يهود أرثوذكس يصلون عند شط البحر المتوسط ليلة "يوم كيبور"
يهود أرثوذكس يصلون عند شط البحر المتوسط ليلة "يوم كيبور"

بقلم حسين عبد الحسين/

صادف هذا العام رأس السنة اليهودية قبل يوم واحد من رأس السنة الهجرية، وتاليا صادف "يوم كيبور" في اليوم السابق لعاشوراء.

و"يوم كيبور" هو من أقدس المناسبات اليهودية. يعرفه العرب ـ على الأقل منذ حرب 1973 ـ باسم "يوم الغفران"، وهي ترجمة تنقصها الدقة، ربما بسبب نقلها عن اللغات الأجنبية. "كيبور" هي اللفظ العبري لكلمة كفّارة العربية. والكفارة ليست الكفر، بل التوبة، بمعنى التكفير عن الذنوب. وفي العربية، كلمة كَفَرَ تعني غَطى، وفي كتاب المسلمين، من يكفر هو من يغطي الحقائق ويتمسك بالباطل. والكلمة تتطابق لغويا ولفظيا مع كلمة "كوفر"(cover) الإنكليزية، والتي تعني غطاء.

معنى التماهي بين "يوم كيبور" اليهودي وعاشوراء الشيعية هو أن أصل المناسبة الشيعية، في الغالب، الندامة

​​في "يوم كيبور"، يطلب اليهود المغفرة من الخالق والمخلوق، ويمتنعون عن العمل، ويصومون اليوم الذي يصلون فيه، استثنائيا، خمس مرات، بدلا من المرات الثلاث المعتادة، ويمتنعون عن العلاقات الجنسية، ويتطهرون بالماء، ويقوم كبير الكهنة بالتضحية بثور وماعز، ويرش القليل من دماء الأضحية في الجزء المعروف بقدس الأقداس داخل دار العبادة.

أوجه التشابه بين هذه الطقوس اليهودية ونظيرتها الإسلامية لا تفاجئ المسلمين، الذين يعتقدون أن الاديان، خصوصا المعروفة بالإبراهيمية، أساسها الرسالة نفسها، وأن اليهود والمسيحيين حرفوا أجزاء من الرسالة الإلهية، فاختلفت العقيدة والطقوس في نواح، وتشابهت في نواح كثيرة أخرى.

اقرأ للكاتب أيضا: رسالة إلى صديقي اليهودي العراقي

ومن التشابه أن "يوم كيبور" يقع في العاشر من السنة اليهودية الجديدة، وهو ما يتشابه ويوم عاشوراء الواقع في العاشر من السنة الإسلامية الجديدة. وفي عاشوراء، يقيم المسلمون الشيعة مراسم ذكرى مقتل إمامهم الثالث، الحسين بن علي، في العام 680 ميلادية، حسب التقليد.

واللافت أن بعض طقوس عاشوراء، مثل الاتشاح بالسواد واللطم والتطبير (أي ضرب النفس بشكل يؤدي إلى إسالة دماء)، مثيرة للجدل بين رجال الدين الشيعة أنفسهم، وهي طقوس لا دلائل تاريخية أنها تعود إلى زمن سحيق، بل الأرجح أنها تشكلت بعد مئات السنوات على مقتل الإمام، ودخلت على المذهب مع دخول فرق متعددة في الشيعة، خصوصا مع سعي صفويي إيران إلى بناء تحالف ديني مناوئ لإسطنبول ومذاهبها. ولا تزال أسماء بعض الفرق داخل الشيعة متداولة، مثل تسميات الجعفري والاثني عشري والإمامي والمتوالي.

ومن الفرق التي دخلت في وقت ما من تشكل الشيعة هي التوّابون، وهؤلاء يفترض أنهم جنوب عراقيين سعوا للثأر من الأمويين السوريين لدماء الحسين، لكنهم منوا بهزيمة. من طقوس التوابين اللطم والبكاء للتعبير عن الأسى، لا لمقتل الإمام فحسب، بل للتقاعس عن نصرته والقتال في صفه. ويتداول التقليد الشيعي قصة مفادها أنهم تسمّوا بالتوابين تيمنا بآية قرآنية. أما المفارقة فتكمن في أن التوابين في الآية المذكورة هم من اليهود، وورد فيها "وإذا قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم" (البقرة، 54).

هذا لا يعني أن الشيعة فرقة يهودية، حسب ما يحلو للبعض تسميتها؛ فالعالم العراقي الراحل علي الوردي أظهر ببراعة، لا تاريخية عبدالله بن سبأ، اليهودي اليمني، الذي يُفترض أنه شكل المذهب الشيعي لإحداث الفرقة في صفوف المسلمين.

معنى التماهي بين "يوم كيبور" اليهودي وعاشوراء الشيعية هو أن أصل المناسبة الشيعية، في الغالب، الندامة، وهو ما يجعلها ذكرى للتفكّر والتكفير عن الذنوب، لا الانتقام وإسالة المزيد من الدماء.

هذا لا يعني أن الشيعة فرقة يهودية، حسبما يحلو للبعض تسميتها

​​أما اسم عاشوراء، ويكتب أصلا عشوراء، فالأرجح أن أصله عشورات، على طراز صفات وهنات التي انقلبت إلى صفاء وهناء. وعشورات هو اسم إحدى أشهر الآلهة السامية، وهو يرد بصيغ متعددة، منها عشيرة وعشتروت وعشتار، ومن عشتار تم اشتقاق اسم عيد الموت والقيامة عند المسيحيين، والمعروف بالإنكليزية بعيد "إيستر" (Easter).

أما الرابط بين عاشوراء والإلهة عشتار فالغالب أن المناسبة الشيعية هي في الأصل، جزئيا، عيد موت وقيامة، ويوم عاشوراء، الذي يسميه الشيعة يوم المصرع، الأرجح أنه كان يوم القيامة من المصرع لواحد من الآلهة المتعددة التي تعود إلى الحياة، أو تستفيق من سباتها، مع عودة الربيع، مثل أدونيس وملك قرية (ملكارت) لدى الكنعانيين، ودموزي ومسلم تاي المتماهي مع نرجال في حضارة ما بين النهرين. وفي الرواية الفارسية، يوم المصرع فيه مصرع تنين، وهي إحدى أقدم روايات العراقيين التي يقتل فيها مردوك، إله الشمس، الإلهة تيامات، وحش البحار والظلمات.

اقرأ للكاتب أيضا: لبنان السيادة والنفايات

هي مناسبات يرثها اليهود والمسلمون من عهد سحيق. بعضها يتشابه، وبعضها الآخر يتباين. يوم الكفّارة وطلب التوبة من الخالق والمخلوق هو من الطقوس الإيجابية لدى اليهود. أما عند الشيعة، فتحولت مناسبة حزن وندم وغفران إلى حقد وثأر وانتقام، وفي أحدث تجلياتها أطل زعيم "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله ليهدد إسرائيل بصواريخ "دقيقة".

والسؤال هنا: لما الصواريخ؟ ألا يمكن الحزن سويا، وتكفير الذنوب سويا، وطلب المغفرة سويا؟

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.