من التحركات الأخيرة في الأردن
من التحركات الأخيرة في الأردن

بقلم نضال منصور/

تسلم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني التقرير السنوي الـ 14 لحالة حقوق الإنسان في الأردن لعام 2017 الصادر عن المركز الوطني لحقوق الإنسان.

أكد الملك خلال استقباله رئيس مجلس الأمناء الدكتور محمد عدنان البخيت، والمفوض العام الدكتور موسى بريزات أن احترام وتطبيق القانون من الجميع هو الضامن الأساسي لحقوق وحريات المواطنين، وشدد على ضرورة تعاون جميع الجهات والمؤسسات للعمل على إنجاز توصيات وملاحظات المركز لتعزيز منظومة حقوق الإنسان الذي يشكل المواطن محورها.

ربما يبدو هذا المشهد وهذا الكلام مخالفا للواقع السائد في العالم العربي، الذي تسوده الاضطرابات والحروب الأهلية، وتمدد سطوة الأمن، وتسجيل انتهاكات لحقوق الإنسان بالجملة، باستثناء دول قليلة تشذ عن هذه الصورة النمطية المُعاشة.

17 حكما بالإعدام و85 شكوى بمزاعم تعذيب عام 2017 واتهامات بانتهاكات بحق منتسبي التيار السلفي

​​منذ عام 2006 قرر الأردن أن يخطو خطوة شجاعة نحو الأمام بتأسيس مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان، مستقلة وتتمتع باستقلال إداري ومالي وفق قانون خاص، وحصلت على تصنيف (أ) من هيئة الاعتماد الدولية التابعة للتحالف الدولي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.

رغم الكثير من الانتقادات التي تعرض لها المركز الوطني لحقوق الإنسان منذ اليوم الأول لتأسيسه وتولي رئيس الوزراء الأسبق ومدير الاستخبارات الأسبق السيد أحمد عبيدات رئاسة مجلس أمنائه، إلا أنه لعب دورا إيجابيا في دفع حالة حقوق الإنسان للمشهد، وإثارة نقاشات جادة حولها، وتوجيه انتقادات لم تكن معهودة للحكومات لاتهامها بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان.

اقرأ للكاتب أيضا: قانون الجرائم الإلكترونية في الأردن: تصدي للشائعات أم تكميم للأصوات؟

ربما سجل العديد من النشطاء الحقوقيين انتقادات على المركز الوطني لحقوق الإنسان لحرصه على الإمساك بالعصى من الوسط، ومجاملة الحكومة والأجهزة الأمنية أحيانا، وامتناعه عن خوض معارك حقوق الإنسان بالطريقة التي تفضلها بعض مؤسسات المجتمع المدني بالأردن، أحيانا أخرى.

يسلط تقرير حالة حقوق الإنسان الذي تسلمه الملك عبد الله الثاني الضوء على الحقوق المدنية والسياسية، ويندرج تحت هذا الباب رصد للحق في الحياة والسلامة الجسدية، والحق في محاكمة عادلة، والحق في الجنسية والإقامة واللجوء، والحق في الانتخاب والترشح، والحق في حرية التعبير والرأي، والحق في الحصول على المعلومات وحرية الصحافة والإعلام، ويندرج الحق في التجمع وتأسيس الأحزاب والجمعيات تحت هذه المظلة.

ولا يتجاهل التقرير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومنها الحق في التنمية، والحق في مستوى معيشي لائق، والحق في العمل، والتعليم، والصحة، وبيئة سليمة.

ويتوقف التقرير عند حقوق الفئات الأكثر ضعفا والتي تحتاج للحماية، وعلى رأسها المرأة وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والأطفال، وكبار السن.

تلخص مقدمة التقرير الكثير من الإشكاليات الحقوقية، وتوضح الصورة حيث تقول: "باستثناء اتساع الاختلاف بين سياسات الحكومة وقراراتها وبين تطلعات المواطنين وتوقعاتهم لم يشهد عام 2017 مستجدات جوهرية على صعيد أوضاع حقوق الإنسان في الأردن، حيث سيطر على العلاقة بين الجانبين بشكل عام حالة عدم الانسجام وانعدام الثقة".

