صلاة عيد الأضحى في أحد مساجد نيبال
صلاة عيد الأضحى في أحد مساجد نيبال

بقلم محمد المحمود/

هل يمكن أن يكون هناك "فقهاء مستنيرون" في عالمنا الإسلامي؟ وإذا أمكن ذلك ـ وِفق سياقين متلازمين عمليا؛ لا علميا: المنطق الفقهي التقليدي والمنطق التنويري الحداثي ـ فهل ذلك موجود فعلا على أرض الواقع؟ وإذا كان موجودا؛ فهل هو وجود حقيقي؛ من حيث علاقته بالفقهيات السائدة الناظمة للوعي الجماهيري المتديّن (التي تمنحه شرعيته على نحو ما)، وأيضا من حيث درجة فاعليته؛ قياسا بما تمارسه الفقهيات المضادة/ الظلامية من تأثير عميق وشامل على مجمل خيارات الفرد المتديّن في العالم الإسلامي؟

هذه الأسئلة قد تكون قادرة على تلخيص أزمة الخطاب الديني الجماهيري الذي يُكوّن ـ على نحو مباشر وغير مباشر ـ الخلفية النظرية لمعظم أزماتنا؛ على اعتبار أن هذا الخطاب الديني يُحيل إلى تراث عام يتجاوز المكونات الدينية الصريحة (ما يسمى بعلوم الدين) إلى كل ما تمحور تاريخيا حول النصوص المقدسة، وتقاطع معها في سياق تفاعلها الجدلي مع حركة الواقع/ التاريخ.

مارس الانفتاح الإعلامي دورا عكسيا؛ فبدل أن يكون نافذة انفتاح على العالم الحر استغله المتطرفون بدعم جماهيري ساحق؛ لنشر وتعميم وترسيخ رؤى الانغلاق

​​إن ما يدعونا إلى طرح مثل هذه الأسئلة الحائرة بين الحين والآخر، هو هذا الانسداد الثقافي الذي بات يخلق وضعا ثقافيا ـ ومن ثم واقعيا/ مسلكيا ـ يؤسس لحالة من البؤس العام. هذا سبب، وثمة سبب آخر، وهو أننا نلاحظ أن لا شيء يكشف مدى بؤس المسار الفقهي/ الثقافي في عالمنا الإسلامي كما يكشفه ابتهاج "التنويريين" بأدنى انفراجة فقهية تصدر عن هذا الفقيه أو ذاك المُتفَيَقِه؛ حتى بات الإعلام التقدمي يقيم الحفلات الاحتفائية بفتاوى تفصيلية/ هامشية، يرى أنها كافية لتضيء الدرب للمسار التنويري الطويل!

لا شيء يكشف حجم التخلف الثقافي المروع في معظم أقطار العالم الإسلامي أكثر مما تكشف عنه هذه القضايا التي يتمحور حولها الجدل الفقهي/ الثقافي. قضايانا أصبحت من نوع: هل يجوز سماع الموسيقى أم لا يجوز؟ هل الحجاب واجب أم غير واجب؟ هل يجوز السلام على غير المسلم أم لا يجوز؟ هل تجوز مصافحة المرأة أم لا تجوز؟ هل إهداء الورود للمرضى جائز أم حرام؟... إلخ؛ الفتاوى الهامشية التي تعكس هامشية وعينا، والتي أصبح الموقف منها ـ انفتاحا أو انغلاقا ـ هو ما يحدد هوية الفقيه؛ من حيث علاقته بخطاب الاستنارة التي يراهن عليها التقدميون. فإذا مال الفقيه ـ بعد طول تردد قد يمتد لسنوات وسنوات؛ وبعد أن يربط أحزمة الأمان تحسبا لعواصف المعترضين ـ إلى الجواز في هذه المسائل وأشباهها، فهو ـ في تصور السائد الثقافي/ الإعلامي البائس ـ فقيه مستنير يستحق أن يُقدّم، وأن يُحتفى به كأمل واعد للخلاص من الفقه الانغلاقي المتشدد (الفقه الانغلاقي الذي لا يزال هو التراث المرجعي لمثل هذا الفقيه المستنير!).

اقرأ للكاتب أيضا: الرمز والترميز في الدين والتاريخ

إن هذه قضايا التي هي من هوامش الفرعيات، لو أنها نوقشت في العصور الوسطى/ عصور الظلام لكانت من دلائل التخلف والانحطاط، فما بالك وهي تناقش اليوم ـ بكل جِدّية، وبكل حِدّية ـ كقضايا مستقبلية مصيرية، تتحكم الآراء فيها/ الأحكام المستحقة بمسار وعي الأغلبية الجماهيرية، لا في حدود هذه القضايا فحسب، وإنما في كل القضايا التي تندرج في سياق عملية الهيمنة الكهنوتية التي تتغيا التحكم بمجمل الحراك المجتمعي؛ كعملية تعويض ضمني ـ واعيا وغير واع في آن ـ عن السلطة العليا التي أبعدوا عنها بالقوة منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام، بل وهُمشوا على نحو صريح، مصادم ودام في معظم الأحيان.

