوش الأجنبية، قد ولى!

جاء زمن تمويه المأزق الذي بدأ يتكشف أمام أعين الحزب وأمينه العام مع ما يحمله من محاذير. ما يشعرهم على ما يبدو بالحاجة إلى ترميم الصورة التي بدأت تعاني من شروخ عبر استعادة مسحة من الرحمة والإنسانية تقربه من البشر بمشاعرهم وروابطهم العاطفية الطبيعية.

فأن يتجرأ بعض الشيعة على تحديه في عقر الدار سابقة من الأفضل تداركها. فبعد أن كانت الفتوى وحدها تكفي للتعبئة، اضطر هذه المرة إلى المشاركة في الحملة الانتخابية بشكل غير مسبوق مستخدما جميع مهاراته الخطابية والتحريضية ولو كلفه الأمر المخاطرة بحياته أو إظهار صورته الحقيقية كمحرض على المذهبية وكهادم للوحدة الوطنية؛ ضاربا عرض الحائط ادعاءات الاعتدال والوحدة الإسلامية والتسامح والتعدد وما يتبعها من "عدة عمل الاعتدال".

بهتت هالة "المقاومة" التي جعلته بطلا عربيا وبدأت بالاهتزاز والتفسخ وانفضحت كمجرد بروباغندا وسياسة سمحت بتحقيق حلم إيران الأزلي بالوصول إلى مياه المتوسط.

لقد فضح التورط في سورية اللعبة وكشف جميع الأوراق؛ والجمهور الذي دافع عن مقاومة غايتها تحرير القدس عاين انسحابهم من الجولان وسكوتهم عن الضربات الإسرائيلية المتتالية منذ أشهر طويلة. كما أن الوضع الإيراني الداخلي المتأزم يدفع المسؤولين الإيرانيين إلى إعلان احتلالهم للبنان والعواصم العربية، ما يزيد من إحراج الحزب أمام جمهوره، ناهيك عن مجمل اللبنانيين الذين ظلوا يؤمنون بدور "المقاومة" حتى الأمس القريب. حتى حديثه عن "داعش" بات مكشوفا بعد صفقة الباصات المكيفة.

أما ازدواجية خطابه في لبنان وتجاه جمهوره، الذي ألّبه ضد الدولة وغطى جميع أعماله الخارجة عن القانون، فلم يقدم له "حزب الله" سوى الحروب والمزيد من التردي الاجتماعي والاقتصادي. وعندما بدأ هذا الشارع بالتململ رفع المسؤولية عن نفسه ورماها بوجه الدولة.

لكن هذا الجمهور المستقوي به أصلا، يعرف تمام المعرفة أنه هو الدولة. لذا ترتفع المزيد من الأصوات لتحميله مسؤولية الإهمال والفقر وانسداد الأفق.

ناهيك عن شبهات الفساد التي تطال مسؤولي الحزب بحيث أن جمهوره لم يعد يبرئ منهم جميعهم سوى "السيد" نفسه. هذا دون أن ننسى تناقض شعارات الكرامة والعزة مع الذل والفساد والنفايات التي يغرق فيها المواطن اللبناني وتعرضه لشتى المخاطر الصحية والاقتصادية والبيئية.

من هنا، يدل الخطاب المذهبي الفاضح وتحدي عموم اللبنانيين على تخبط وارتباك "حزب الله" وهو تخبط سيزداد مع الانهيار المالي الذي تعيشه إيران والمتوقع أن يزداد سوءا عندما تشتد العقوبات الأميركية بعد أسابيع.

جل ما نطلبه اليوم أن يصمد الطرف السياسي، الذي يزعم أنه سيادي، أمام آخر محطة في رحلة الهيمنة على لبنان قبل ابتلاعه

​​لكن، هل يعني كل ما سبق الاستنتاج بوجود انقلاب على الحزب وانفضاض من حوله؟

كلا ليس الأمر بهذه البساطة؛ من المبكر انتظار اعتدال الجمهور وانفكاكه عن الحزب، على العكس هناك بوادر إمعان في الصلف والتحدي بعد أن هيّج غرائزه وأخذه إلى أرض التعصب ورفض الآخر والاستقواء عليه. ونعاين الآن آخر التمارين عبر إطلاق اسم مصطفى بدر الدين على أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت، خلال المرحلة الأخيرة من المرافعات في المحكمة الدولية، حيث أشار الادعاء إلى أنه المسؤول الأول في المجموعة التي تولت تنفيذ الجريمة. تقوم بلدية تابعة لـ"حزب الله" بهذه الخطوة، ولو أدى ذلك إلى وصول البلد إلى حافة الهاوية. ربما هذا هو المطلوب؛ تخويف الطرف الآخر وتهديده بالحرب الأهلية لإلزامه بالتسوية. وكأن لسان حال مسؤولي "حزب الله": "أنا الغريق وما خوفي من البلل!". يخاف هذا الجمهور الآخر "سواء اللبناني والعربي"، لذا يمعن في إخافتهم ليحمي نفسه.

اقرأ للكاتبة أيضا: في ظل نظام ديمقراطي، هل كانت إيران ستعتدي وتحتل؟

يربط الخوف هذا الجمهور بالحزب، إضافة إلى شبكة المصالح والمنافع الواسعة التي اعتمد فيها على المال الإيراني النظيف. يعرف أن موقفه ضعيف وأعداءه كثر ويحتاج لحماية هذا الحزب بالذات.

هذا مع العلم أن البشر يتماهون مع القوي، فالاستقلالية ليست عملة رائجة. ناهيك عن أن حجم التنازلات السياسية التي تقدمها الأطراف الأخرى الشريكة في السلطة تلجم هذا الجمهور عن العصيان؛ فإذا كانت جميع القوى السياسية تخاف من الحزب وتتنازل له وتنفذ أوامره، كيف سنطلب من المستفيدين الثورة عليه؟

جل ما نطلبه اليوم أن يصمد الطرف السياسي، الذي يزعم أنه سيادي، أمام آخر محطة في رحلة الهيمنة على لبنان قبل ابتلاعه. وضع البلد أخطر وأعمق من أن يشكل موقف جمهور الحزب السلبي منه الحل المنشود. يحتاج هذا الجمهور والجمهور اللبناني عموما إلى زلزال كي يستفيق.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!