نتانياهو في كلمته
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو

بقلم: عريب الرنتاوي

غيوم سوداء كثيفة تتلبد في سماء الشرق الأوسط، ولا أحد يدري ما إن كانت المنطقة تتجه نحو سيناريو "الانفجار الكبير" أم أنها لا تزال تختبر تكتيكات "حافة الهاوية" التي يعتمدها الفاعلون الكبار بغية تحقيق أهدافهم وتعظيم مصالحهم.

من بين مختلف الأزمات المشتعلة والمفتوحة في المنطقة، لا تبدو أي منها قد وضعت على سكة الحل السياسي. تواجه مختلف الأزمات من لبنان حتى اليمن، مرورا بسورية والعراق وإيران، انسدادا حقيقيا وتعطيلا منهجيا منظما لمسارات الانفراج وإن بأقدار متفاوتة... ولقد كشف قادة العالم والمنطقة، ومن على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعض أوجه هذا الانسداد، وصرحوا أو ألمحوا إلى خياراتهم التصعيدية البديلة.

وبدل أن يكون المنتظم الدولي أداة لصنع السلام وحفظه وإدامته، وهي الغاية الأسمى التي أنشئ من أجلها أصلا، تحولت منصته الرفيعة، إلى منبر للتلويح بمزيد من الحروب والمواجهات والعقوبات، وساحة لتصعيد حدة التوتر بين الأطراف المتصارعة.

الجبهة الإقليمية الأكثر اشتعالا هي الجبهة الإيرانية ـ الإسرائيلية، واستتباعا، الجبهة الإيرانية ـ الأميركية... هنا يقف سكان المنطقة على رؤوس أصابعهم... توعد نتنياهو بمطاردة إيران وضربها في لبنان وسورية والعراق، بل وربما داخل إيران ذاتها... لم يترك مجالا للشك بأنه سيستهدف الوجود العسكري الإيراني والمليشيات والمواقع والمنشآت الإيرانية في دول هذا "المحور"، وعرض صورا ومعلومات استخبارية تشي بطبيعة الأهداف المقبلة لعمليات الجيش الإسرائيلي، وسواء أكانت هذه المعلومات دقيقة أم "دعائية"، فإن نتنياهو نجح في رفع حدة المواجهة مع هذه الأطراف، إلى مستوى أعلى جديد.

في المقابل، وقبل كلمة نتنياهو، وبالأخص بعدها، جاءت مواقف الأطراف المعنيين وردود فعلهم كما كان متوقعا... الأمين العام لـ"حزب الله" استبق الكلمة بالقول "إن الصمت على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سورية، لم يعد خيارا ولم يعد محتملا"... دمشق رددت صدى تصريحات حسن نصر الله بتأكيد الموقف ذاته، وبلغة ملؤها الثقة والارتياح المتأتيان من صفقة الـ "S300" وبقية الخطوات الروسية الرامية إلى تعزيز الدفاعات الجوية السورية إثر حادثة إسقاط الطائرة الروسية. أما إيران، فلم يبق مسؤول واحد فيها: ديني أو سياسي أو عسكري، من دون أن يتهدد إسرائيل ويتوعدها بأكثر الردود إيلاما.

وإن نفذ نتنياهو تهديده ووعيده بضرب أهداف إيرانية في العراق، فسيجلب ذلك ردود فعل مماثلة، من قبل أطراف عراقية فاعلة، من بينها الحشد الشعبي، وبصورة قد تفضي إلى إعادة ترتيب المشهد العراقي، وقلب الكثير من معادلاته الداخلية وأولويات كياناته ومكوناته.

لا شك أن حزب الله الذي حظي بمساحة مهمة من "الاستعراض البصري" الذي قدمه نتنياهو من على منصة الأمم المتحدة، أنه أخذ كل شاردة وواردة في حديثه بنظر الاعتبار، والمؤكد أنه يتحضر من الآن لليوم التالي لأي ضربة عسكرية إسرائيلية تستهدف مواقع "تطوير" الصواريخ التي بحوزته... هنا، وهنا بالذات، لا مجال للتردد، ومن نافل القول، إن الحزب سيقوم بالرد على أي عملية عسكرية "نوعية" تستهدفه في لبنان... نتنياهو ضيق على نفسه، وحصر خياراته، بعد أن تعهد أمام العالم، بضرب الأهداف التي عرض لبعضها بالصوت والصورة.

