تظاهرة ضد الاعتداءات الجنسية في المغرب عام 2017
تظاهرة ضد الاعتداءات الجنسية في المغرب عام 2017

بقلم داود كتّاب/

شكل تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في النقاش حول مصادقة مجلس الشيوخ على تعيين قاض في المحكمة العليا رد فعل شعبي فجر مشكلة طالما بقيت طي الكتمان في أميركا والعالم، وهي مشكل الاعتداءات الجنسية خاصة على الأطفال، وبدأ البحث بأسباب عدم إفصاح المتضررين عما يتعرضون له.

تحوّل الموضوع إلى حملة عبر منصات التواصل الاجتماعي بعد أن شكك الرئيس ترامب في حصول الاعتداء الجنسي على الأكاديمية كريستين بلازي فورد عندما كانت في الخامسة عشر من عمرها من قبل بريت كافناه، القاضي في المحكمة الفيدرالية في واشنطن والمرشح من قبل الرئيس والجمهوريين لملء المنصب الفارغ في المحكمة العليا.

تتعدى المشكلة في منطقتنا كون ثقافتنا وموروثنا محافظة وتفضل التستر على العلنية، إذ يحمي القانون المعتدين تحت حجج واهية

​​في معرض دفاعه عن مرشحه شكك ترامب برواية الأكاديمية عن حادث حصل قبل أكثر من 30 عاما، وتساءل عن سبب عدم تقدمها بشكوى سابقا لو كان الادعاء صحيحا. فجر اعتراض ترامب رد فعل قويا ترجم عبر هاشتاغ #WhyIDidn’tReport وترجمته "لماذا لم أقدم شكوى". وجرى تداول آلاف القصص والشهادات لأشخاص كانوا عرضة لاعتداءات جنسية خلال طفولتهم أو مراهقتهم ولم يذكروا الأمر لأحد.

تعكس القصص والشهادات، المؤلمة جدا، اللامبالاة الاجتماعية من قبل أفراد العائلة والأصدقاء والمسؤولين الذين حولوا المعتدى عليهم إلى مذنبين. في غالبية الشهادات، كان المعتدون مقربين من عائلة الضحية أو أعضاء من العائلة أو أصدقاء لها ممن تم الوثوق بهم وغدروا المعتدى عليهم؛ ولهذا السبب خاف المعتدى عليهم من الإفصاح.

اقرأ للكاتب أيضا: التواصل أساس نجاح القيادة السياسية

المخجل أنه حتى في الحالات التي اشتكى المعتدى عليهم للعائلة أو للشرطة أو لغيرهم، لم تكن النتيجة مفيدة بل زادت من الصعوبات؛ وهو الأمر الذي أوصل المعتدى عليهم إلى القناعة بعدم جدوى الشكوى.

عبرت العديد من النساء عن خوفهن من الرجال الأقوياء جسديا وذوي التأثير الكبير، وقلن إنهن خفن من التقدم بشكوى حتى لا يتم الإضرار بحياتهن بسبب تهديدات تلك الشخصيات القوية والمؤثرة.

وكان للشعور بالخجل والعار نسبة كبيرة من التعليقات، إذ أشير لهذا الشعور كأحد أسباب عدم تقدم المتضررات بشكوى قضائية، وأملن أن ينسين الحادثة. وتبين أن الوقت لم يشفهن ويساعدهن بتجاوز المشكلة بل بقي الجرح عميقا وبحاجة إلى معالجة حتى بعد مرور عقود من الزمن على حصول هذه الاعتداءات.

تقول المغردات إنهن لم يعلمن أحدا بما حصل رغم مرور السنوات، بما في ذلك الأهل والأزواج وأحيانا انتظرن حتى وفاة المعتدي أو غيابه كليا عن الصورة قبل الإفصاح بما حدث بسبب الخوف والخجل.

حدثت تلك القصص في الولايات المتحدة، الأمر الذي دفعني للسؤال ماذا يحدث في منطقتنا؟

التعامل مع الفتيات والسيدات يعتبر أكبر مشكلة عالمية والاعتداء عليهن يعتبر من أكثر الاعتداءات غير المعروفة أو المنشور عنها.

إن الجهد الدولي لمعرفة كيفية التعامل مع هذا الأمر أمر مهم جدا، ويقال إن الدول الاسكندنافية تعتبر من أنجح الدول في معالجة هذا النوع من الاعتداءات، وهو ما قد يفسر وهو أمر قد يوضح سبب ارتفاع مشاركة النساء في كل مرافق الحياة السياسية والاجتماعية في هذه الدول. ففي تلك الدول يوجد قوانين صارمة في ردع المعتدين كما ويتم استخدام المدارس ودور العبادة والإعلام لتوعية المواطنين حول حقوقهم بتقديم شكاوى في حال تعرضهم لأي اعتداء.

نحن بحاجة إلى نساء يملكن الشجاعة للحديث علنا عما يتعرضن له

​​

يبقى السؤال: إذا ما كانت هذه الاعتداءات تحصل، وتبقى في السر في دول غربية منفتحة، فما هو الحال في عالمنا العربي حيث ينتشر مبدأ العيب وقوة الرجال أكبر في مجتمعاتنا الذكورية؟

تتعدى المشكلة في منطقتنا كون ثقافتنا محافظة وتفضل التستر على العلنية، إذ يحمي القانون المعتدين تحت حجج واهية! طبعا هناك مواقف علنية قوية مثل موقف الملكة رانيا في رفض الاعتداء الجسماني والجنسي على الأطفال، ولكن تلك المواقف تذوب في بحر رفض الاعتراف بوجود تلك المشاكل في مجتمعاتنا.

اقرأ للكاتب أيضا: هل سيتم استثناء المقدسيين من قرار فك الارتباط؟

علينا البحث عن طرق لدفع المعتدى عليهم لكي يقولوا ويشهدوا ويشكوا عما حصل ويحصل معهم، وعلينا في الوقت نفسه ضمان وجود من يستمع لهم ويأخذهم على محمل الجد ويتابع شكواهم مع الشرطة والمسؤولين في الشركات وغيرها.

فاللامبالاة والتهرب من المسؤولية يجب أن تتوقف. نحن بحاجة إلى نساء يملكن الشجاعة للحديث علنا عما يتعرضن له، ومجتمع يمتلك الإرادة للعمل من خلال سن قوانين وتشريعات وخلق ثقافة تدين تلك الأعمال وتتعامل مع الشكاوى بجدية، في حال أردنا توقف سياسة الخوف والخجل وانتصار إرادة الحياة الكريمة على من يريد إعادة سنوات إلى الوراء.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.