مؤتمر الكرامة الإنسانية
مؤتمر الكرامة الإنسانية

بقلم مالك العثامنة/

كنت في تونس للمشاركة في مؤتمر "الكرامة الإنسانية" الذي عقد هناك برعاية من شبكة الشرق الأوسط للإرسال والمعهد الأميركي للسلام. من مفارقات الوصول أني كنت أستمع في الساعة الأولى لوصولي في السيارة التي تقلني من المطار إلى الفندق إلى إذاعة تونسية تبث فقرة رياضية وحوارا عن وصول نادي كرة قدم عراقي ليلعب مقابل فريق تونسي.

كان الحوار عن ضرورة استقبال "الأشقاء" العراقيين بحفاوة تجنبا لما حدث في الجزائر قبل فترة حين بدأ الجمهور الجزائري بالهتاف للديكتاتور العراقي الراحل صدام حسين، مما أغضب الفريق العراقي حينها.

الكرامة "إنسانية" وهي تولد معك ومقياس معيشتها هو الفرد الذي يميتها أو يحييها في مسيرة حياته

​​كان الحوار التونسي عن "الأخوة" بين الشعبين التونسي والعراقي، ولكن مع ذلك كان المذيع التونسي يتحدث عن "البطل!" صدام حسين ومن قوله إن الرئيس العراقي الراحل أعاد للأمة العربية "كرامتها"!

استضاف الحوار مسؤولا في النادي العراقي الضيف، والحديث كان إنشاء عاطفيا عن علاقات الأشقاء، وحين انتهى الحوار مع الضيف العراقي، عاد المذيع التونسي للحديث عن "الكرامة" والمجد في ذكرى صدام حسين!

ببساطة، كنت أستمع لحديث "الكرامة" على الإذاعة التونسية هذا وأنا أقلب بين يدي أوراق مؤتمر "الكرامة الإنسانية" وجدول أعماله.. وأبتسم لحجم المفارقة في فهم المدلولات.

اقرأ للكاتب أيضا: 'مع مين؟'.. جسامة السؤال الملكي وتهافت الأجوبة

كنت أمام مذيع في تونس ما بعد الثورة التي قامت في وجه الاستبداد، ليتحدث عن "مستبد" آخر بعبارات التبجيل، مؤكدا أنه أعاد "الكرامة" للعرب، وهذا كله وأنا في طريقي لحضور مؤتمر فيه نخب عربية متعددة، إن على مستوى التوجهات أو الجنسيات، تجتمع للحديث عن الكرامة الإنسانية بمفهومها المنهجي الإنساني ضمن أطر المواثيق والحقوق الدولية والفلسفات والأديان عبر التاريخ؛ وعلى خلفية المشهد، وطوال أيام وجودي في تونس، كان التونسيون يتلمسون طريقهم ما بعد الثورة.. بحثا عن كرامة المواطنة التي ثاروا من أجلها.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

الكرامة: الأصل اللغوي لكلمة "كرامة" في اللغات الأوروبية تعود إلى أصل لاتیني (Dignitas) ومعناها القدر والاحترام. وبذلك لا تبعد كثيرا عن الاصطلاح العربي المرادف لها: الكرامة.

هذا ما كتبه الباحث اللبناني الكبير وائل خير في معرض تفكيكه للمفاهيم، التي شكلت قاعدة انطلق منها المؤتمرون طوال يوم كامل في تونس. وأكد خير على أن "إضفاء صفة 'الكرامة' ینحصر في الإنسان ولا تنسحب على سائر الموجودات". وأخيرا فهي ـ أي الكرامة ـ ".. أصيلة: فالكرامة من أصل الإنسان ولیست مضافة إلیه لسبب خارجي عنه بل تنبثق من كنهه، من أنتولوجیته، من إنسانيته. مفاعيل هذا الوصف بالغة الأهمية. بما أن الكرامة هي في أصل الإنسان، فلا یمكن بأي حال من الأحوال وعلى ید أي سلطة، أن تسقط ما هو لیس منها أو لها".

لا أحد بالمطلق يجلب الكرامة العربية للإنسان العربي إلا هذا الإنسان نفسه

​​هذا غيض من فيض المفاهيم التي ننثرها في إنشائياتنا في العالم العربي دون التمحص والتمعن والتفكر ولو قليلا بمعانيها الحقيقية.

ولك أن تقيس عزيزي القارئ، كإنسان مكتمل الإنسانية، هذا المفهوم على واقعك اليومي كمواطن في دولتك؛ قم بالقياس على الدستور والقوانين، ثم ضع الكرامة بمفهومها الإنساني الواضح مسطرة قياس بجانب تفاصيل حياتك اليومية والعامة، ولك أن تعرف بعدها طول قامتك قياسا لطول الكرامة الإنسانية كما يجب أن تكون.

♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦♦

من هنا كانت دهشتي تزداد من واقعنا العربي المتماثل من المحيط "إياه" إلى الخليج "ما غيره" في بنية ذلك العقل العربي المتشظي في حالة انفصام متعدد.

فأي ثورات تلك التي تقوم ضد "الاستبداد" ثم تضع نفسها على مفترق طرق ترسمه هي بالطباشير بين استبداد ديني أو استبداد عسكري أو أي شكل من أشكال الاستبداد واستئثار السلطة، ثم يكون الحديث عن الكرامة؟

اقرأ للكاتب أيضا: معالم طريق سيد قطب، خارطة طريق الدوحة

الكرامة لا تتجزأ؛ هي ليست مفهوما إنشائيا يتم توظيفه بالخطابات والديباجات التكريمية والتبجيلية، ولا مصدرها السلطة أو الحاكم؛ الكرامة "إنسانية" وهي تولد معك ومقياس معيشتها هو الفرد الذي يميتها أو يحييها في مسيرة حياته.

من هنا، وعودا على بدء:

أرد على المذيع التونسي في تلك الإذاعة والذي لا أعرف اسمه لأقول له إن أحدا بالمطلق لا يجلب الكرامة العربية للإنسان العربي إلا هذا الإنسان نفسه، والكرامة لا يمكن جلبها أو سحبها أو استيرادها كما تصديرها، ولا هي صفة تبجيل يستحقها أي شخص، بل هي حالة يعيشها الفرد نفسه ويتم تفعيلها فقط في حواضن سياسية واجتماعية تؤمن بها كفكرة أصيلة تولد مع الإنسان نفسه. وأول ما يقتل الكرامة هو الإقصاء.. أي إقصاء لأي آخر من طرف أي آخر.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!