ما أن مرت سنوات قليلة على افتراق صحبتنا حتى بلغني أن عبد الرحمن انتحر
ما أن مرت سنوات قليلة على افتراق صحبتنا حتى بلغني أن عبد الرحمن انتحر

بقلم رياض عصمت/

كان من المتعارف عليه في أواسط ستينيات القرن العشرين أن يأتينا من الولايات المتحدة سنويا إلى جامعة دمشق بعض الأساتذة الأميركيين من قبل برنامج "فولبرايت". كان أولئك الأساتذة يقومون بتدريسنا بعض المواد المتخصصة كالأدب العالمي والشعر وأطروحات البحث خلال العهد الذهبي لقسم الأدب الإنكليزي، حين لم يكن عدد الطلاب المقبولين يتجاوز مئة طالب، واستمر هذا التقليد حتى وقعت حرب 1967. لا شك أننا استفدنا فائدة جمة من خبرة أولئك الأساتذة الأجانب الذين أتى معظمهم متشوقا للتعرف إلى معالم حضارات سورية الغنية والمتنوعة تاريخيا، وليعملوا جنبا إلى جنب مع أساتذة سوريين وفلسطينيين أكفاء من خريجي بريطانيا والولايات المتحدة.

كان الاتحاد السوفييتي في تلك الحقبة ينفق أموالا طائلة لترجمة ونشر وترويج روائع الأدب الروسي بالعربية بثمن زهيد عبر منشورات دار "رادوغا"، بالرغم من نشاط المركز الثقافي الروسي الوافر، الذي كان يستقطب أعدادا غفيرة من الشباب المتحمس لنظريات الأممية، تحرر الشعوب، صراع الطبقات وتحقيق العدالة الاجتماعية.

إذا زاد الحرص على عدم الإسراف عن حده، انقلب إلى بخل يصدع بنيان الأسرة الواحدة

​​في المقابل، أذكر أن المركز الثقافي الأميركي أخذ ينشط في الحقبة ذاتها، بحيث دعا آنذاك الممثل الشهير فريدريك مارش لإلقاء قصائد شعرية بصوته الرخيم، وحضرت تلك الأمسية مع جمهور محتشد من الشباب الجامعي غصت به القاعة.

بالتالي، كان المجتمع السوري في تلك الآونة منفتحا على مختلف الثقافات المتصارعة، متعطشا للتنوع والحداثة بمختلف أشكالهما، لأنه يؤمن بضرورة استلهام ثقافات وفنون ذات مضمون وطني يجاري تطورات العصر في الشرق والغرب على حد سواء.

اقرأ للكاتب أيضا: أمثولات عن دهاة العرب

في تلك الحقبة الحافلة بالأحلام القومية وحب الاطلاع على ثقافات العالم، أذكر زميلا فلسطينيا لفتت مناقشاته الساخنة للأساتذة الأميركيين خاصة اهتمامنا جميعا. لم تربط بيني وبين الشاب عبد الرحمن خلال السنوات التي قضيناها معا على مقاعد الدراسة الجامعية الأولى علاقة مباشرة، بل كنت أنظر إليه بشيء من الحذر والحيطة. كان يأتي وينصرف وحيدا دون أن يصادق أحدا، رغم شهرة قسم الأدب الإنكليزي حينها بالحسناوات الفاتنات. ازداد فضولي تجاهه يوما بعد يوم كلما رفع ذراعه طالبا الكلام، وذلك بسبب قدرته على مناقشة أولئك الأساتذة الأجانب في وقت كانت فيه مقدرتنا على الحديث بالإنكليزية متواضعة للغاية، بحيث اصطلحنا أن نطلق عليه خلسة متهكمين لقب "الأميركي الغاضب".

لم يكن عبد الرحمن يتورع عن مجادلة أعتى أولئك الأساتذة الأميركيين المخضرمين بجرأة عجيبة، دون أن يأبه على الإطلاق للأخطاء اللغوية التي كانت تشوب كلامه المتدفق كالتيار الهادر بلغة غير لغته الأم. كان ذلك الشاب الفلسطيني المتحمس لقضيته بشكل خاص، ولقضايا اليسار بشكل عام، نموذجا فريدا يحرج الأساتذة بقدرته الخطابية، وتعبيراته الذكية، منتقدا بعض العلامات الثقافية البارزة في الأدب الأميركي والبريطاني دون وجل، واصفا إياها بأنها بورجوازية وفارغة مما يمثل حتى القيم الزاعمة المناداة بالحرية والديموقراطية والمساواة.

كثيرا ما استهدف عبد الرحمن على سبيل المثال روايات جين أوستن، إذ كانت في نظره تقليدية تروّج لرومانسية زائفة. بالمقابل، كان يشيد برواية وليم فوكنر "الصخب والعنف" ومسرحية جون أوزبورن "انظر وراءك بغضب" وأمثالهما من الأعمال التي تمردت على السائد والمألوف. رغم عزلته الغامضة، بدا أن عبد الرحمن يخفي بركانا من المشاعر، التي كانت تتفجر في دقائق ثم تخمد أمام زملائه الطلاب المنصتين برهبة وهو يتصدى لمناقشة أساتذة أميركيين مخضرمين كان الطلاب آنذاك ينظرون إليهم كرواد فضاء قادمين من كوكب آخر، دون أن يخطر بخيالي على الإطلاق أنني سأذهب ذات يوم إلى الولايات المتحدة كباحث "فولبرايت".

