استلمت إسرائيل مؤخرا طائرات "الشبح" المقاتلة من الولايات المتحدة من نوع "أف ـ 35"
استلمت إسرائيل مؤخرا طائرات "الشبح" المقاتلة من الولايات المتحدة من نوع "أف ـ 35"

بقلم أساف أوريون/

في 17 أيلول/سبتمبر، أسقطت قوات الدفاع الجوي السورية طائرة استطلاع روسية من طراز "إليوشن 20" في أعقاب الضربة الأخيرة التي نفذها "سلاح الجو الإسرائيلي" ضد مواقع إنتاج الصواريخ الإيرانية الدقيقة في اللاذقية، مما أسفر عن حدوث أزمة في العلاقات بين روسيا وإسرائيل.

ما حدث ببساطة هو أن القوات السورية بدأت بإطلاق النار بعد فترة من وقوع الهجوم الإسرائيلي، بإطلاقها عشرات الصواريخ في اتجاهات مختلفة وعلى مسافات مختلفة ـ ليصيب أحدها الطائرة الروسية ويؤدي إلى مقتل جميع أفراد طاقمها الخمسة عشر.

في الواقع، إن هذا النوع من الرد السوري ليس استثنائيا، والدليل هو ما حدث في أعقاب القصف الصاروخي الذي قادته الولايات المتحدة ضد أهداف سورية بعد الهجوم بالأسلحة الكيميائية الذي شنه النظام السوري في نيسان/أبريل.

وفي حملة الترويج الدعائية التي أعقبت الحادثة، سعت موسكو إلى إبعاد اللوم عن الجيشين السوري والروسي. ومع عدم ذكر سورية، ألقت وزارة الدفاع الروسية اللوم بالكامل على إسرائيل متجنبة حتى ذكر سورية. لكن الأكثر دلالة في هذا الشأن هو الدقائق الأربع والعشرون التي مرت ـ وفقا للجدول الزمني المزعوم لروسيا نفسها ـ بين الإخطار الذي وجهته إسرائيل لروسيا لتنبيهها بالضربة الوشيكة على اللاذقية (في الساعة 21:39) ووابل الصواريخ المضادة للطائرات الذي أطلقته سورية ردا عليها (في الساعة 22:03). وبالنظر إلى إمكانيات التقاط الصور الجوية، والسيطرة الجوية، والاتصالات، والاستشارات، والإشراف التي تتحلى بنسبة معقولة من الأداء الفعال، فإن هذا يعني أن الوقت كان كافيا لتغيير مسار الطائرة الروسية بعيدا عن منطقة الخطر.

إذا نظرنا إلى حزمة الأسلحة الروسية إلى سورية في سياق تاريخي أوسع، نجد أنها تسير على خطى الاتحاد السوفييتي في منتصف الثمانينيات

​وفي 24 أيلول/سبتمبر، أي بعد مرور أسبوع على الحادثة، تعهدت روسيا بتزويد سورية بصواريخ أرض ـ جو متطورة (على الأرجح من طراز "إس ـ 300 بي. إم. يو"، أو "فافوريت"، المعروف في حلف "الناتو" بتسمية "Gargoyle B"))، وقدرات حربية إلكترونية (من المرجح أنها "Krasukha-4") في غضون أسبوعين، ونُظم للتحكم والسيطرة والاتصالات والحوسبة (معروفة بمنظومات C4). وأثار هذا الإعلان موجة من التكهنات الإعلامية حول العمليات الإسرائيلية المستقبلية في سورية. أما على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فيبدو أن بوادر الانقسام بدأت تتبلور بين مؤيدي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذين يؤكدون أن الوضع تحت السيطرة، وبين معارضيه الذين يردون بأن "اللعبة قد انتهت" وسيتعين على إسرائيل وقف جميع العمليات الجوية في سورية. وفي هذا الحالة هناك عدة جوانب تستحق نظرة أكثر تفحصا.

سلوك روسيا

هناك قليلون يشكون بأن الحادثة التي أودت بحياة خمسة عشر جنديا روسيا من نيران دولة حليفة، وما كشفه ذلك عن الإخفاقات العسكرية الروسية، يمكن أن يكون لها وقعا سلبيا على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمؤسسة الدفاعية لبلاده. بيد، يملك بوتين خبرة واسعة في محاولة قلب مثل هذه المواقف لصالحه. والمبدأ الذي يسترشد به عند الرد يتضمن على ما يبدو تعظيم إمكانية استغلال الأزمة مع محاولة جعل جميع الأطراف المعنية، بما فيها جهات محلية، مدينة له.

