تظاهرة في المغرب ضد الاعتداء الجنسي
تظاهرة في المغرب ضد الاعتداء الجنسي عام 2017 عقب الاعتداء على امرأة في باص

بقلم سناء العاجي/

ليتخيل كل شاب يغادر بيته صباحا باتجاه الجامعة أو العمل بأنه سيسمع، طوال اليوم، كما رهيبا من التعليقات حول لون بنطلونه، وحول التيشرت اللصيق بعضلات صدره، وحول "الجل" الذي يضعه على شعره، وحول قبعته، وحول ذقنه غير الحليق، وحول مؤخرته، وحول طول قامته أو قصرها، وحول بطنه المنتفخ وشكل نظاراته.

كيفما كانت طريقة مشيه؛ كيفما كانت تصرفاته؛ كيفما كانت ملابسه.. لن يسلم من كلامهن وملاحظاتهن.

ها نحن نكتشف مرة أخرى أن التنديد بالتحرش هو ربما شعار فيسبوكي لا أكثر

​​بعضهن سيلمسن أجزاء من جسده. في الحافلة، سيلتصقن بمؤخرته. وإذا ما تجرأ ووبخ إحداهن أو توجه للشرطة، ستسأله القاضية والجارات (وبعض الجيران الذكور أحيانا) وحارسة العمارة وتلك "المؤثرة الفيسبوكية" عن نوع ملابسه وعن الساعة التي حدث فيها التحرش. سيروجون حوله النكات والرسوم الساخرة. سيشككون في أخلاقه ونواياه. سيشهرون به وبأسرته.

تبدو الصورة كاريكاتورية؟ خيالية؟ لكنها للأسف ليست كذلك بالنسبة لعشرات الآلاف من النساء في منطقتنا. واقع يومي تشهد كل امرأة أنها عاشته أكثر من مرة خلال وجودها في الحيز العام. لكن كثيرين لا يزالون يصرون على اعتباره تفصيلا مبالغا فيه من طرف النساء.

اقرأ للكاتبة أيضا: الحج واليسار خطان متوازيان لا يلتقيان؟

في المغرب، ومنذ صدور قانون مكافحة التحرش، تابعت عبر مواقع التواصل الاجتماعي أعدادا هائلة من النكت و"القفشات". سخرية مبتذلة (تبعثها النساء أحيانا) تبين بالواضح كيف أن مكونات كثيرة داخل المجتمع لا تزال تستهتر بالإشكالية وتعتبرها موضوعا للنكتة والمزايدات.

بل إن كم السخرية الذي تعرضت له ناشطة اجتماعية رفعت دعوى تحرش لدى الشرطة (الأولى من نوعها في المغرب)، يدفع للتساؤل حول مدى الوعي المجتمعي بعنف الظاهرة، بما في ذلك لدى بعض المحسوبين على التيار الحداثي والحقوقي.

تساءل البعض لماذا سيتحرشون بها ما دامت ليست جميلة (حسب مقاييسهم طبعا). وكأن النساء الجميلات وحدهن يتعرضن للتحرش، في حين تبين الشهادات أن النساء، جميلات أو أقل جمالا، بالحجاب أو بدونه، حوامل، مع أطفالهن... كلهن يتعرضن للتحرش بشكل شبه يومي. ألم نسمع أكثر من مرة عن حوادث اغتصاب نساء مسنات؟ ألا نسمع أرقام اغتصاب الطفلات الصغيرات؟ فكيف نستمر في اعتبار النساء "المثيرات" وحدهن من يتعرضن للتحرش والاغتصاب؟ ثم، إن تساؤل هؤلاء بخصوص مقدار جمال السيدة المعنية، ألا يعنى في النهاية قبولا أو تفهما للتحرش بامرأة يرونها جميلة، حسب مقاييسهم؟

تساءل البعض الآخر عن الصدفة الكبيرة التي جعلت رئيسة جمعية لمكافحة التحرش تكون أول من يرفع دعوى قضائية ضد التحرش، في حين أن الطبيعي جدا أن فاعلة في المجتمع المدني، ستمتلك شجاعة أكبر لرفع دعوى قضائية بمجرد صدور القانون، مقارنة مع أي فتاة أخرى قد تخاف من ضغط المجتمع والأسرة. كما أنها قد تفعل ذلك بهدف إعطاء القدوة والمثال لتشجيع نساء أخريات على فضح المتحرشين.

كيف نشرح لهؤلاء بأن التحرش هو عنف يمارس ضد المرأة بشكل يومي، وأنه ليس موضوع نكتة أو سخرية عابرة؟

​​باختصار.. ها نحن نكتشف مرة أخرى أن التنديد بالتحرش هو ربما شعار فيسبوكي لا أكثر. أما في الواقع، فالكثير من المنددين أنفسهم يبقون أبعد ما يكون عن الوعي بعنف الظاهرة.

إحدى الصديقات كتبت مؤخرا أنها سمعت في برنامج إذاعي مغربي نقاشا حول موضوع التحرش، صرح فيه أحد المشاركين بأن قانون مكافحة التحرش سيتسبب في انتشار العنوسة؛ بينما اعتبر آخر أن هذا القانون سيتسبب في انخفاض هرمونات الخصوبة لدى الرجال، وبالتالي فهذا يهدد المغاربة بالانقراض.

اقرأ للكاتبة أيضا: مكبر الصوت ليس ركنا من أركان الصلاة

هكذا، بكل بشع الجهل والخلط بين التحرش وبين الغزل والعلاقات الرضائية.

كيف نشرح لهؤلاء ولغيرهم بأن الفتاة حين تكون موافقة على مبدأ التعارف أو ربط علاقة، فذلك لا يسمى تحرشا؛ وبالتالي فالخلط بين التحرش والخصوبة والعنوسة (مع كل التحفظات الممكنة على مفهوم العنوسة نفسه) هو أمر غير منطقي بتاتا؟ كيف نشرح لهؤلاء بأن التحرش هو عنف يمارس ضد المرأة بشكل يومي، وأنه ليس موضوع نكتة أو سخرية عابرة؟ كيف نشرح للبعض أنه، إذا كان يعتبر في التحرش دليلا على فحولته، فهذا يعني أنه يحتاج ربما لكثير من العلاج؟

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.