سيدة كويتية ترفع شعارات تعارض الرقابة على الكتب
سيدة كويتية ترفع شعارات تعارض الرقابة على الكتب

بقلم إبتهال الخطيب/

أن تكتب لموقع "الحرة"، هكذا بوضوح تحررها وبإغراق تأنيثها، هو أن تكون شيئا مختلفا، أن تكتب بارتفاع مختلف. من اسم هذه المؤسسة وشعارها، كرأس طير منطلق أو شعر امرأة ثائر، هي تدعوك دعوة ثورية وتضعك في مزاج مختلف. هو سقف سيعلو كثيرا وأرض تتمهد، هي كلمة ستتحرر ونفوس تشف على الصفحة الإلكترونية، حتى لربما في يوم ما يصبح "كل ما يقال يعرف وكل ما يعرف يقال"؛ حتى نتحرر جميعنا من المخاوف ونتوقف عن الحسابات؛ حتى نقف جميعا على حافة "الحرة"، بلا أسقف ولا أرضيات ولا جدران، فقط زرقة يانعة وأفق لا ينتهي وكلمات تتشكل بأشكالها وأحجامها المختلفة سحبا، تمطر أحيانا، تظلل أحيانا، وتبقى دائما تزخرف تلك الزرقة وتزين أفقها.

اسمي إبتهال، عمري ستة وأربعون، أدرس الأدب الإنكليزي وتاريخ الفن في جامعة الكويت، مقر عملي وموطن نفسي. ليبرالية (اجتماعية) الفكر، يسارية الهوى، أنشط في القضايا الحقوقية والتي أولها حاليا بالنسبة لي هي قضية غير محددي الجنسية في المنطقة الخليجية. متدخلة دوما في ما لا يعنيني حتى وإن تأكدت من لقياي لما لن يرضيني. خليجية المنبت، كويتية الجنسية، فارسية الجذور، وإن لم أر في يوم "بلاد فارس" ولا أعرف من لغتهم الجميلة إلا أقل القليل.

أريد لبقعتي الجغرافية أن تكون أفضل وضعا، أعلى استقرارا، أكثر إنسانية، ويا حبذا لو كانت أقل حرارة ورطوبة

​​لا أعترف بأي هوية تعريفية سوى هويتي الكويتية، وأطمح أن أرى زمن تتوحد فيها بشكل أفضل الهوية الإنسانية على سذاجة ودرامية الفكرة. أشارك منذ زمن في الإعلام من خلال كتابة عواميد الآراء والظهور في المقابلات (وإن كنت مقلة هنا) وغيرها، حيث كانت لهذه المشاركات، المشفوعة بكل تعريفاتي كوني امرأة خليجية ذات جذور فارسية وأيديولوجية ليبرالية اجتماعية، أكبر الأثر في إعطائي من "المميزات" الكوميدية ما يفوق حقي.

حين أنتقد التطرف الديني السني، أُعَنون صفوية وكأنني سفيرة إيران في المنطقة، وحين أنتقد التطرف الديني الشيعي أُعنون متملقة وكأنني أمسح عن نفسي انتماء لا يد لي فيه ولا اختيار. ولأن كل التقسيمات تنصب في النهاية في نهر الطائفية والعرقية عندنا في شرقنا الأوسط، أتحول أحيانا إلى حفيدة كسرى عظيم الفرس وأحايين أخرى إلى منشقة جاسوسة.

تصارعت وهذه التحولات فترات طويلة في حياتي وصولا إلى أربعينياتي، حيث تحولت إلى مجرد مشاهدة من على بعد، أنظر وأتأمل من خارج دائرة الحوار بالكثير من التعجب والإعجاب والتعاطف في الواقع، فالتأمل المحايد (قدر الإمكان) يبرز للمتأمل مدى ضعفنا وانكسارنا نحن البشر؛ يوضح تماما كيف أن شرورنا هي نتاج مخاوفنا، وأن قولبتنا لكل شيء من حولنا إنما هي محاولة مسكينة لتنظيم حيواتنا وخداع أنفسنا بشيء من التحكم في مجرياتها.