وانطلاقا من هذه الحسابات، تصبح إسرائيل مدينة لبوتين بسبب مسؤوليتها المزعومة، ولحمايتها من غضب الجنرالات الروس، ولسماحها بإشعال الأزمة. ومن ناحية نظام الأسد في سورية فسيكون مدينا له بسبب مسؤوليته الفعلية [عن وقوع الحادث] ومقابل الأسلحة الجديدة التي قدمت له. وإيران مدينة له على جهوده في ضبط إسرائيل، وربما ستدفع تكاليف ذلك (مليار دولار؟). أما وزارة الدفاع الروسية فهي مدينة له على تغطية إخفاقاتها.

وإذا نظرنا إلى حزمة الأسلحة الروسية إلى سورية في سياق تاريخي أوسع، نجد أنها تسير على خطى الاتحاد السوفييتي في منتصف الثمانينيات. ففي ذلك الوقت، وبعد أن دمرت إسرائيل عشرات الطائرات السورية والعديد من بطاريات الدفاع الجوي في لبنان وأجوائه، زودت موسكو دمشق ببطاريات من نوع "أس ـ 200" ـ تسببت إحداها بإسقاط طائرة "إليوشين ـ 20" ـ وبنظم التحكم والسيطرة والاتصالات التي تعود لتلك الفترة. وحاليا، فبالإضافة إلى مبيعات الأسلحة المربحة نفسها، فإن تفعيل هذه الأنظمة سيضمن الاعتماد السوري على روسيا على مدى العقود القادمة.

وفي الواقع، أتاحت الأزمة لروسيا بالمضي قدما في مبيعات الأسلحة التي كانت متوقفة لسنوات، ربما بسبب الطلبات الإسرائيلية أو حتى الأميركية. ولكن بعد أن أفادت التقارير في الأسبوع الماضي عن عدة رحلات شحن جوية لطائرات "أنتونوف ـ 124" كانت متجهة إلى سورية، أبلغ وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو الرئيس بوتين في 2 تشرين الأول/أكتوبر أن عملية تسليم الأنظمة قد اكتملت في اليوم السابق، وتضمنت أربع قاذفات و49 مكونا بالإجمال. وأضاف أن الطواقم السورية ستتدرب على تشغيل النظام في غضون ثلاثة أشهر. إن هذا الإمداد الفوري والنشر التدريجي (الذي ستتم مناقشتهما أدناه) قد فتحا الأبواب الروسية أمام طلبات متجددة من إسرائيل والولايات المتحدة، وهذا أمر تستطيع موسكو استغلاله لتعزيز نفوذها.

سلوك إسرائيل

بالنسبة لإسرائيل، كان تعاملها مع روسيا أثناء الأزمة رصينا ومنظما بشكل ملاحظ، على الرغم من أنه عكس إدراكا تاما للتداعيات المحتملة. فقد تم تكليف مسؤولين في "الجيش الإسرائيلي" بالقيام بتقصي الحقائق والتواصل مع القيادة العسكرية الروسية العليا. وحين عرض هؤلاء المسؤولون الإسرائيليون استنتاجاتهم لزملائهم الروس، سلطوا الضوء على السياق الاستراتيجي المخل بالاستقرار والمتمثل بالاستحكام الإيراني المهدد في سورية، في الوقت الذي شرحوا فيه بالتفصيل الصورة الكاملة المتعلقة بالقنوات الجوية، والصاروخية، والتنسيقية خلال تلك الحادثة على وجه التحديد. وفي تناقض صارخ مع التهديد والوعيد الروسي، حاول "الجيش الإسرائيلي" ألا يسترعي إليه الانتباه، وفقا لتوجيهات واضحة على ما يبدو لمساعدة الكرملين على حفظ ماء الوجه وعدم تفاقم الأزمة. وقد أعرب رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بوقار، ولكن باستمرار، عن أسفهما للخسارة في الأرواح الروسية وقدما تعازيهما على ذلك، في حين ألقيا بهدوء اللوم على سورية والتزما بمواصلة تقويض المساعي الإيرانية في سورية والتنسيق مع روسيا حيثما أمكن.

