مدينة سافانا في ولاية جورجيا الأميركية
مدينة سافانا في ولاية جورجيا الأميركية

بقلم رياض عصمت/

تمتلك الأشباح سحرا سياحيا قويا في الولايات المتحدة قد لا يستوعبه كثيرون في بلدان العالم النامية، وربما سمعوا به ولم يأخذونه على محمل الجد أو يصدقونه. نجد عددا من مدن الجنوب الأميركي تحظى بهذا السحر الجاذب لأفواج عديدة من الزوار، إذ تشتهر بأن كثيرا من منازلها وفنادقها مسكون. إذن، فإن إحدى الأمور الجاذبة للسياحة الداخلية هي قصص الأشباح التي يروج لها، فتستقطب السياح بحثا عن تلك الإثارة المحرضة للخيال، سواء كانوا مصدقين مؤمنين أم متشككين منكرين.

زرت في صيف مضى مدينتين أميركيتين اشتهرتا بقصص الأشباح. أولى المدينتين هي سافانا في ولاية جورجيا، الولاية التي تحمل نكهة الجنوب الأميركي، والمشهورة بفاكهة الدراق كما فلوريدا مشهورة بالبرتقال. بالتأكيد، تمتلك سافانا سحرا جماليا يتجاوز حكايات الأشباح التي تزخر بها عدة فنادق فيها بشكل خاص، وتباع "سوفونيراتها" في مخازن انتشرت على حافة النهر الكبير.

تعرض الفندق لحريق غامض، ثم رمم ليعود كما كان وأجمل، وإن بقيت الإشاعات حية عن كون شبح تلك الشابة المنتحرة يحوم في أرجائه في عتمة الليل

​​وأذكر بالأخص فيها محل السندويش الشهير "زونزي" ومحل الآيس كريم "ليوبولدز" الذي يملكه ممثل ومنتج سينمائي معروف. إذا كان مطبخ سافانا مشهورا بالدجاج واللحم، فإن مطبخ تشارلستون يعرف بالأسماك والمأكولات البحرية. تقع تلك المدينة الجميلة في ولاية ساوث كارولاينا، وفيها سوق شعبي رائع وضخم يحفل بالصناعات اليدوية، ويؤمه السياح من كل حدب وصوب. دون التطرق بالذكر الصريح إلى أسماء الفنادق تجنبا للدعاية، أود أن أشيد بالمستوى الراقي من النظافة والأناقة في الطعام والخدمات التي تمتع بها كلا الفندقين اللذين حللنا فيهما.

بينما كان فندق سافانا ذا طابع فكتوري المعمار، اتسم فندق تشارلستون بغرابة معماره الهندسي الغريب، إذ أنه كان في الأصل مستودعا تم تحويله إلى فندق راق، فظلت العوارض الخشبية الضخمة تسند أسقفه المائلة، وتتخلل أجنحته الفسيحة، وبالأخص ذات الطابقين مثل التي أقمنا فيه.

اقرأ للكاتب أيضا: أمثولات عن دهاة العرب

ارتبط فندق سافانا بقصة شابة في مقتبل العمر تدعى آنا، كانت تعمل هناك نادلة في أواخر القرن السابع عشر، وتحلم بالاقتران بعريس غني. تعرضت تلك الشابة إلى خداع زائر ألماني خلال إقامته في الفندق، فبثها عواطفه ووعدها بالزواج، ثم ما لبث أن اختفى فجأة تاركا حبيبته المخدوعة وقد بدت عليها علائم الحمل. سرعان ما ألقت آنا بنفسها من نافذة غرفتها الصغيرة في الفندق وانتحرت.

منذ ذلك الزمن السحيق، يشاع أن أمورا غريبة ظلت تدور في أرجاء ذلك الفندق الشبيه بأروقته وسلالمه المعقدة بالمنازل التي يتخيلها المرء وهو يقرأ روايات أغاثا كريستي المشوقة. تعرض الفندق لحريق غامض، ثم رمم ليعود كما كان وأجمل، وإن بقيت الإشاعات حية عن كون شبح تلك الشابة المنتحرة ذات الثوب الأبيض المزين بالدانتيللا والشعر الأسود الفاحم الطويل المنسدل على ظهرها يحوم في أرجائه في عتمة الليل بسبب ما لحق عليها من ظلم أدى إلى مصرعها.

يقال في كتيب يوزع على نزلاء الفندق إن عدة أشخاص اشتكوا من فقدان غريب لبعض حاجاتهم دون أن يملك أحد تفسيرا منطقيا لهذا. سواء صدق القراء ما أرويه أم لا ـ خاصة وأنني أنا نفسي متشكك فيه ـ فقدنا لدى نزولنا في إحدى غرف الفندق ورقة تعليمات الفندق التي تحوي كلمة سر الإنترنت، فبدأنا نبحث عنها في جميع أرجاء الغرفة دون فائدة، حتى يئسنا تماما من العثور عليها. جلسنا لنستريح دقائق قبل الانطلاق خارجين لتناول العشاء، ثم نهضنا من أماكننا، فإذا بالورقة موجودة على الأريكة التي كانت تجلس عليها زوجتي، والتي فتشناها جميعا أكثر من مرة دون أن نعثر على الورقة المفقودة! تبادلنا المزاح حول كون شبح الفتاة المتوفاة أراد الترحيب بنا بمزحة عملية!

