يحمل علم المعارضة السورية في تظاهرة في إدلب قبل أيام
يحمل علم المعارضة السورية في تظاهرة في إدلب قبل أيام

بقلم عبد الحفيظ شرف/

التقى الزعيمان التركي والروسي في سوتشي وأعلنا اتفاقا اعتبره كثير من المحللين تاريخيا، وقضى بإيقاف الهجوم على محافظة إدلب السورية، التي تعتبر إحدى آخر المحافظات المحررة والخاضعة لسيطرة قوات المعارضة السورية، وتتواجد فيها جبهة "النصرة" الإرهابية منذ فترة طويلة. لا شك أن وجود هذه الجبهة الإرهابية، التي غيرت اسمها سابقا إلى هيئة "تحرير الشام"، كان الشماعة التي رفعتها روسيا ونظام الأسد لهذه العملية العسكرية للسيطرة على إدلب التي اتخذها كثير من مقاتلي المعارضة ملاذا بعد تهجيرهم من بلداتهم.

لهذه المحافظة أهمية خاصة تبلورت على مدار السنوات الثماني الماضية؛ هجر النظام السوري إليها كل مقاتلي المعارضة المعتدلة والمهجرين من جميع المحافظات السورية، الذين هجروا من أراضيهم تحت مسمى المصالحات أو الهدن أو تحت ضربات المدافع والطائرات. كذلك، رحّل إليها عناصر الجماعات الإرهابية من "داعش" و"النصرة"، ليختلط الحابل بالنابل والصالح بالطالح، ولتكون هذه المحافظة إحدى أعقد العقد السورية سياسيا وديموغرافيا وعسكريا.

أعتقد أن الأزمة السورية أصبحت ككرة الثلج؛ ولا يمكن إيقافها إلا عبر حل سياسي توافقي

​​ترك اتفاق سوتشي حل هذه العقدة المتشابكة لرجب طيب أردوغان. وهي مهمة تبدو شبه مستحيلة؛ إذ تم الاتفاق على إنشاء منطقة منزوعة السلاح خالية من الجماعات الإرهابية بين قوات النظام وقوات المعارضة لتجنيب إدلب كارثة إنسانية حقيقية كان قد أشار لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب سابقا. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ستستطيع أنقرة تطويع الجماعات المتطرفة تحت مظلة اتفاق سوتشي؟ أم أن هذا الاتفاق هو مجرد شراء روسي لقليل من الوقت ليتمكن الروس وحلفاؤهم من إثبات عدم قدرة تركيا على حل المشكل الرئيسي والذي يكمن في الجماعات الإرهابية في إدلب؟

اقرأ للكاتب أيضا: عهد التميمي 'نيالك على عدوك'

وضعت هذه المهمة شبه المستحيلة أنقرة تحت خيارات صعبة للغاية، فهناك ما يقارب عشرة آلاف مقاتل متطرف في إدلب، بينهم أكثر من ألفي مقاتل من الغرباء، أي من العناصر الأجنبية والتي جاءت إلى سورية تلبية لنداء الجهاد كما يدعون، فكيف يمكن لأنقرة تطويع هؤلاء؟ مع الإشارة إلى أن هذه الجماعات مخترقة من كل أطراف النزاع، حتى من قبل النظام السوري الذي يستخدمهم بشكل أو بآخر لتحقيق مصالح سياسية وعسكرية.

هل تستطيع أنقرة أن تؤثر على السوريين المنطوين تحت هيئة "تحرير الشام" ("النصرة" سابقا) وضمهم إلى الجبهة الوطنية للتحرير المصنفة تحت عباءة الجيش الحر والمعارضة المعتدلة المدعومة تركيا؟ وإذا ما حصل هذا، فربما تستغل روسيا ودمشق هذه الخطوة لتصنف الجبهة الوطنية للتحرير كجماعة إرهابية وتدعو إلى قتالها.

أما ما يخص المقاتلين الأجانب، فكيف سيتم التخلص منهم وإعادتهم إلى بلدانهم، سواء في أوروبا أو إلى باكستان وأفغانستان وتونس وليبيا لتتم ملاحقتهم قضائيا؟ هذا الحل كذلك يبدو صعبا، إذ لا تبدو هذه الدول راغبة باستعادة هؤلاء المقاتلين المتطرفين ولا تريدهم على أراضيها.

لا تترك كل هذه التشابكات والتعقيدات إلا حلا واحدا أخيرا بيد أردوغان، وهو عملية عسكرية تركية محدودة للتخلص من هذه الجماعات الإرهابية وطردها من إدلب الخضراء لتهرب إلى أماكن أخرى فيتفرق شملهم ويضعف خطرهم.

