متظاهر عراقي في البصرة
متظاهر عراقي في البصرة

بقلم حازم الأمين/

يجب أن ننصت لأصوات الأنين الآتية من البصرة، ذاك أنه أنين يؤشر إلى وجهة مختلفة عما سِيق عن انتفاضة أهل المدينة على سلطاتها. بالأمس كشف فيديو واقعة اغتيال الناشطة سعاد العلي عن وجه لم يكن سافرا. فقد قتلت السيدة البصراوية في مشهد عرض أمام العالم. القاتل بدا هادئا وغير قلق. ضغط على زناد مسدسه، سقطت سعاد على الأرض، وغادر هو مسرح جريمته.

القتل كان معلنا، والأرجح أن القاتل لم يخف وجهه. سعاد كانت ناشطة في حركة احتجاج قام خلالها شبان غاضبون بإحراق مقار الأحزاب الشيعية في المدينة، بالإضافة إلى القنصلية الإيرانية. غضبت الأحزاب، وفاض غضب طهران على خطاب الود حيال شيعة أهل البيت. وما هي إلا أيام حتى أقدم ذلك الرجل غير المجهول على قتل سعاد.

من قتل سعاد إذا؟ الجواب البديهي الذي تعودنا على سماعه في بيروت ودمشق وبغداد، عقب كل اغتيال يسنهدف معارضين لمحور الممانعة، هو أن العدو الصهيوني وأدوات الفتنة التي يحركها هم القتلة. يُراد لنا بأن نقتنع بأن الوظيفة السياسية للاغتيالات التي شهدتها بيروت خلال العقد الفائت كانت جلية باستهداف هذا المحور، وبالتالي يُعد أي اتهام لمحور الممانعة بأنه خطاب "الفتنة" الذي يرافق كل اغتيال، والذي يتهم "المقاومة"، ويضرب صفحا عن العدو!

سيعقب القتل يُتم سيصاب فيه الضحايا، جراء شعورهم أنهم أمام القاتل، لوحدهم، وجها لوجه

​​في البصرة يجب أن نتجنب منزلقنا في بيروت. الحملة الإعلامية التي كانت تسبق كل عملية اغتيال في بيروت وكانت تستهدف الضحية، لم تكن تمهيدا لقتله، بل لحمايته من نفسه، وكان الكتبة يسبقون القتلة بيوم أو يومين! في البصرة يجري أمر مشابه. يجب أن نتعلم الدرس. فالتقرير الذي نشرته وكالة مهر الإيرانية وسمت فيه الناشطين في تظاهرات البصرة بأسمائهم وقالت إنهم "عملاء أميركيون" وإنه جرى تدريبهم في القنصلية الأميركية في المدينة، وعرضت سير كل واحد منهم. لا يفترض أن نعتبر أن هذا التقرير مقدمة لموجة اغتيالات ستشهدها والمدينة؛ وهذه الاغتيالات إذا ما حصلت فإن العدو الصهيوني وجماعة "الشيطان الأكبر" هم من سينفذها. هذا العدو هو من قتل سعاد، ويجب أن نتفادى سهولة اتهام الأبرياء من أبناء أحزاب طهران في البصرة.

اقرأ للكاتب أيضا: الممانعة شفافة وخصومها مرتبكون

ثم أن تقرير وكالة مهر الذي سبق صدوره اغتيال سعاد لم يسمها على رغم أنه أشار بالاسم إلى أصدقاء لها! أليس هذا دليلا كافيا على براءة أحزاب طهران من دم سعاد؟ فالتقرير سمى هشام أحمد ورهام يعقوب وعلي نجيم، ونشر صورهم بصفتهم ممن "تم استقطابهم من قبل القنصلية الأميركية"، وهؤلاء ما زالوا على قيد الحياة على رغم تطويبهم من قبل الوكالة الإيرانية بصفتهم عملاء. أما الاعتقاد بأن اغتيال سعاد هو افتتاح لمرحلة اغتيالات تطال ناشطي الحراك في البصرة فهذا ما يجب أن نُعد له وعيا قادرا على إنتاج سياق آخر للجريمة، ولنا في تجربة بيروت ما يساعد على المهمة.

البصرة خاصرة إيران، وطهران مقبلة على مرحلة صعبة جراء العقوبات الأميركية، ولن تقبل ببيئة غير صديقة في خاصرتها

​​والحال أن البصرة فائقة الأهمية لطهران، وحكامها، من أحزاب ولاية الفقيه ووجوهها ومللها، حكمت المدينة على نحو أسوأ مما يتخيله المرء. فهي واحدة من أكثر مدن العالم احتضانا للثروات، لكنها من أفقر مدن العالم. ما يسمعه المرء عن أحوالها يشعره بأنه حيال فساد وصل إلى الطبقات الجيولوجية للطبيعة هناك: الملح يغزو المياه العذبة التي شرعت بامتصاصه من البحر ومن روافد ملوثة قادمة من إيران. مستنقعات النفايات النفطية تستدرج المواشي وتقتلها. انبعاثات غازية قادمة من الحقول النفطية. والبصرة التي تعطي الخزينة العراقية نحو 60 مليون دولار يوميا، يصلها من هذا المبلغ أقل من مليون واحد يتقاسمه قادة الحشود الشعبية والميليشيات البريئة من دم سعاد. الحرارة في المدينة وصلت هذا الصيف إلى 60 درجة مئوية، والتغذية بالكهرباء بالكاد تصل إلى ساعتين يوميا في بلد صرف حتى الآن ومنذ سقوط صدام حسين نحو 40 مليار دولار على شبكات توليد الطاقة وتوزيعها.

اقرأ للكاتب أيضا: محكمة الحريري بعد موت أبطال حكايتها

كل هذا ويحتاج أهل البصرة إلى تحريض القنصلية الأميركية حتى ينتفضوا على سلطة طهران الفاسدة في المدينة. صحيح أن تقرير وكالة مهر عن ناشطي البصرة ينطوي على بلادة مهنية وأخلاقية استثنائية في هذا الزمن، إلا أنه ينطوي أيضا على شعور بقبول لهذه اللغة تم تأسيسه من خبرات موازية. والقبول هنا ليس بالضرورة تصديق لمزاعم الوكالة، انما انخراط في لغتها المراوغة، لا سيما وأن القتل سيعقبه يُتم سيصاب فيه الضحايا، جراء شعورهم أنهم أمام القاتل، لوحدهم، وجها لوجه. لا نصير لهم، ولا صوت سيعلو فوق صوت مسدس القاتل.

البصرة خاصرة إيران. بينهما نفط وماء وأحزاب وتوتر ومشاعر شديدة التعقيد. وطهران مقبلة على مرحلة صعبة جراء العقوبات الأميركية، ولن تقبل ببيئة غير صديقة في خاصرتها. علينا أن نبقي أعيننا على المدينة، وعلينا أن نخاف على أهلها.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.