جنود إيرانيين جرحى نتيجة للهجوم الذي تعرض له العرض العسكري في الأحواز
جنود إيرانيين جرحى نتيجة للهجوم الذي تعرض له العرض العسكري في الأحواز

بقلم عومير كرمي/

في يوم السبت، 22 أيلول/سبتمبر، وخلال الاحتفالات السنوية لذكرى الحرب بين إيران والعراق المعروفة باسم "أسبوع الدفاع المقدس"، أطلق معتدون النار على الاستعراض العسكري الذي كان يقام في الأحواز عاصمة محافظة خوزستان الإيرانية الجنوبية الغربية، مما أسفر عن مقتل حوالي نحو ثلاثين شخصا وجرح العشرات. وخوزستان هي موطن لأعداد كبيرة من الأقليات السنية والعربية في البلاد، ناهيك عن العديد من حقولها النفطية. وقد وقعت معظم الإصابات في صفوف القوات المسلحة الإيرانية.

تحديد هوية الفاعلين

في أعقاب الاعتداء، رد المسؤولون الإيرانيون بأسلوبهم المعتاد عبر اتهام الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين برعاية الهجوم، وقد ذهب البعض إلى حد التحدث عن مؤامرة "عبرية عربية غربية" كبرى في دلالة على الهاجس المتوارث من التدخلات الخارجية والأعمال المخلة بالاستقرار في بلادهم. ولكن حين هدأت الأمور ظهرت مجموعتان رئيسيتان من المشتبه بهم، وهما:

من الأرجح أن تعمد إيران، أولا، إلى ملاحقة الجماعات السنية والعربية المحلية بصرامة على أمل الكشف عن شبكات المتمردين وتفكيكها

​​​​​التنظيمات العربية المحلية: ما لبثت أن وقعت الحادثة حتى أعلنت مجموعة تنظيمات هي "الجبهة الديموقراطية الشعبية الأحوازية" و"الحركة الأحوازية" و"حركة النضال العربي لتحرير الأحواز" مسؤوليتها عن الهجوم. وحتى أن هذه التنظيمات المحلية نشرت أسماء الأشخاص الذين نفذوا الهجوم ـ لكن النظام الإيراني لم يؤكد بعد تورطهم. وبدلا من ذلك، بالغ المسؤولون الإيرانيون في استقراء التفاصيل فربطوا الهجوم بالتدريبات والمساعدات من المملكة العربية السعودية وإسرائيل والولايات المتحدة. وعلى مر السنين، أفادت التقارير عن ضلوع تنظيمات مسلحة محلية مماثلة في هجمات صغيرة ضد البنية التحتية النفطية الإيرانية، وكثيرا ما تتصاعد التوترات الاجتماعية والاقتصادية المشحونة عرقيا في تلك المحافظة.

تنظيم "الدولة الإسلامية": ضم هذا التنظيم الإرهابي صوته إلى أصوات التنظيمات الأخرى التي تبنت الهجوم، ولمح في البيان الذي أصدره بعد ساعات من وقوع الحادثة إلى أن الرئيس الإيراني حسن روحاني كان حاضرا شخصيا في هذا الاحتفال. لكن سرعان ما تراجع التنظيم عن هذا التفصيل المهم، كما قلل من مصداقيته كطرف متورط في الاعتداء. وفي محاولة لإعادة إظهار أهميته وقوته، نشر التنظيم شريطا مصورا لمقاتلين يتوجهون إلى استعراض الأحواز وفق ما زعم. وقد أثار هذا الشريط الكثير من الشكوك، لكن إذا أثبت تنظيم "الدولة الإسلامية" أنه وراء الاعتداء، فهذا يعني أنه نفذ هجومه الكبير الثاني على الأراضي الإيرانية ـ بعد العملية الناجحة التي قام بها في طهران في حزيران/يونيو 2017.

وفي حين تم إلقاء اللوم بشكل واضح على الولايات المتحدة وحلفائها بالمعنى الواسع، انقسمت الأصوات داخل النظام الإيراني حول ما إذا كانت التنظيمات الأحوازية المحلية هي التي نفذت العملية أو تنظيم "الدولة الإسلامية". وقد تجسد هذا الغموض في الملاحظات الأولية للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي حين أشار إلى "مؤامرات [تحيكها] حكومات المنطقة التي تقودها الولايات المتحدة بهدف تقويض الأمن". لكن المرشد الأعلى كان واضحا تماما حين أمر الاستخبارات الإيرانية بالرد بسرعة، كما أن الرئيس روحاني دعا الجهاز الأمني في البلاد إلى تحديد هوية الإرهابيين على الفور والتعامل بحزم مع "كل من ارتكب الجريمة".

