لبنانيات يتظاهرن ضد الحكومة والفساد في العام 2016
لبنانيات يتظاهرن ضد الحكومة والفساد في العام 2016

بقلم حازم الأمين/

ليست اللغة المبتذلة والوضيعة التي ساقها عضو الوفد الرئاسي اللبناني إلى الأمم المتحدة الصحافي جوزيف أبو فاضل في رده على تغريدة لعضو البرلمان اللبناني النائبة بولا يعقوبيان خروجا كبيرا عن بذاءة راحت تسود الخطاب العام في لبنان منذ سنوات. وإذا أراد المرء أن يؤرخ لهذه البذاءة أو أن يجد لها سياقا نفسيا جماعيا فيمكن له أن يربطها بأفول راحت تشعر به طبقة سياسية لم تجد لغة تحاول عبرها صد هذا الأفول إلا البذاءة بصفتها سلاحا رادعا. والمرأة طبعا هدف نموذجي على هذا المستوى.

لكن ليست البذاءة وحدها من علامات أفول الزمن اللبناني، فانخفاض مستوى الذكاء في اللغة العامة اللبنانية، لاسيما تلك التي يخاطب عبرها السياسيون "شعوبهم"، هي سمة رئيسة تميز هذا الزمن، والعونيون بصفتهم من علامات هذا الزمن وهذا الأفول، يعودون ويتصدرون على هذا الصعيد. يقول وزير منهم في مدح سيده جبران باسيل: "هذا جبراننا فآتونا بمثله"، ويقول زميله النائب زياد أسود ردا على نتانياهو: "على إسرائيل أن تلعب foot لأنها على لبنان لن تـ foot!"؛ وطبعا صفق جمهور المقاومة من الطائفة الشيعية لهذا المسيحي الذي دحض ادعاءات نتانياهو، لكنه أشاح بوجهه حين ارتسمت ابتسامة خبيثة خلفتها عبارات النائب جديد النعمة على خيار الممانعة والمقاومة.

العونيون اليوم وبفعل حزب الله يحكمون لبنان، وهم إذ يفعلون ذلك يتولون تأمين نظام حكم أقلوي لا يؤمنه للحزب أقرب حلفائه الآخرين إليه

​​لن تخلف هذه البذاءة وهذه الركاكة ذهولا، ولن يخسر أصحابها رأيا عاما قد لا تعجبه البذاءة، ذاك أنه سيتولى تصريفها في وجدانه الآفل. لا شيء في لبنان يمكن أن يخلف ذهولا. لا ينكر أي من السياسيين انغماسه في كل أنواع المفاسد. الوزراء العونيون يفصلون موظفين دروزا من مناصبهم ردا على فصل وزير درزي موظفا مسيحيا. زعيم الدروز وليد جنبلاط يهدد الدولة إذا ما أقدمت على محاسبة ضابط فاسد لأن الأخير "محسوب عليه"، وفي هذا الوقت تسقط على رؤوس اللبنانيين فضيحة الفنان زياد عيتاني الذي اتهم زورا وعدوانا بعلاقته بالموساد. ولم يفض انكشاف الفضيحة إلى محاسبة الجهاز الأمني الذي حاك المؤامرة، فيومها ظهر جوزيف أبو فاضل نفسه، وقال على التلفزيون إن رئيس جهاز الأمن هذا مسيحي وممنوع محاسبته!

اقرأ للكاتب أيضا: علينا أن نخاف على البصرة

لكن من يتتبع هذه الوقائع من بعيد قد يتسلل إليه وهم بأن أبطالها أقوياء إلى حد يمكنهم من فرضها، وهذا ليس صحيحا على الإطلاق. اللغة السائدة هذه هي لغة ضعفاء لبنان، أما أقوياؤه فلا يشعرون بالحاجة إلى هذه البذاءة لتصريف قوتهم. حزب الله شديد التهذيب في خطابه اللبناني. شديد العنف والمراوغة والتعالي، إلا أنه لا يشعر بالحاجة إلى هذه البذاءة، ناهيك عن بعد أيديولوجي يمنعه من السقوط في هذا الإغراء.

لكن الحزب لا يضيره حليف بذيء، والأخير بدوره يشعر أن تحالفه مع الحزب القوي يحصنه من المحاسبة. وهذه لعبة يتبادلها الحزب والتيار منذ زمن طويل. والأمر لا يتعلق بشعور الحزب بالامتنان لما قدمه له التيار العوني من خدمات كبرى، إنما يتعداه لحقيقة أكثر خبثا؛ فالعونيون اليوم وبفعل حزب الله يحكمون لبنان، وهم إذ يفعلون ذلك يتولون تأمين نظام حكم أقلوي لا يؤمنه للحزب أقرب حلفائه الآخرين إليه، أي الرئيس نبيه بري وحركة أمل. هذا ما يفسر وقوف الحزب على الحياد في الخصومة بين ميشال عون ونبيه بري، وحياد الحزب أمد جبران بطاقة على تكرار الهجوم على بري.

ما يجري هو مشهد أوسع لانهيار أخلاقي لم تعد السياسة تعتبره شرطا لاشتغالها

​​للبذاءة أصل سوسيولوجي في لبنان، وهذا ليس على سبيل ذم التجربة الاجتماعية اللبنانية، بل على سبيل ملاحظة أن انتقالها من حيزها الضمني وغير المجاهر به إلى الحيز العام، واشتراكها مع ذكورية بشعة في خطاب "سياسي" لا يخلو من شرعية تمثيلية، هو خطوة يجب التوقف عندها. فما يجري هو مشهد أوسع لانهيار أخلاقي لم تعد السياسة تعتبره شرطا لاشتغالها. هو صورة عن فساد صار جوهريا، ولم يعد خروجا عن صورة اللبنانيين عن أنفسهم. ينطوي هذا الكلام على هجاء، إلا أنه ينطوي على حقيقة لا يمكن إنكارها. فجوزيف أبو فاضل يمكنه أن يترشح في الانتخابات المقبلة وأن يفوز. لا بل يمكن أن يكون ما قاله جزءا من برنامجه الانتخابي. وهذه الحقيقة هي امتداد لإداء أمراء الجماعات الأهلية في علاقتهم بالدولة وبالمال العام.

اقرأ للكاتب أيضا: الممانعة شفافة وخصومها مرتبكون

عندما تكف الأخلاق عن أن تكون شرطا شكليا في الأداء العام، يمكن للسياسي أن يفصل موظفي الطوائف الأخرى من وزارته، ويمكن لوزير الخارجية أن يقول عبارته الشهيرة في الأمم المتحدة: "وين هيي كارولين" راسما بيده ما يُفترض أنه يمثل إهانة لكل امرأة عادت وأقدمت على انتخابه على رغم فعلته. في زمن كهذا لا يبدو أن جوزيف أبو فاضل خروجا كبيرا عما تقبل به الشعوب اللبنانية.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!