مؤتمر الكرامة الإنسانية
مؤتمر الكرامة الإنسانية

بقلم نضال منصور/

تونس كانت الشرارة الأولى لما سمي "الربيع العربي"، وبعد ثماني سنوات تعود لتحتضن مؤتمر "الكرامة الإنسانية"، في تذكير بشعارات "ثورة الياسمين" أولا، وبالشعارات التي كان يصدح بها المتعطشون للحرية، والباحثون عن الكرامة في ميادين العواصم العربية.

ربما تكون مصادفة عقد المؤتمر في تونس، وربما أدرك القائمون على تنظيمه، "قناة الحرة" و"معهد الولايات المتحدة للسلام"، أن تونس أرض خصبة لإعادة إحياء هذه القضية الأساسية، وربما وهذا الأهم أن الكرامة الإنسانية كفكرة وحاجة أصيلة لم تدركها ولم تنجزها ثورات الربيع العربي، وراحت أدراج الرياح أصوات المحتجين الهادرة.

"الكرامة الإنسانية".. كلمات بسيطة تختزل أكثر القيم سموا، وتلخص قصة صراع البشرية في تكريس والدفاع واسترجاع، كرامتهم المهدورة من السلطة، مهما كانت صورتها، "رجال الدين، العسكر، أصحاب المال".

الكرامة الإنسانية أكثر القيم سموا وتلخص قصة صراع البشرية مع السلطة

​​منذ الكلمات الافتتاحية للمؤتمر وأنا أتساءل: هل يعقل أن نناقش أمورا مسلما بها لا تصلح الحياة دونها، وزاد قلقي حين سمعت التأصيل الفكري والحقوقي للدكتور وائل خير، وأيقنت أنني منذ ولادتي وحتى اليوم كل ما أفعله هو البحث عن كرامتي والدفاع عنها. فهل يعقل أن أموت كما مات من قبلي كثيرون ونحن لم نتقدم خطوة للأمام؟!

يبدأ الدكتور وائل خير بالعودة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان باعتباره أول وثيقة حقوقية أممية، ويسلط الضوء على الديباجة التي كانت وظلت الأساس لكل النقاشات والحوارات، وما استتبعها من معاهدات وبروتكولات.

اقرأ للكاتب أيضا: حقوق الإنسان في الأردن.. علاقات عامة أم سعي للإصلاح والديموقراطية؟

العبارة التي رددها وكانت المفصل "لما كان الاعتراف بالكرامة الأصيلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة، هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم".

وفي ذلك يرى خير أن الكرامة تولد مع الناس ولصيقة بهم، والعالم لا ينشئها ويصنعها أو يمنحها، بل يقر ويعترف بها فقط، فهي أصيلة تخلق معه منذ الأزل، وهي متساوية عند كل الناس والأجناس، وهي الأساس الذي تبنى عليه كل الحقوق اللاحقة، هذا ما فهمته وما أؤمن به.

هذا هو المبدأ الأساس الذي انطلق منه النقاش في مؤتمر الكرامة الإنسانية، قبل أن يذهب المشاركون في مجموعات عمل ليؤطروا ويبحثوا في أسئلة أساسية تلقي بظلالها على كرامة البشر.

أربع مجموعات ناقشت أثر الدين والتعليم على الكرامة الإنسانية، والجماعية مقابل النزعة الفردية، والجانب الجنساني: مركز المرأة، والحوكمة والمؤسسات.

كنت طرفا في نقاش الدين والتعليم، والسؤال الذي لم يفارقني لحظة: هل الدين عامل جامع يعزز الكرامة الإنسانية عند البشر وبينهم، أم ينمي الصراع والعصبيات؟

كنت ممن يفضلون تعزيز القيم، فهي أسبق من الأديان والأخلاق، وهي عابرة للأديان، على الرغم من أن الدكتور خير يرى في ورقته التي قدمها للمؤتمر أن للكرامة الإنسانية "مصدرين: مصدر ديني، ومصدر علماني فلسفي".

ويقول قبل ذلك في الورقة ذاتها "ليس في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إشارة إلى مصدر كرامة الإنسان وحقوقه. وسلم ‘الإعلان’ بكرامة الإنسان دون أن يبين مصدرها وذاك لأمر بديهي؛ فالمجتمع الدولي يقوم على رؤى متنوعة ومتضاربة حول "أنتولوجية" الإنسان".

الكرامة الإنسانية تشرق في كثير من دول العالم وفي أوطاننا نعيش الخسوف والكسوف

​​ويكمل كلامه "رأى واضعو المسودة حكمة في عدم الغوص بها، بل اكتفوا باعتبارها من المسلمات"، دون الإبحار في مراجعات فكرية حول تجليات مفهوم الكرامة الإنسانية في الأديان السماوية، أو ما تسمى الأديان "الدائرية" البوذية والهندوسية أو حتى صورة هذه الكرامة في الفلسفة، فإننا يوميا نردد كلمة الكرامة حتى غدت شعارا، ونشعر بالفخر إذا ما دافعنا عنها، وبالألم والخزي إذا ما انتهكت، دونما أن نفكر بالحاجة لتعريفها والاتفاق على حدودها وماهيتها تفصيلا.

توسع مفهوم الكرامة في العالم الديموقراطي، فكل حق يكتسبه الإنسان يصبح أصيلا، ويُعمل على تأطيره قانونا حتى لا يسلب من قبل السلطة، وكثيرة هي الحقوق التي سادت في العالم الديموقراطي، ولا نجرؤ نحن على الاقتراب منها، أو الدعوة لها.

لا يكفي مؤتمر ليوم واحد ليشخص حالة الكرامة الإنسانية، فكيف إذا كان المطلوب معاينة العالم العربي وحقوقه وواقع إنسانه المقهور؟

من أين يمكن أن نبدأ القراءة لواقع الكرامة الإنسانية في العالم العربي، من حق الناس في الحياة، أول المسلمات التي لا ينكرها أحد أو يجادل بها؟

اقرأ للكاتب أيضا: قانون الجرائم الإلكترونية في الأردن: تصدي للشائعات أم تكميم للأصوات؟

حين تعود لإحصائيات من يموتون جوعا، أو بسبب الحروب الأهلية، أو تحت التعذيب، أو حتى ببنادق المحتلين والغزاة تجزع وتقرر أن تتوقف عن البحث في الحقوق الأخرى.

كنت أتمنى أن أقول في المؤتمر أن الكرامة الإنسانية تشرق في كثير من دول العالم، وأوطاننا تعيش الخسوف والكسوف، فتذوي الكرامة في الظلام.

كنت أتمنى أن أقول ذلك لولا خوفي أن أزرع اليأس، ولولا خوفي على "ياسمين تونس" أن يبكي دما!

​​​ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.