من الضروري استمرار الحوار بين كبار القادة الإسرائيليين والروس كوسيلة للخروج من الأزمة

​​كما أوضح ليبرمان أن "إسرائيل لا تدير علاقاتها مع روسيا عبر وسائل الإعلام"، وبالفعل، عقد رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيليين محادثات انفرادية مع نظيريْهما الروسييْن. ويساهم هذا الأسلوب، الذي يبدو منسقا مع بوتين، في الحد من التوترات على مستوى الضباط المهنيين مع إتاحة المجال أمام المسؤولين للتصرف بطريقة منسقة وإن كانت غير مريحة.

وفي 26 أيلول/سبتمبر، وعلى هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ادعى نتنياهو أن جميع طلباته التي قدمها إلى الرئيس ترامب بهذا الشأن قد مُنحت، على الرغم من أنه لم يذكر خطوات محددة. وبدوره قال ترامب إنه يقف وراء إسرائيل مئة في المئة.

مستقبل المجال الجوي السوري

كما هو معهود في مثل هذه الحالات، انجرفت العديد من المصادر الإعلامية بالرسائل الروسية واستخلصت نتائج قاطعة حول مستقبل الحملة الجوية الإسرائيلية في سورية، فضلا عن نشاط الولايات المتحدة والتحالف في البلاد. وهذا صحيح على المستوى التقني التكتيكي، فنظام "سام أس ـ 300 "، مع صواريخه المتطورة البعيدة المدى وقدراته على الاشتباك مع أهداف متعددة، تزيد من الخطر على كافة القوات الجوية التي تعمل بالقرب من سورية وفوق أراضيها، بما فيها إسرائيل. ولكن القوات الجوية المتطورة، وبالتأكيد القوات الجوية الأميركية، قادرة على العمل في بيئة تنطوي على مثل هذا التهديد. ويستعد "سلاح الجو الإسرائيلي" بصوة فعالة لهذه التطورات منذ عقدين من الزمن ـ وقد استلم مؤخرا طائرات "الشبح" المقاتلة من الولايات المتحدة من نوع "أف ـ 35" المصممة للتعامل مع مثل هذه التهديدات المتقدمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود هذا النظام بين أيدي المشغلين السوريين غير الأكفاء، والمتهورين، سيثير على الأرجح قلق أطراف أخرى خارج إسرائيل. فكل من يتذكر إسقاط طائرة "الخطوط الجوية الماليزية" في الرحلة رقم 17 بصاروخ روسي من نوع "سام" عام 2014 سوف ينتابه شعور محبط.

​​إن الأمر الأكثر أهمية من الإمكانيات التقنية التكتيكية التي يتمتع بها هذا النظام هو الدور الروسي في تشغيله. فهذا هو العامل الرئيسي في تقييم التغير المحتمل في مستوى التهديد والتداعيات على حرية التحرك الإسرائيلية. واعتبارا من عام 2015، كانت روسيا قد نشرت بالفعل نظام الصواريخ "أس ـ 400" الأكثر تطورا في سورية، ولكنها امتنعت حتى الآن عن استخدامه ضد أهداف إسرائيلية أو أميركية أو أخرى تابعة للتحالف. وفي حال قيام أطقم روسية بإدارة النظام الجديد "أس ـ 300"، فمن المحتمل أن يتم تشغيله تحت رقابة موسكو وبموجب سياستها المسؤولة. ومع ذلك، عندما يصبح تحت السيطرة السورية، تصبح المخاوف أكثر جدية، وقد يؤدي الاشتباك مع أهداف تابعة لـ"الجيش الإسرائيلي" أو "سلاح الجو الأميركي" إلى زيادة خطر حدوث هجوم مضاد. ويمكن أيضا توقع تعرض الطائرات الروسية إلى المزيد من "النيران الصديقة". وقد يكون الوضع الأكثر تعقيدا وجود فريق مختلط من الطواقم أو الخبراء أو المستشارين أو المشرفين الروس والسوريين. ومن المرجح أن تسعى روسيا وإسرائيل والولايات المتحدة إلى تفادي مثل هذا الموقف الخطير، والذي قد تجد فيه موسكو نفسها مسؤولة عن إطلاق النار السورية ضد الطائرات الأميركية، بكل ما لذلك من عواقب واضحة. وربما كان وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يفكر في هذه السيناريوهات عندما وصف تسليم هذه النظام لسورية بأنه "تصعيد خطير".

