باسيل خلال جولة السفراء العاملين في لبنان في محاولة لدحض اتهامات نتنياهو بخصوص مصانع "حزب الله"
باسيل خلال جولة السفراء العاملين في لبنان في محاولة لدحض اتهامات نتنياهو بخصوص مصانع "حزب الله"

بقلم فارس خشّان/

نشر مواطن من الضاحية الجنوبية لبيروت على وسائل التواصل الاجتماعي شريطا مصورا لعمليات تنظيف الطريق المتسخ الذي يوصل إلى ملعب "العهد" لكرة القدم، قبيل انتقال وزير الخارجية جبران باسيل برفقة السفراء العاملين في لبنان، في محاولة تهدف إلى دحض مزاعم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بخصوص وجود أحد مصانع "حزب الله" لـ"الصواريخ الدقيقة".

وإذا كان هذا الفيديو يرمي إلى التعبير عن الغضب من السلطة التي تركت السكان فريسة للأوساخ حتى هذا اليوم الاستعراضي، إلا أنه في الوقت نفسه يسمح للمراقبين أن يعثروا على الصورة التي يمكنها أن تلخص الدور الوحيد المنوط بالحكومة في كل ما يتصل بأعمال "حزب الله": التنظيف.

الطامة الكبرى أن مشاكل "حزب الله" تنمو باضطراد وبدأت تصل إلى الدولة الأكثر حرصا على لبنان، أي فرنسا

​​في واقع الحال، فإن لبنان الرسمي في "الحرب الناعمة" المندلعة معركة جديدة من معاركها بين إسرائيل من جهة و"حزب الله"، بصفته أهم ذراع إيرانية في المنطقة، من جهة أخرى، لا يملك سوى السعي إلى تجنيب مرافئ لبنان العامة، يتقدمها مطار رفيق الحريري الدولي، من أن تكون على لائحة أهداف أي حرب محتملة في لحظة لا يتحكم هو بها لا من قريب ولا من بعيد.

ولبنان الرسمي في هذه المرحلة، هو ضحية مغلوب على أمرها في منازلة "جودو" جديدة بين إسرائيل و"حزب الله"، ذلك أن الأمين العام للحزب حسن نصرالله، وفي سياق محاولة سحب الذريعة التي يقدمها نتنياهو للغارات التي يشنها على مواقع إيرانية في سورية، أعلن أن حزبه بات يملك الصواريخ الدقيقة التي تخشى إسرائيل أن يمتلكها، فما كان من نتنياهو إلا أن استفاد من هذا الإعلان، ليوجه ضربة قاسية إلى لبنان، بنشر مزاعم عن المواقع الحساسة التي تنتشر فيها مصانع هذه الصواريخ.

اقرأ للكاتب أيضا: 'أكاديمية' عون و'ابتدائية' لبنان

ومن شأن ضربة نتنياهو المستفيدة من إعلان نصرالله أن تساهم، وبقوة، في دفع الاقتصاد اللبناني المترنح أصلا خطوة جديدة نحو الهاوية، ذلك أن إدراج المرافئ العامة على لائحة أهداف أي حرب محتملة من شأنه أن يرفع من مخاوف المستثمرين وأن يكبح حماسة أي دولة تعمل على مساعدة الحكومة اللبنانية وأن يشل المفاعيل الموعودة ـ والمشروطةـ لمؤتمر "سيدر" الذي كان قد انعقد في باريس قبل أشهر.

ويأتي هذا التطور، في وقت يتحضر لبنان لمواجهة موجة جديدة من العقوبات الأميركية الهادفة التي خنق "حزب الله" ماليا وعزله مجتمعيا، إذ ينتظر أن يبت مجلس الشيوخ بالقانون الذي سبق وأقره مجلس النواب.

وتشخص عيون المراقبين إلى طبيعة الحكومة الجديدة المتعثرة التأليف، وموقع "حزب الله" فيها، ومعرفة ما إذا كان ضعف لبنان الرسمي سوف يسمح بإسقاطه، شرعيا وبشكل كامل، في قبضة الحزب، بعد انتخابات نيابية أظهرت على الرغم من بعض محاولات النفي أن "حزب الله" بات مسيطرا على البرلمان اللبناني.

وفي حال حصل هذا الدمج مع "حزب الله"، فإن لبنان الرسمي سوف يفقد القدرة على القيام بآخر وظائفه في كل ما يتصل بـ"حزب الله"، أي التنظيف، مما يرفع نسبة المخاطر إلى أقصاها على جميع المستويات.

من شأن ضربة نتنياهو المستفيدة من إعلان نصرالله أن تساهم، وبقوة، في دفع الاقتصاد اللبناني المترنح أصلا خطوة جديدة نحو الهاوية

​​والطامة الكبرى أن مشاكل "حزب الله" تنمو باضطراد وبدأت تصل إلى الدولة الأكثر حرصا على لبنان، أي فرنسا.

وأظهرت باريس، في الآونة الأخيرة، أن عينها محمرة من الأدوار التي يلعبها "حزب الله"، ويؤشر الى ذلك إقفال "مركز الزهراء" في شمال فرنسا ـ وهو مناصر لـ"حزب الله" ـ بالتزامن مع الجزم بمسؤولية وزارة الاستخبارات الإيرانية عن عملية إرهابية كانت تستهدف مؤتمرا للمعارضة الإيرانية انعقد في حزيران/يوينو، في العاصمة الفرنسية.

اقرأ للكاتب أيضا: انتصار.. بشار!

حتى الساعة، تتعاطى باريس مع "حزب الله" على اعتبار أنه إيراني التوجه، وهي تتشدد في التعاطي معه لممارسة ضغوط على طهران للإقلاع عن توجهاتها العدائية في أوروبا، ولكن المشكلة سوف تنعكس على لبنان في حال سمحت قواه السياسية بتحويل المؤسسات الدستورية والرسمية إلى "الجناح السياسي" لحزب موسوم جناحه العسكري ـ أوروبيا ـ بالإرهاب.

تأسيسا على كل ذلك، فإن منازلة "الجودو" بين إسرائيل و"حزب الله" ليست مباراة على كأس تستدعي اصطفاف المشاهدين والمراهنين، بل هي كارثة محدقة ببلد ينزلق بسرعة إلى أن يكون ضحية إطفاء بعض الحرائق الإقليمية التي تزعم طبقته السياسية أنها تعمل على عزله عنها.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!