كل ما نقدم عليه نحن "الهوموسيبيين" إنما هو مجرد محاولة لإيجاد معنى في كون صارم بارد لا هدف له، مجرد محاولة لخلق نظام يحقق شيئا من الأمان في دنيا لا تأبه لنا وبنا ولا نؤثر فيها قيد أنملة. في أربعينياتي، انفتح هذا الباب الوجودي على مصراعيه يستقبلني، فحولني إلى متأملة مذهولة هادئة، لا أشعر بشيء قدر شعوري بنمنمتي وصغر حجمي بكل مشاكلي ومشاغلي وأحزاني وهمومي وأفراحي وأتراحي في هذه الحياة.

اليوم، حين تثقل الدنيا، أتذكر وجودي اللحظي المنمنم حد عدم الوجود، أتذكر بلايين الذاهبين والقادمين، بكل أثقالهم التي كانت ولم تعد والتي ستكون وستختفي، فتتخفف نفسي وأتحول لقطرة في محيط هائج سرعان ما تتبخر وتختفي وترتاح.

إلا أن وجوديتي هذه لحظية كذلك، نتاج لحظات تأملي ومواساتي لنفسي، في غير تلك الأوقات، أنا امرأة عاملة مهمومة بأيامها كما الملايين غيري من النساء. طبقتي متوسطة، سيارتي مقسطة، راتبي حكومي، أقلق على أقساط مدرسة ابنتي، آخر العنقود، وأحاول و(أفشل) في توفير مبلغ للسفر من صيف إلى صيف. وجودي البرجوازي الذي لا إطار واضحا يحدده خلق في نفسي أنانية دائمة، فأنا أنشط وأكتب وأتحدث وأسعى لأنني أود أن أخلق جوا أفضل في بلدي ومنطقتي لعلمي اليقيني أن لا مكان لي في الدنيا سوى وطني، وأنني لن أستطيع في يوم أن أحيا في أي بقعة خارجه.

علني أجد في "الحرة" أصدقاء جددا، أشاكسهم ويشاكسونني، لتكبر بهم حياتي وتتسع

​​وكوني لا أملك عقارا خارج بلدي ولا حسابا بنكيا ولا عملا مستقلا، وكوني أنتمي لهذه الفئة الحالمة من الناس التي ترتبط ببقعتها الجغرافية وتغرق في وطنيتها وحبها لأرضها (رغم كل نقاشات أبنائي معي حول خديعة تقسيم الأرض وطبقية فكرة الجنسية وهذا موضوع آخر لمقال آخر) فأنا أعلم علم اليقين أنني سأبقى بقية حياتي هنا، في بلدي الكويت التي هي جزء من هذا الشرق الأوسط المجنون. وأنني، بهذا الدافع الأناني البحت لحياة أكثر استقرارا لي ولأبنائي وأحفادي من بعدي، أريد بقعتي الجغرافية أن تكون أفضل وضعا، أعلى استقرارا، أكثر إنسانية، ويا حبذا لو كانت أقل حرارة ورطوبة.

ولأنني أعرف أن القوالب مريحة، ولأنني قاومتها طوال حياتي وكأنني لم أقاومها، فلقد ظلت تلاحقني كما ظلي وكما هي تلاحق كل منا على سطح هذه الأرض، ولأن قانون الحياة يقول "إن لم تستطع أن تغلبهم فلتنضم إليهم"، فها أنا أنضم للمقولبين، وأضع نفسي في كل الإطارات التي أعرفها عن نفسي (مع إدخال التحسينات المطلوبة)، وأعرف وأزين وأجمل كل ترهاتي ومخاوفي وأطماعي، علني أجد في "الحرة" أصدقاء جددا، أشاكسهم ويشاكسونني، لتكبر بهم حياتي وتتسع. شكرا دعوة "الحرة" الكريمة، ها أن أربط الحزام ومستعدة للانطلاق.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!