شعارات تدعو للعدالة خلال تظاهرة للعرب والإسرائيليين في تل أبيب ضد قانون "الدولة القومية"
شعارات تدعو للعدالة خلال تظاهرة للعرب والإسرائيليين في تل أبيب ضد قانون "الدولة القومية"

بقلم داود كتّاب/

جرى يوم الاثنين (في الأول من تشرين الأول/أكتوبر) أمر فريد من نوعه؛ لأول مرة منذ عقود يقوم الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس وغزة وإسرائيل بإضراب عام شامل احتجاجا على أمر سياسي.

في الماضي، انتفض الفلسطينيون عام 2000 بسبب الأقصى، وردا على مقتل عدد من فلسطينيي الداخل في يوم الأرض؛ لكن الاحتجاج هذه المرة يأتي إثر قرار تمثل بقيام الكنيست الإسرائيلي بسن قانون عام تحت مسمى يهودية الدولة. ويعتبر القانون العام أقرب للدستور أي أنه يعتبر مرجعا للقوانين العادية. الأمر الآخر المهم هو أن الدعوى لإضراب عام جاءت من اللجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل وليس كما كان سابقا من القيادة الفلسطينية الموجودة في الأراضي الفلسطينية.

يعتبر القادة الفلسطينيون في إسرائيل أكثر تمثيلا لشعبهم من القادة الفلسطينيين التاريخيين

​​يركز القادة الفلسطينيون من حاملي الجنسية الإسرائيلية على موضوع المساواة. وقد تم تخصيص محطة تلفزيونية كاملة بدعم من هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطيني باسم "مساواة" لدعم أهم مطالب عرب إسرائيل. وإذ أصبحت المساواة أهم من التحرر في القاموس الفلسطيني اليوم، فلا بد من ترجمة هذا الأمر من خلال تغيير في الأهداف والوسائل لتحقيق هذا الهدف.

اقرأ للكاتب أيضا: هل سنرى حملة ضد التحرش والاعتداء الجنسي في العالم العربي؟

مما لا شك فيه أن الصراع الداخلي الفلسطيني بين حركتي "فتح" و"حماس" وتعثر مفاوضات السلام واللامبالاة المتنامية لدى غالبية سكان الضفة الغربية وقطاع غزة تجاه الفصائل الفلسطينية لعب دورا في بلورة ما حدث. فالنقمة على قيادتي "فتح"، و"حماس" ووصول شعبية الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الحضيض، ساهمت في هذا الأمر. ولا شك أن التغيير الفكري لدى الشباب الفلسطيني باتجاه حل الدولة الواحدة الذي نتج بعد اليأس من إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ساهم أيضا في هذا التوجه.

يعتبر القادة الفلسطينيون في إسرائيل أكثر تمثيلا لشعبهم من القادة الفلسطينيين التاريخيين الذين حملوا السلاح لفترة ثم قادوا المفاوضات لفترة أخرى. ورغم نجاح القادة التاريخيين مثل ياسر عرفات وتنظيم "فتح" في المرحلة الأولى بعد التوقيع على اتفاق أوسلو والتقدم الشعبي لـ"حماس" في الفترة الثانية، إلا أن دعم الشعب الفلسطيني لقادة الطرفين لم يتجدد منذ حوالي عقد من الزمن، في حين أن قادة الجماهير العربية في إسرائيل يتم إعادة انتخابهم أو تغييرهم كل أربع سنوات من خلال انتخابات بلدية وعامة للكنيست.

يركز القادة الفلسطينيون من حاملي الجنسية الإسرائيلية على موضوع المساواة

​​إن فكرة نقل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي إلى داخل إسرائيل ليست أمرا سهلا، ولن تأتي بثمار سريعة، لكنها قد تكون مؤشرا هاما لتحول الهدف الفلسطيني باتجاه المساواة في دولة واحدة بدلا من هدف التحرر وإقامة دولة فلسطينية بجانب دولة إسرائيل.

طبعا هناك شك بقبول قادة الجماهير العربية في إسرائيل فكرة قيادة الشعب الفلسطيني واستبدال دور منظمة التحرير الفلسطينية، رغم أن الأخيرة فاقدة لأي دور منذ عقود. ويبقى السؤال الأهم: ما هو دور الشتات الفلسطيني في هذه المعادلة؟ وكيف يمكن دمجهم في أي تغيير للأهداف والأدوات والقادة؟

اقرأ للكاتب أيضا: التواصل أساس نجاح القيادة السياسية

تعاني القضية الفلسطينية من شلل سياسي شبه تام وتحتاج إلى هزة كبيرة تحرك المياه الراكدة وتحفز القيادات الحالية على حل خلافاتها البسيطة مقابل التحديات الضخمة التي تواجه الشعب الفلسطيني. وفي غياب تحرك جدي وحقيقي لتوحيد الجهد الفلسطيني ووضع استراتيجية متكاملة قابلة للتنفيذ وإعطاء الشعب الحق في إقرار تلك الاستراتيجية واختيار قادة لذلك، يبقى البديل هو النظر إلى القادة الفلسطينيين في حيفا والناصرة والنقب لعل وعسى يأتي الخلاص من على يدهم.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!