وتتابع مقدمة التقرير القول: "كما لم يشهد نهج الحكومة الذي اتسم بشكل عام بتضخيم الإنجازات وإنكار الأخطاء وإخفاء المخالفات أي تغييرات تذكر، حيث اكتفت إدارات حكومية عديدة بتفعيل آلية العلاقات العامة، إلى جانب الغلو في استخدام سلطة القانون بحق أشخاص في حالات الحراك الشعبي، ناهيك عن اللجوء إلى التحذير من تبعات الانتقادات التي تصدر عن المواطنين على الاستقرار في البلاد ما يعني ضيق صدر الحكومة من مثل هذه الانتقادات المشروعة".

ولا يجامل التقرير الحكومة بل يستمر في انتقادها بالقول: "تلك هي العلامة الفارقة لعام 2017 في مجال حقوق الإنسان: شكوك متراكمة، وروايات متواترة، وأحاديث متداولة حول سياسات الحكومة الداخلية والخارجية، وغياب الشفافية والتحقيق النزيه والمستقل في ممارسات فساد كبير، مقابل انتقادات صارخة وتهم قاسية تجاوزت السقف الذي تحميه الصكوك الدولية صدرت عن مواطنين بشكل مباشر بحق شخصيات عامة؛ إضافة الى استخدام تعسفي وإن بشكل محدود للتشريعات وحكم القانون من قبل السلطات مورس بشكل انتقائي إزاء هذا التجاوز للسقوف، ومس بشكل جوهري بشروط المحاكمة العادلة".

تكشف مقدمة التقرير أن أكثر الشكاوى والانتهاكات التي رصدت تركزت على حرية التفكير والضمير والمعتقد، وحرية التعبير والاجتماع السلمي، وحرية التنظيم النقابي، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة الفقر، والبطالة، والتعليم، والصحة، والنقل، والعمل، وحرية المجتمع المدني في القيام بأنشطة والحصول على تمويل، والتوقيف الإداري بموجب قانون منع الجرائم لعام 1954.

ويتحدث التقرير عن الانتهاكات الواقعة على منتسبي التيار السلفي "الجهادي والعادي" الذين حوكموا بتهم الإرهاب والانضمام لجماعة إرهابية والترويج لـ"داعش"، وأغلبية هؤلاء من الشباب، ويعتبر التقرير الأحكام القضائية التي صدرت بحقهم مشددة وانعكاس للسياسة الرسمية المتمثلة بعدم إبداء أي شكل من أشكال التساهل أو التسامح مع ما يعرف بالتشدد الديني.

ويتطرق التقرير لانتهاكات توقيف الصحافيين وحجز نشطاء في الحراك بسبب تغريدات ونداءات موجهة إلى "رأس الدولة وأسرته"، ويرجع هذا الأمر إلى "عجز الحكومات المتعاقبة عن ممارسة الولاية العامة وتحمل المسؤولية".

وفي التفاصيل هناك الكثير مما يكشفه التقرير؛ ففي أولى أبوابه يشير إلى صدور 17 حكما بالإعدام عام 2017، وهي القضية التي لا تزال تثير الجدل بين النشطاء الحقوقيين المعارضين لعقوبة الإعدام، والمؤيدين والمشجعين لها باعتبارها عقوبة رادعة.

وكان الأردن قد جمد تنفيذ عقوبة الإعدام عام 2006 قبل أن يعود لتنفيذها بعد ثماني سنوات من التوقف.

ويرصد التقرير 85 شكوى بمزاعم التعرض للتعذيب عام 2017 مقارنة بـ 63 شكوى تلقاها عام 2016، وينوه إلى أنه لم يرصد أي إجراءات جدية ملموسة لتطوير التشريعات المتعلقة بجرائم التعذيب باستثناء التعديل الذي طرأ على المادة 208 وتم بموجبه رفع الحد الأدنى بحق مرتكب التعذيب من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر.