لكن، هل يعني كل ذلك التصحر التنويري والفقر العلمائي الفقهي انعدام وجود "فقهاء مستنيرين" قادرين ـ ذاتيا ـ على تجاوز المعطيات التراثية من جهة، وعلى تحدي المحيط الاجتماعي/ الثقافي، بما في ذلك مؤسساتهم/ مرجعياتهم العلمية، من جهة أخرى؟

تصوري أن هذا النوع من الفقهاء، الذي يمكن الرهان عليه حقيقة، معدوم أو في حكم المعدوم. فأولا، وجودهم نادر جدا، وهامشي، وضعيف، وغير مؤثر، بل هم شبه معزولين على مستوى القدرة على الفعل، وعلى مستوى حجم التلقي/ الاستقبال الجماهيري. وثانيا، تجاوزهم للرؤى الانغلاقية هو في الغالب غير مُؤسس على تطورات فلسفية/ ثقافية في السياق المجتمعي الذي يتموضعون فيه، بحيث تعضد مثل هذه التطورات خطابهم؛ عندما يندرج في سياقها فاعلا ومتفاعلا. بل هم على العكس تماما، غير قادرين على الوقوف بـ"تجديدهم المتجاوز" على أرضية تراثية صلبة تمنح "استنارتهم" مشروعية واسعة تمكنها من الفعل في الواقع، كما أنهم ـ في الوقت نفسه ـ غير قادرين على مَوْضَعة خطابهم في سياق ثقافي/ ثورة ثقافية نوعية شاملة؛ إذ لا وجود لهذه في الواقع العربي/ الإسلامي من الأساس.

لعل أهم دلائل هذا الواقع المظلم أن كهنة الخطاب المتطرف، دينيا وقوميا، هم المهيمنون على عمليات تشكيل الوعي العام

​​كل هذا يدل على أن ما نراه ونسمعه في مسار الخطاب الديني من "انفراجات فقهية" فرعية وهامشية، يتبرع بها هذا الفقيه أو ذاك، بحيث تبدو وكأنها بوارق استنارة؛ ليست ـ في حقيقتها ـ إلا مؤشرات تحدد موقعنا في منحدرات التخلف الثقافي. فهي محاصرة من عدة جبهات: من خطاب ثقافي بائس مناهض لها في العمق؛ حتى وإن بدا أنه مناصر لها على نحو ما، وخطاب انغلاقي متشدد يشكل نقطة احتماء لكثير من الحائرين والغاضبين، وهو يكتسب مشروعيته من تجريمه لهذه الانفراجات، وخطاب أصوليات الإسلام السياسي التي تتوسل بالدين لتحقيق أهدافها السياسية، والتي يتحدد قبولها أو رفضها لهذه الفقهيات التجديدية بناء على عوائدها البراغماتية للحزب/ التيار السياسي، وخطاب مؤسسات تعتقد أن ثباتها على مقولاتها شرط وثوقيتها في الذهنية العامة للجماهير... إلخ.

هنا يتضح حجم البؤس المخيم على مجمل الخطاب الديني، لا في واقعه الراهن فحسب، وإنما في مستقبله المنظور أيضا. نعم، قد تُحدث العولمة مسارا تقدميا آخر؛ فيأتي التنوير متجاوزا لكل صور الخطاب الديني؛ بما يعني القفز على أخطر الإشكاليات الدينية بالسكوت عنها. لكن، هذا هو ما يمنحها الفرصة للانبعاث من جديد وفق تقلبات الطقس المجتمعي الإسلامي المتخم بكثير من الأزمات التي لا يبدو أنها قابلة للحل في المستقبل القريب.

اقرأ للكاتب أيضا: أزمة الشهادات العلمية في العالم العربي

قد يرى كثيرون أن هذه رؤية متشائمة للواقع الثقافي/ الفقهي في العالم الإسلامي، والعالم العربي تحديدا. وليتها كانت كذلك، بل للأسف، هذا هو "الواقع المتشائم" بأناسه وأشيائه، والذي لا يعني التفاؤل به إلا تزييفا صريحا لوقائعه؛ بقدر ما هو تزييف لهوية تراثه الذي يتشكل وعيه من خلاله. ولعل أهم دلائل هذا الواقع المظلم أن كهنة الخطاب المتطرف، دينيا وقوميا، هم المهيمنون على عمليات تشكيل الوعي العام، وأن الانفتاح الإعلامي/ التواصلي مارس دورا عكسيا؛ فبدل أن يكون نافذة انفتاح على العالم الحر/ المتحضر/ الإنساني، وتحقيق مزيد من الفهم للذات وللآخر، استغله المتطرفون/ الانغلاقيون بدعم جماهيري ساحق؛ لنشر وتعميم وترسيخ رؤى الانغلاق وأوهام الذات عن الذات وعن الآخر. وبالتالي، وضع مزيد من العقبات الوهمية/ التصورية التي لم تكن موجودة من قبل، أو كانت موجودة ولكن على نحو واهن وخافت، وها هي اليوم أصبحت تحول دون استنبات خطاب التنوير في عالم متخلف لن ينقذ نفسه إلا بخطاب التنوير في سياق عملية تواصل إبداعي خلاق مع أهم ما فيه من مبادئ إنسانية وتقدمية أثبتت جدارتها وفاعليتها مع مرور الأيام.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.