وفي سورية، وعلى الرغم من مناخات الانفراج النسبي الذي خيم فوق محافظة إدلب بعد تفاهمات بوتين ـ أردوغان في سوتشي مؤخرا، إلا أن نذر التصعيد ما زالت تتكثف في سماء المنطقة، وسط شكوك كبيرة بقدرة تركيا على الوفاء بالتزاماتها بموجب هذه "التفاهمات"، وميل دمشق وحلفائها للحسم العسكري واستعادة بسط سيطرتها حتى خط الحدود مع تركيا... إدلب ما زالت برميل البارود المرشح للانفجار في أي لحظة، وقد تكون اللحظة التي قد تتحول معها "حروب الوكالة" إلى "حرب أصالة".

غير بعيد عن هذه الجبهة، وفي سياقها، بدا أن منصة الأمم المتحدة قد تحولت إلى منبر لتحديد المسارات المقبلة في حرب السنوات الأربع الدائرة في اليمن... يعلن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، ولأول مرة، أن "الحوار" ليس وسيلة لحل الأزمة اليمنية، وأن الحسم العسكري هو الوسيلة المتبقية لإنهاء هذا الصراع الذي لم ينبع من الخلاف والاختلاف ليحل بالحوار، بل ترتب على "انقلاب إيراني"، من وجهة نظره، يحتاج إلى "جراحة" صعبة ومكلفة... وهذا الموقف الجديد، لا شك أنه يتجاوب مع طروحات بعض "الرؤوس الحامية" في التحالف العربي، التي طالما امتهنت "قرع طبول الحرب والحسم" منذ اندلاع الأزمة اليمنية.

على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي يبدو المشهد أشد تعقيدا... أخفق المراقبون والمتتبعون لخطابي محمود عباس ونتنياهو في العثور على جملة مشتركة واحدة... وبلغ التوتر في العلاقات الأميركية ـ الفلسطينية، حدا لا يسمح لواشنطن باستئناف دور الوسيط، ولا يمكن الفلسطينيين من الاستمرار في الرهان على عملية سياسية مفرغة من كل مضمون... ذهب عباس إلى مجلس الأمن، بغصن زيتون ذابل تساقطت أوراقه، ولم يجد من يتلقفه من الطرف الآخر... أما "البندقية" التي أبقاها الراحل ياسر عرفات في اليد الأخرى، فقد دفنها عباس تحت التراب حتى أكلها الصدأ... لا أفق لحل سياسي للقضية الفلسطينية، على الرغم من اللهجة الجديدة التي تحدث بها ترامب عن حل الدولتين ووعده بالكشف في غضون أشهر معدودات عن صفقته المثيرة للقلق للحل النهائي لهذه القضية... يهيمن "الفراغ الخطر" على الفضاء الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والمجتمعات، كما الطبيعة، تكره الفراغ، وثمة من يتطلع لملئه بخيارات تصعيدية بديلة.

تصرف عباس في الأمم المتحدة كـ"محامٍ" رافع عن قضيته ومظلومية شعبه، وليس كرجل دولة وزعيم سياسي، يقترح على شعبه خطة للخروج من عنق الزجاجة... بدا ضعيفا منهكا، ليس جسديا فحسب، بل وسياسيا كذلك... سيعود عباس إلى أرضه المحتلة، أكثر ضعفا مما كان عليه، وكلمته ولدت وستولد المزيد من مشاعر اليأس والإحباط والخذلان في صفوف الفلسطينيين... مقابل نتنياهو، الذي كان هجوميا وعدوانيا واستعراضيا، مهددا ومتوعدا، مصمما على مطاردة إيران وحلفائها، مثمنا "الأيادي البيضاء" لدونالد ترامب وإدارته على إسرائيل، غير آبه بخطاب "المظلومية" الفلسطينية، ومن دون أن يقول جملة مفيدة واحدة بشأن مستقبل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وحل الدولتين.

بعد "كرنفال" الخطابات الدولية من على منبر الأمم المتحدة، تبدو الصورة في الشرق الأوسط عموما أكثر تعقيدا وتشاؤما... وتبدو الأزمات المفتوحة في الإقليم، كما لو أنها عادت إلى المربع الأول... فيما الانجراف نحو "حافة الهاوية" يتسارع منذرا بأسوأ العواقب، ما لم تتدخل الدبلوماسية على نحو عاجل وكثيف، وما لم يتحرك "رجال الإطفاء" بأعلى درجات الجاهزية، لدفع الأطراف إلى التراجع خطوة أو خطوتين عن "حافة الهاوية"، وهو سيناريو لا يمكن استبعاده كذلك، في ضوء معرفة الأطراف بحجم الكلف والخسائر، المادية والبشرية، المترتبة عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.