إلا أن العقد السورية أبت إلا أن تزيد عقدة جديدة، وهي عقدة الطائرة الروسية التي أسقطتها مضادات النظام السوري وقتل على إثرها 15 جنديا روسيا. ما زالت تداعيات إسقاط الطائرة مستمرة؛ فقد حملت روسيا مسؤولية إسقاط الطائرة إلى إسرائيل، ولم تقتنع موسكو بالرواية الإسرائيلية التي تحمل المسؤولية للنظام السوري، فأعلنت موسكو قرارها تسليم مضادات إس 300 الروسية إلى دمشق في غضون أسبوعين مما سيزيد الأمور تعقيدا؛ فهذه المضادات ستشكل خطرا محليا وإقليميا ودوليا عندما تكون بيد نظام مجرم مارق كنظام بشار الأسد.

ما يجري يجب أن يجبر النظام والمعارضة سويا على الجلوس إلى طاولة التفاوض

​​هل ستكون صفقة إس 300 للنظام السوري هي الجزرة الروسية لبشار الأسد ليخضع لتفاهمات بوتين وأردوغان؟ أم أنها لعبة روسية جديدة لتمكين نظام الأسد من جديد بورقة ضغط جديدة ليتمكن لاحقا من عقد تفاهمات دولية جديدة تعترف به كورقة حل محلية وإقليمية؟ أم أن هذه الصفقة عقاب روسي لإسرائيل؟

أعتقد أن ما سيحسم هذه الخيارات والجدل القائم هو رأي الاستخبارات الدولية وأجهزة المراقبة في ما حدث؛ فإذا ما كانت اسرائيل غير مسؤولة عن إسقاط هذه الطائرة فعلا فهذا يعني أن المؤشرات تتجه إلى لعبة روسية جديدة لتمكين نظام الأسد من جديد وإعطائه سلاحا جديدا ليعزز من قدراته وإمكانياته على الساحة الدولية.

اقرأ للكاتب أيضا: الأيقونة مي سكاف

أما نتنياهو، فربما يستمر في أمر جيشه في تنفيذ الضربات الجوية لإبعاد العناصر الإرهابية من "حزب الله" والميلشيات الإيرانية عن حدوده، وهو ما سيمنع أي تواجد إيراني يهدد أمن إسرائيل. ولا أعتقد أن كل ما يجري سيغير من سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي، لكن نظام أس 300 قد يكون القشة التي ستقصم ظهر البعير، فلا أعتقد أن إسرائيل ستكون راضية عن حصول نظام الأسد على هذا النوع من أنظمة الدفاع الجوي، الذي تعتبر خطرا استراتيجيا وأمنيا، وهنا قد تتغير المعادلة الدولية من جديد وقد يستدعي الحل تدخلا أميركيا لإنهاء هذه الأزمة.

أعتقد أن الأزمة السورية أصبحت ككرة الثلج؛ تكبر وتكبر وتكبر ولا يمكن إيقافها إلا عبر حل سياسي توافقي على ثلاثة مستويات: دولي وإقليمي ومحلي، ينطلق ويسير بالتوازي، لإيقاف هذه الكرة المتدحرجة بسرعة، وكل ما يجري يجب أن يجبر النظام والمعارضة سويا على الجلوس إلى طاولة التفاوض والتنازل شيئا فشيئا لتحقيق مقاربة ممكنة التطبيق ميدانيا.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A man adjusts a facemask with his face's image printed on it created at a photo studio as other facemasks are hung amid…
كمامات بشكل مبتكر

يتعجب البعض ـ إن لم يكن الكثيرون ـ من فيروس كورونا والمرض الذي يحدث بسببه. فمعظم من يصاب به لا يعاني من مرض شديد، وقد لا تظهر عليه أي أعراض على الإطلاق، وهو أيضا فيروس قد يتسبب في موت البعض، وخاصة من كبار السن، ومع ذلك فقد ينجو منه الكبار، وقد يموت بسببه الصغار بدون سبب معروف. وهو فيروس قد يصاب به شخص لديه أمراض عديدة وينجو منه، في حين أن بعض الأصحاء قد يموتون بسببه بدون أي سبب معروف.

وهكذا حير الفيروس الكثيرين معه!

ولفهم هذا الأمر وهذا التباين الشديد في تأثير الفيروس على المصابين به نحتاج أن ندرك أن نتيجة الإصابة بالأمراض الفيروسية لا تعتمد فقط وبالضرورة على قدرة الفيروس على تدمير خلايا الجسم، بل تعتمد أيضا ـ وأحيانا بدرجة كبيرة ـ على رد فعل جهاز المناعة في أجسامنا.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن فيروس الكبد الوبائي من نوع "بي" لا يدمر خلايا الكبد، ولكنه وبالرغم من ذلك يتسبب في التهاب كبدي مزمن ومدمر للكبد في بعض الأحيان، ويفسر ذلك بأن تدمير خلايا الكبد بسبب الفيروس أساسا، ولكن بسبب رد فعل جهاز المناعة.