ذهبت وزوجتي نفتش بين الأروقة عن الغرفة التي انتحرت الشابة قبل قرون بإلقاء نفسها من نافذتها درء للفضيحة، بعد أن اعتذرت إدارة الفندق عن إنزالنا فيها لأنها محجوزة من قبل أب وولديه الشابين، الذين جاؤوا معهم بمعدات تصوير ليلي لرصد الأنشطة غير الطبيعية paranormal activities التي قد تحدث في بهيم الليل. حين وصلنا إلى باب الغرفة المذكورة، شعرت وزوجتي بصدمة الارتياع إذ التفتنا فظهر لنا وسط عتمة الغروب هيكل فتاة ذات شعر أسود طويل ترتدي فستانا أبيض موشى بالدانتيللا وهي تطل عبر ستائر النافذة وكأنها تهم بالانتحار. لم يكن ذلك شبح الصبية الراحلة قبل قرون بالطبع، وإنما كان دمية وضعتها إدارة الفندق للإثارة. حين عدنا ليلا من العشاء شاهدنا هيكل الدمية يطل من النافذة، وتذكرنا اللقطة الشهيرة من فيلم هتشكوك "سايكو".

مثلما شاعت قصة الشابة المنتحرة بسبب ما تعرضت له من خديعة، شاعت قصص أشباح أخرى تسكن فنادق وبيوت ومواقع مختلفة في أرجاء سافانا. تتناول تلك القصص شخصيات أشباح متباينة في أعمارها وطبقاتها الاجتماعية وأهوائها ومزاجها، أذكر من بينها شبح جنرال عجوز توفيت ابنته بمحض الخطأ بعد أن تمردت على نهي أبيها العسكري الصارم عن اللعب مع أطفال يعتبرهم دون طبقتها الاجتماعية، فظل شبح الجنرال الغاضب يتراءى للأطفال حتى يومنا الراهن وهو يطاردهم كأنه يريد أن ينتقم منهم لمصرع ابنته غير المقصود، الذي تسبب هو نفسه فيه.

سمع الاثنان وقع خطوات تتبعهما. التفتا، فلم يريا أحدا. عجلا الخطا، فتسارع وقع الخطوات وراءهما

​​تتردد قصة مؤثرة أخرى عن طفل يتيم لا يعرف أحد هوية والديه. كان الطفل مصابا بمرض الجدري الذي خلف على وجهه بثورا حتى تجنبه الناس ونفروا من منظره، فلم يجد وسيلة للعيش سوى أن يقيم حارسا لتلك المقبرة. ذات صباح، عثر الناس على جثتي صبيتين مقتولتين في المقبرة بعد أن جرى الاعتداء عليهما، وسرعان ما توجهت أصابع الاتهام إلى رينيه، الذي أقسم أنه بريء ولا يعرف عن الأمر شيئا. جرت المحاكمة على عجل، وأدين الصبي الصغير زورا وبهتانا بسبب شكله المنفر ووضعه الاجتماعي المزري، فأعدم شنقا بالرغم من براءته من تلك الجريمة الشنعاء التي لم يعرف فاعلها. منذ ذلك الحين، يشاع أن شبح رينيه يحوم حول تلك المقبرة ليلا.

لم يظهر شبح رينيه لابني الشاب وقريبه خلال جولتهما حول سور المقبرة المغلقة عند منتصف الليل، لكنهما عادا لاهثين وقد علا الشحوب وجهيهما. رويا لنا كيف خطر لابني وهو يسير مع صاحبه تحت المطر أن ينادي بصوت عال باسم "رينيه" ممازحا. فجأة، سمع الاثنان وقع خطوات تتبعهما. التفتا، فلم يريا أحدا. عجلا الخطا، فتسارع وقع الخطوات وراءهما. نظرا ثانية إلى الوراء، فلم يريا أحدا في الشارع المعتم المبلل بالمطر. انطلق الاثنان راكضين يسابقان الريح للاحتماء بالفندق. ضحكت وزوجتي وابن حماي عليهما، وعزونا صوت الخطوات إلى قطرات المطر المتساقطة من أشجار سافانا العجيبة.

اقرأ للكاتب أيضا: أحلام الهجرة وخيباتها

في صباح اليوم التالي، عندما خرجنا للتجوال في المقبرة ذاتها، أوضحنا لهما سبب ذعرهما من سماع صوت خالاه خطوات شبح يتبعهما، إذ أن أشجار سافانا غريبة الشكل فعلا، فهي أشجار ذات أشكال شبحية، إذ تتدلى منها نباتات فطرية منسدلة لا شك أن منظرها في الليل والمطر يقطر منها كالدموع يثير في قلوب أشجع القلوب الرهبة والهلع.

هل حامت الأشباح حولنا حقا في ليلة مثيرة في سافانا، أم أن تلك كانت مجرد رؤى صورها لنا خيالنا تحت وطأة إشاعات سياحية عن مدن اشتهرت بأبنيتها المسكونة بالأشباح؟

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.