رغم الانتقادات التي يوجهها تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان للحكومة الأردنية ويحملها المسؤولية عن مزاعم الانتهاكات الحقوقية، وهو ما تفعله العديد من التقارير الوطنية المستقلة الصادرة عن مؤسسات مجتمع مدني أردنية، إلا أن الحكومة تعتبر هذه التقارير علامة فارقة تدلل على هامش الحريات التي تتمتع بها البلاد.

وتتباهى الحكومات الأردنية المتعاقبة بأن الأردن يختلف عن دول الجوار والمحيط العربي الذي يشهد أحيانا تعرض الناس للقتل والاختطاف والاختفاء القسري، وهي الانتهاكات التي لم يعرفها الأردن بتاريخه، وتعتبر نقطة ناصعة بسجله الحقوقي.

واقع الحال أن الأردن رغم الانتكاسات التي تحدث أحيانا يسعى إلى تحسين حالة حقوق الإنسان، ويحاول أن يعزز الأطر الرقابية للحد من الانتهاكات، ويشجع أدوات مثل مكتب المنسق الحكومي لحقوق الإنسان التابع لرئاسة الوزراء لإعداد خطة وطنية لحقوق الإنسان، ويؤكد الملك في تصريحات وجوب الاهتمام بتنفيذها، ويصدر رئيس الحكومة تعاميم مستمرة لمتابعة تنفيذها.

الإنصاف يقتضي القول بأن الأردن يقع بين "الحرائق" بالإقليم ويسعى للتوازن بين الأمني والحقوقي

​​"حملة علاقات عامة لتحسين الصورة" هذا ما يطلقه دبلوماسيون في العاصمة عمان على تحركات الحكومة في التعامل مع ملفات حقوق الإنسان، في حين يرى نشطاء حقوقيون أن حقوق الإنسان والإصلاح السياسي عموما لم تعد على سلم الأولويات، ويعتقدون أن المجتمع الدولي تغاضى عن أجندة الإصلاح ودعم الديموقراطية وحقوق الإنسان في الأردن لصالح التركيز على ملف محاربة الإرهاب واللاجئين.

يقتضي الإنصاف التسليم بأن الأردن، الذي يقع بين "الحرائق" الإقليمية، مختلف عن الدول الأخرى، وهو يجذف للحفاظ على توازن معقول بين الأمني والحقوقي، وأحيانا ينجح، وتارة يفشل ويجانبه الصواب.

لا يغلق الأردن أبوابه ويبقيها مشرعة حتى مع أكثر المؤسسات الدولية قسوة بانتقاده، ويدلل على ذلك بأن "هيومن رايتس ووتش" لها مكتب معتمد في عمان، وعشرات من المؤسسات الدولية المرموقة تحظى بأفضل معاملة.

اقرأ للكاتب أيضا: 'معركة' الأونروا واستراتيجية ترامب

يسعى رئيس الحكومة الدكتور عمر الرزاز جاهدا لفتح كوة للأمل وسط حالة التشاؤم والإحباط، ويطمئن الجميع بأن حقوق الإنسان ستظل مصانة، ويخرج بتغريدات ليعتذر لنشطاء أبلغوه بأن نشاطا لهم قد تم منعه، ليعدهم بأنه تدخل لمعالجة الأمر، وبأنهم يستطيعون عقده فورا.

يمثل الأردن في الثامن من شهر تشرين الثاني/نوفمبر المقبل للمراجعة الدورية الشاملة لحقول الإنسان أمام مجلس حقوق الإنسان بجنيف، وسيكون بمتسع المجتمع الدولي أن يخضعه لـ "جردة حساب" حقوقية ليعرف ماذا أنجز من 126 توصية تعهد بإنفاذها عام 2013.

ملخص القول والحقيقة الأولى؛ إن الأردن ليس دولة مارقة في ما يخص حقوق الإنسان، والحقيقة الثانية أن لديها فرصة لم تفت لتتقدم وتصبح نموذجا يجعلها دولة "ديموقراطية" في مؤشرات حقوق الإنسان الدولية، بدل أن توسم بديموقراطية جزئية.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.