لاحظت من خلال ردود فعل الأساتذة الأميركيين تجاه نقاشات زميلنا الفلسطيني الملقب من قبلنا باسم "الأميركي الغاضب" كيف يصغون باحترام إلى الرأي الآخر حتى لو جاء من طالب مهجّر من وطنه، طالما يمتلك وجهة نظر وحجة إقناع. لم يكن أيا من أساتذتنا الأجانب والعرب آنذاك يحبذ تلقين الأفكار لنرددها كالببغاوات، بل كانوا يشجعون الاختلاف بابتسامة ود، مناقشين رأي الطالب بندية وانفتاح. أما نحن الطلاب، فكنا نخاف الردع والقمع المعهودين اجتماعيا وسياسيا.

بالتالي، بدا لنا أن زميلنا الفلسطيني عبد الرحمن جريئا لدرجة الاستهتار في نقده العلني لآثار الثقافة الغربية التي كنا ندرسها، وبغربلة الصالح من الطالح من أمهات الأدب الإنكليزي من منطلق يساري وعروبي، دون أن يهاب أساتذة الـ"فولبرايت" الأميركيين أو بعض كتبة التقارير المندسين بيننا.

تفرقنا بعد تخرجنا في عام 1968، لكن الزمان جمعني مع عبد الرحمن عندما عملنا معا لبضعه شهور في موقع وظيفي واحد. أتاحت لي تلك الفترة التعرف عن كثب إلى شخصية "الأميركي الغاضب" الفريدة، التي كنا نتهامس عنها متهكمين في أيام الدراسة.

كان عملنا يقتضي المناوبة بين فترات فجر باكر وليل متأخر، مما أفسح الفرصة لحوارات مستفيضة حول قضايا فكرية متعددة. سرعان ما أدركت أن عزلة عبد الرحمن كانت بسبب افتقاده إلى من يصغي لآرائه النقدية الحرة والجريئة، التي كانت تعبر عن طموحات شاب فلسطيني محبط يقطن في "مخيم اليرموك"، ويعاني من ظروف معاشية مريرة. ترك كلانا ذلك العمل المقيت بعد فترة قصيرة من الزمن، وانتقلنا لنعمل في وظيفتين متباعدتين، فانقطع تواصلي مع عبد الرحمن في زمن لم يكن فيه البريد الإلكتروني والموبايل قد اخترعا بعد.

ما زلت أذكر بعد مرور نحو نصف قرن جملة دأب عبد الرحمن على ترديدها دائما: "أتريد معرفة جوهر التراجيديا؟ إنه يتلخص في جملة واحدة مفادها: ما زاد عن حده، انقلب لضده".

كان المجتمع السوري في تلك الآونة منفتحا على مختلف الثقافات المتصارعة، متعطشا للتنوع والحداثة

​​بعد عقود من تمرسي بفنون الدراما، اكتشفت مدى النظرة الثاقبة وراء عبارة: "ما زاد عن حده، انقلب لضده". أدركت أنه إذا زاد الحب عن حده، انقلب إلى غيرة عمياء قد تؤدي ـ كما فعل عطيل ـ إلى خنق زوجته الحبيبة دزدمونة بدافع الغيرة. إذا زاد الحرص على عدم الإسراف عن حده، انقلب إلى بخل يصدع بنيان الأسرة الواحدة. إذا زاد الولاء عن حده، انقلب إلى أفعال تؤذي الأبرياء وتخالف مبادئ الضمير. إذا زادت النقمة الكامنة عن حدها، انقلبت إلى حقد دفين يولد ثأرا يبلغ حد ارتكاب العنف البشع. إذا زاد التشبث بالأخلاق عن حده، انقلب إلى تعصب متطرف تجاه أقرب المقربين. إذا زادت الحماسة عن حدها، انقلبت إلى عبودية تؤدي إلى اقتراف جرائم ضد الإنسانية. إذا زاد الاعتزاز الوطني عن حده، انقلب إلى شوفينية عنصرية تعادي باقي الأمم والأعراق وتتعالى عليها.

كان عبد الرحمن لا يتوقف عن ضرب الأمثلة المختلفة، قبل أن ينهي جدله قائلا بأسى: "لا تنس، يا صديقي، أن اليأس يولد العنف، وأن الدم يجلب الدم. يجب ألا يوضع الإنسان أمام خيار صعب بين أن يكون قاتلا أو قتيلا". وكان عبد الرحمن يضيف: "لا يطيق ضميري الحي يوما من الأيام الانسحاق تحت حجري تلك الرحى يوما من الأيام، وأفضل وقتها مفارقة الحياة على الخضوع لهذا الاختيار المشؤوم. لا أستحمل التعرض إلى ظلم لا أستطيع رده والدفاع عن نفسي إزاءه".

اقرأ للكاتب أيضا: أحلام الهجرة وخيباتها

ومضى عبد الرحمن يشرح لي آنذاك بحماسة منقطعة النظير نظرياته في الحياة حول العدل والظلم، حول الحرية والعبودية، حول الأمل واليأس. بدا واضحا خلال الشهور القليلة التي قضيناها نعمل في موقع وظيفي واحد أنه اطمأن لكوني مستقلا، لا أكتفي بمجرد الاستماع إليه، بل أناقشه وأختلف معه أحيانا، مما كان ـ لدهشتي الشديدة ـ يسعده ويرضيه. رغم ما لمسته كشاهد عيان في سني الدراسة الأربع من أن عبد الرحمن لم يتوان عن مواجهة الأعلى منه قدرا، الأغزر منه علما والأعلى منه نفوذا، كان ديموقراطيا بحيث إنه كان يكتفي إذا لم يستطع أن يقنع، بأن يقتنع.

للأسف، ما أن مرت سنوات قليلة على افتراق صحبتنا حتى بلغني أن عبد الرحمن انتحر، وأعتقد جازما أن أقدم على ذلك نتيجة يأسه من العدالة، مفضلا الانسحاب من ذلك الوجود بإرادته بعد أن تيقن من صحة نظريته القائلة "ما زاد عن حده.. انقلب لضده".

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.