الكارثة تكون حين يكون جهاز المناعة متوسط الكفاءة وليس ضعيفا، فهو في هذه الحالة لا يترك الفيروس لحاله ولا يستطيع التخلص منه نهائيا في الوقت عينه

 فلو كان جهاز المناعة ضعيفا فإنه يترك الفيروس لحاله ويصبح المريض في هذه الحالة "حاملا" للمرض فقط وخلايا كبده تظل سليمة، أما إذا كان جهاز مناعته كفؤا للغاية فإنه يقضي تماما على الفيروس في الجسم.

والعجيب أن الكارثة تكون حين يكون جهاز المناعة متوسط الكفاءة وليس ضعيفا، فهو في هذه الحالة لا يترك الفيروس لحاله ولا يستطيع التخلص منه نهائيا في الوقت عينه، بل يحاول القضاء عليه ويفشل ثم يحاول مرات عديدة وهو غير قادر على الفتك النهائي بالفيروس، وفي كل هذه المحاولات الفاشلة لتدمير الفيروس يدمر جهاز المناعة خلايا الكبد وسط معركته الفاشلة مع الفيروس.

فيا للعجب، فلو أن جهاز المناعة كان ضعيفا لما مرض الإنسان بالالتهاب المزمن المدمر لخلايا الكبد، وفي هذه الحالة فإن المناعة الضعيفة ـ تكون أفضل من المناعة المتوسطة.

وفي حالة فيروس كورونا فإن جهاز المناعة قد يحدد أيضا مسار المرض. فنحن نعلم أن الفيروس وحده قد يصيب خلايا الرئة وخاصة الخلايا الموجودة في جدار الحويصلات الهوائية (نيوموسيتس ـ 2)، ويتسبب في الكثير من مضاعفات المرض، ولكن في نفس الوقت فإن جهاز المناعة عند بعض المصابين بالفيروس قد يتعامل بصورة محمومة مع الفيروس فيصدر أو ينتج مواد التهابية شديدة مثل "الستوكينز" وهو ما يسمى بعاصفة الستوكينز المدمرة، وهذه المواد الالتهابية قد تتسبب في مضاعفات كارثية قد تنهي حياة بعض المرضى، سواء كانوا كبارا أم صغارا، وسواء كانوا أصحاء أم مصابين بالعديد من الأمراض المزمنة.

ويأتي أيضا توقيت علاج المرض بالعقارات ليساهم في تباين نتائج الإصابات بين المصابين به، فإن تم استخدام عقارات مثل الهيدروكسي كلوروكين أو الأزيثروميسين أو الزنك أو غيرها في مرحلة متأخرة جدا من المرض وبخاصة إذا تم تدمير خلايا جدار الحويصلات الهوائية وإصابة الأخيرة بنوع من التليف، فإن هذه العقارات قد لا تفلح في علاج المرض على الإطلاق.

العديد من الدول أوصت باستخدام الباراسيتامول بدلا من البروفين للسيطرة على درجة الحرارة المرتفعة مع فيروس كورونا

ومن عجائب هذا الفيروس أنه لا يكتفي فقط بمهاجمة خلايا الرئة بل قد يتسبب أيضا في تنشيط زائد لعملية التجلط في الدم مما قد يؤدي إلى حدوث جلطات في أماكن عديدة من الجسم ومن أشهرها جلطات الرئة.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الفيروس قد يتسبب في التهاب في عضلة القلب وقد يصيب أحيانا الجهاز العصبي.

وهناك أيضا عوامل أخرى قد يكون لها علاقة بالتباين الشديد في الوفاة كنتيجة للمرض، فعلى سبيل المثال فإن استخدام عقار "الإيبوبروفين" لعلاج بعض أعراض المرض مثل ارتفاع درجة الحرارة قد يزيد من عدد مستقبلات الفيروس على سطح خلايا الرئة، وبالتالي قد يزيد من احتمالات الوفاة به، ولذا وعلى سبيل المثال فإن العديد من الدول أوصت باستخدام الباراسيتامول بدلا من البروفين للسيطرة على درجة الحرارة المرتفعة مع فيروس كورونا.

ومما سبق يتضح لنا أنه بالرغم من أن حالات الوفاة من الفيروس تكون غالبا في كبار السن المصابين بعدة أمراض، ولكن طبيعة الفيروس ورد فعل جهاز المناعة ضده، وتوقيت استخدام العقارات لعلاجه ونوع هذه العقارات تتحكم جميعا وتؤثر في النتائج المترتبة على الإصابة بالفيروس.

وأخيرا فمن الجدير بالذكر أيضا أن معظم المصابين بالفيروس تمر إصابتهم من دون إحداث أي أعراض مرض أو أي مضاعفات لديهم!