سيدة مصرية تعمل بالقرب من جدارية للفانة المصرية الراحلة أم كلثوم
سيدة مصرية تعمل بالقرب من جدارية للفانة المصرية الراحلة أم كلثوم

بقلم كوليت بهنا/

لا تزال كل صورة بالأبيض والأسود لأهلك أو لأقربائك في ألبوم العائلة، أو أية صورة لغرباء تم الاحتفاظ بها كوثيقة ضمن أرشيف الهواة أو المتاحف أو المراكز المتخصصة بالتأريخ، وكل فيلم سينمائي بالأبيض والأسود بين الثلاثينيات والستينيات من القرن الماضي، وكل أغنية مصورة بالأبيض والأسود لمطرب كبير أو مطربة ينتميان للفترة الزمنية ذاتها، كلها لا تزال تمتلك سحرا خاصا في إثارة مشاعر الناس، الذين سرعان ما يتنهدون حين يرونها ويترحمون على أيام ذاك الزمن الجميل بكل تفاصيله ويقولون: "سقى الله تلك الأيام".

هل كان ذاك الزمن الجميل جميل حقا؟ أم هو الحنين الذي يجعل الإنسان يتعلق بالأمس الراحل ساهيا عن أن يومه الذي يراه مضنيا سيصير ذكرى جميلة من ذكريات زمنه القادم؟

فنانو هذا الزمن، هم نجوم اللحظة الذين يصنعهم الإعلام والتجميل. سرعان ما تلتمع نجوميتهم وتنطفئ بحسب متطلبات السوق

​​إن أول ما يلفت الانتباه والإعجاب معا في كل تلك الوثائق المصورة عن ذاك الزمن، والحديث عن الزمن العربي تحديدا، هو أناقة ملابس أصحابها من الجنسين وباختلاف طبقاتهم الاجتماعية، الجميع اعتنى بهندامه إلى درجة ملفتة مثل النجوم، ليس من أجل الصورة فحسب، بل إن الأمر يشير إلى ثقافة اجتماعية كانت سائدة وتتطلب الاعتناء والحفاظ على المظهر الجمالي العام.

لم ينحصر هذا الحفاظ على المظهر الجمالي على الثياب فحسب، بل تعداه وشمل أناقة البيوت وأثاثها وتصميمها الداخلي والخارجي معا، كما شمل أناقة كل التخطيط العمراني للأبنية ودور السينما والمقاهي والملاهي والمطاعم والمدارس والمستشفيات والشوارع بتفاصيلها الكثيرة.

اقرأ للكاتبة أيضا: البحث عن الحقيقة

ويمكن لأي كان أن يتلمس هذا الجمال البصري في الأفلام المصورة للسينما، أو في بعض الأفلام الوثائقية التي سجلت هذه التفاصيل بشكل عفوي، أو ملاحظة الأمر بوضوح شديد في الأغاني المصورة لمطربين، حيث الجمهور مختلط من الجنسين، والجميع بكامل أبهته بما يليق بالمناسبة والفن الأصيل الذي يجلسون في حضرته؛ مع التنويه إلى أن راتب الأسرة في ذاك الزمن كان عموما يكفي للمعيشة والهندام وبعض الرفاهية مثل حضور الحفلات أو ارتياد المطاعم والنزهات العائلية.

تتحدث السير الذاتية لمعظم مطربي وفناني ونجوم الزمن الجميل أو العصر الذهبي للفن (أكثر مما يمكن تعداده هنا) عن بداياتهم الفقيرة ومعاناتهم ومن ثم جهودهم الذاتية الصعبة والدؤوبة بهدف الوصول إلى النجومية؛ ويمكن لأي مشاهد لأغاني عبد الحليم حافظ أن يلاحظ كيف كان يحترق هذا الشاب على المسرح ليقدم أفضل ما يمكنه، وكيف كانت سيدة تجاوزت السبعين من عمرها مثل أم كلثوم تقف بكل صلابة وثبات لتقدم آخر أغانيها، وكم شهرا كانت تستغرق البروفات الفنية قبل صدور أسطواناتهم أو ظهورهم أمام الجمهور وتقديم الأصيل من الفن مرة تلو الأخرى.

ما تغير اليوم عن ذاك الزمن كثير ومثير للحزن والشفقة على الإنسان العربي المعاصر، الذي بات يبدو كفقير معدم، شاحب الوجه والمظهر، بيته بلا أي لمسة جمال داخلي أو خارجي، شارعه مرتع للأوساخ والنفايات والضجيج والمحال ذات الواجهات المزدحمة بالقباحات، راتبه لا يعيل أسرته أكثر من أيام، طعامه وماؤه ملوثان، مدرسة أطفاله كتلة إسمنتية خالية من مباهج الطفولة، حدائق بلاده وكل أخضر يتآكل أو يختفي، يقضي حياته بلا أي رفاهية؛ يجري خلف رغيف يومه المثقل بالغصّات، حلمه دائم بالهجرة أو الموت الذي يضع حدا لمعاناته وشقائه المستمرين.

ما تغير اليوم عن ذاك الزمن كثير ومثير للحزن والشفقة على الإنسان العربي المعاصر، الذي بات يبدو كفقير معدم

​​فنانو هذا الزمن، هم نجوم اللحظة الذين يصنعهم الإعلام والتجميل. سرعان ما تلتمع نجوميتهم وتنطفئ بحسب متطلبات السوق. القلة الجيدة بينهم يبتدئون مشوارهم الفني عبر تقديم واحدة من أغاني ذاك الزمن الجميل التي تثبت جمال أصواتهم من عدمه، وحين يتمكنون من تقديم ألبوم خاص بهم، يطالبهم الجمهور على المسرح نهاية كل حفل فني أو في نهاية كل لقاء تلفزيوني بتقديم أغنية من الأغاني الأصيلة الخاصة بذاك الزمن الجميل، حتى إن معظمهم صرح أنه حين ينفرد بنفسه لا ينتشي طربا إلا حين يغني واحدة من تلك الأغنيات الخالدة.

اقرأ للكاتبة أيضا: التوريث الفني وفن التوريث

قد يحيل البعض هذا التدهور العام في حال الإنسان العربي وتراجع الأصالة وغياب السعادة العامة إلى ازدياد عدد السكان الكبير وعدم مقدرة الحكومات على تلبية احتياجات ملايين الأفراد؛ لكنك ترى وتقرأ وتزور بلدانا عالمية عدد سكانها أكبر بكثير جدا، رغم ذلك تعمل حكوماتها على تأمين احتياجات كل مواطنيها، والحفاظ على المظهر الجمالي العام لشوارعها وعماراتها ومدارسها ومستشفياتها وحدائقها ومسارحها وكل مراكز فنونها. حكومات تقيس منسوب السعادة في بلدانها كل عام، يحترم مواطنوها ماضيهم دون أن يكونوا أسرى لجماله، إذ إن حاضرهم أجمل، وغدهم يخطط بعناية ليصير أجمل، فيما يستمر الإنسان العربي بالتقوقع داخل إطار الصور بالأبيض والأسود، يغفو مع أصوات ذاك الزمن الجميل المفتقد في كل تفاصيل الحاضر والمستقبل الرمادي الذي لا يشي بأي ضوء قريب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.