وفيما يتعدى إطار العملية المباشرة على ما يبدو حول توفير الأسلحة الروسية لسورية، سيكمن الخطر الاستراتيجي في التفاصيل ـ ما هي الأسلحة المحددة التي سيتم تسليمها، وإلى مَن، ومتى، وأين. وكما سبق ذكره، ستدور التساؤلات الأخرى حول تقسيم العمل بين روسيا وسورية عندما يتعلق الأمر بالسلطة المسؤولة والتشغيل، بالإضافة إلى سياسة إطلاق النار المتبعة من قبل كل من يمسك بزمام الأمور. فصواريخ "أس ـ 200" التي مُنحت للسوريين منذ عقود، على سبيل المثال، كانت تُشغل في البداية من قبل فرق روسية، ولم يستلم الطاقم السوري زمام التشغيل إلا بعد ذلك بسنوات. ووفقا للشكليات الخاصة بالإمدادات الفعلية والأساليب والسلطة التنفيذية التي تعود لها قرارات إطلاق النار، تستطيع روسيا التوافق مع جميع الجهات الفاعلة مع الحفاظ على سيطرتها الضرورية. وقد يشمل ذلك دعما واضحا لسورية، وتجنب الإخفاقات المهينة أو وقوع المزيد من الإصابات في صفوف الروس، ومعالجة بعض مخاوف إسرائيل، وكبح زخم التنامي الإيراني، والحفاظ على نفوذ روسيا ومكانتها المهمة عن طريق التدرج والتقدم على مراحل.

مع استمرار الضغط الإيراني، قد لا يكون العد التنازلي للضربة المقبلة في سورية طويلا

​​ومن الضروري استمرار الحوار بين كبار القادة الإسرائيليين والروس كوسيلة للخروج من الأزمة. وفي إطار هذه الدينامية، من المتوقع على الأرجح أن تستمر إسرائيل في ابتعادها الحالي عن الأضواء على المدى القريب، وبالتأكيد فيما يخص التصريحات العلنية. ويقينا، أن كلا من إيران وتنظيمها الوكيل "حزب الله" يتوقان إلى استغلال هذا التصعيد الأخير، الأمر الذي قد يضع جميع الأطراف قيد الاختبار في القريب العاجل.

ولكن السؤال الأهم الذي لا يزال مطروحا هو ما إذا كانت الحادثة قد أدت حقا إلى إعادة ترتيب الموقف الروسي حيال الترسيخ العسكري الإيراني في سورية؟ هناك أسباب للشك في ذلك؛ ويمكن للمرء أن يفترض إلى حد ما، أن إيران لا تزال تقوّض أهداف روسيا من ناحية التنافس على النفوذ في سورية ومن خلال زيادة خطر نشوب صراع إسرائيلي ـ إيراني واسع النطاق، مما يعرض إنجازات روسيا هناك للخطر. ونتيجة لذلك، قد تواصل روسيا القبول بترك المجال مفتوحا أمام إسرائيل للقيام بعملياتها في سورية على المدى المتوسط ​​والبعيد.

وفي "الفاصل" ما بين التهديدات التقنية التكتيكية والاستراتيجية، يدرك صناع القرار الإسرائيليون جيدا المخاطر والتعقيدات المتزايدة للعمليات المستقبلية التي يوافقون عليها، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على حجم الأنشطة العامة ومجملاتها. ولكن كلما زاد التهديد الذي تراه إسرائيل في شحنات الأسلحة الإيرانية، كلما ارتفع مستوى استعداد قياداتها للموافقة على تحركات أكثر خطورة، بما فيها المخاطر التكتيكية الناشئة عن نظام "أس ـ 300" والصعوبات الاستراتيجية مع روسيا. فضلا عن ذلك، إذا شكلت تلك البطاريات تهديدا وشيكا ومباشرا على الطائرات الإسرائيلية، فلن يبقى أمام "سلاح الجو الإسرائيلي" خيار في النهاية سوى تدميرها. وحيث تدرك روسيا هذه الحقيقة، فقد تحتفظ بالسلطة على قرارات إطلاق النار وتبقي الأنظمة "السورية" تحت سيطرتها، بسعيها منع الحوادث التي قد يكون لها تداعيات استراتيجية ومحلية وانعكاسات على السمعة. ومع استمرار الضغط الإيراني، قد لا يكون العد التنازلي للضربة المقبلة في سورية طويلا.

أساف أوريون، عميد إسرائيلي متقاعد واستراتيجي للشؤون الدفاعية، وزميل عسكري زائر في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