الخطوة المقبلة المحتملة من إيران

في الهجوم الذي نفذه تنظيم "الدولة الإسلامية" في حزيران/يونيو 2017 في مواقع [معينة] في طهران، اقتحم المقاتلون ضريح آية الله الخميني ومبنى "المجلس" [البرلمان الإيراني]، فقتلوا وجرحوا العشرات. وكما حدث في أعقاب حادثة الأحواز، اتهم النظام واشنطن والرياض بالمسؤولية النهائية. ولكن على ضوء الإقرار المعقول من تنظيم "الدولة الإسلامية"، ركزت إيران ردها على التنظيم الجهادي السني، ووضعت السعودية والولايات المتحدة جانبا في ذلك الوقت. وما حدث بشكل خاص هو أنه بعد أحد عشر يوما من وقوع ذلك الحادث، أطلقت إيران وابلا من الصواريخ على أهداف تابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" في دير الزور بسورية متفاخرة لاحقا بقوة القصف ـ على الرغم من أن غالبية الصواريخ لم تصب فعليا أهدافها. وقد سعى النظام من خلال ذلك البيان إلى توجيه رسالة ردع إلى الأطراف الأخرى في المنطقة.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، انتهجت طهران الأسلوب نفسه حين قصفت الجماعات الكردية في شمال العراق ردا على ما اعتبرته "تحركات عدوانية داخل ‘إقليم كردستان العراق’ ضد المناطق الحدودية الإيرانية... [من بينها] أعمال تخريب... في محافظات أذربيجان الغربية وكردستان وكرمانشاه غرب إيران". وبعد الهجوم، أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني أن إيران ستتبع المسار نفسه إذا تعرضت لأي استفزازات في المستقبل.

لذلك، فبالاستناد إلى النهج الإيراني، تتهم طهران القوى الخارجية بالمسؤولية عن مثل هذه الحوادث، ولكنها تنتقم من معارضيها المحليين والتنظيمات في المنطقة. ومن خلال سماحها بالغموض بشأن هوية المهاجمين المحددين، يمكن لإيران تبرير سبب إقدامها على مجموعة واسعة من الردود المحتملة.

بالاستناد إلى النهج الإيراني، تتهم طهران القوى الخارجية بالمسؤولية عن مثل هذه الحوادث، ولكنها تنتقم من معارضيها المحليين والتنظيمات في المنطقة

​​وفي حالة الأحواز مثلا، من الأرجح أن تعمد إيران، أولا، إلى ملاحقة الجماعات السنية والعربية المحلية بصرامة على أمل الكشف عن شبكات المتمردين وتفكيكها، وردع أي "توجه لتقليدها" في أماكن أخرى من البلاد. ثانيا، قد تسعى طهران إلى شن حملة جديدة من الاغتيالات ضد المعارضين المنفيين في أوروبا، حيث استهدفت إحدى هجماتها الأخيرة، وفقا لبعض التقارير، شخصية سياسية أحوازية بارزة في هولندا. ثالثا، من الممكن أن تطبق إيران مبدأ "العين بالعين" فتستخدم التنظيمات الشيعية المسلحة التابعة لها في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى (كالبحرين) لإشعال فتيل الاضطرابات واستهداف قوات الأمن المحلية كما فعلت في العام الماضي في المملكة السعودية.

وأخيرا وليس آخرا، قد تقوم طهران بإطلاق الصواريخ مجددا على مواقع تنظيم "الدولة الإسلامية" في سورية أو على التنظيمات المسلحة السنية والعربية في العراق على أمل تحقيق هدفين، هما: الانتقام للإهانة التي تعرضت لها في الأحواز واستعادة الكرامة الإيرانية من جهة، وتوجيه رسالة ردع إلى كل من واشنطن والرياض والقدس من جهة أخرى تمهيدا للفترات المقبلة التي سيتصاعد فيها التوتر.

عومير كرمي هو مدير الاستخبارات في شركة الأمن السيبراني الإسرائيلية "سيكسجيل" وزميل عسكري سابق في معهد واشنطن. وقد قاد سابقا جهودا تحليلية وبحثية في "جيش الدفاع الإسرائيلي" تتعلق بالتطورات في الشرق الأوسط.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…
مواطنات سودانيات خلال إحياء ذكرى ضحايا الهجوم القوى العسكرية على المتظاهرين أمام مقر قيادة الجيش السوداني ومقتل أكثر من مئة متظاهر قبل عام

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة