ورود عند أسماء ضحايا هجمات 11 سبتمبر
ورود عند أسماء ضحايا هجمات 11 سبتمبر

بقلم منصور الحاج/

قبل أيام، اقترح السيد إيغال كارمون رئيس معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط "ميمري" في تسجيل مصور تم نشره على موقع "فيسبوك" على العرب والمسلمين والمهتمين بالأمن والسلام في العالم إنشاء متحف لتخليد ذكرى شهداء "الإرهاب الإسلامي" الذين سفكت دماؤهم بدم بارد على أيدي تنظيمات إرهابية كـ"القاعدة" وأفرعها المتعددة حول العالم وتنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ"داعش" والمليشيات الشيعية كـ"حزب الله" اللبناني وجماعة "أنصار الله" في اليمن.

وتكمن أهمية هذا المقترح في أنه يوثق الجرائم البشعة التي ارتكبتها تلك التنظيمات باسم الإسلام ووثقتها بالصوت والصورة في مئات الإصدارات المصورة لتكون دليل إدانة لهم من صنع أيديهم تماما كما فعل النازيون الذين تفننوا في توثيق إجراءاتهم العنصرية بحق اليهود وجرائمهم البشعة بدقة متناهية في المعامل والمستشفيات ومراكز الشرطة والمعسكرات.

من الضروري أن يكشف هذا المتحف زيف ادعاءات الجهاديين بأن الغرب يعاديهم ويستهدف عقيدتهم وثرواتهم

​​إن الهدف من توثيق جرائم الجماعات الإرهابية في متحف على غرار متحف الهولوكوست الذي يخلد ذكرى شهداء الجرائم النازية في العاصمة الأميركية واشنطن وغيره من مدن العالم في أميركا الجنوبية وأوروبا وأستراليا هو تحصين المجتمعات والأجيال القادمة وتشجيعها على الوقوف سدا منيعا للحيلولة دون تكرار هذه الجرائم من خلال تسليحها بالوعي بأهمية التعايش السلمي بين أفراد المجتمع بغض النظر عن اختلافاتهم الأيدولوجية والمذهبية والإثنية وانتماءاتهم الفكرية وميولهم الجنسية ومعتقداتهم السياسية.

اقرأ للكاتب أيضا: حوار مع صديقي الإسلاموي الحائر

إن من المهم أيضا أن يركز المتحف على مراجعة وتفنيد الأحاديث والكتب والفتاوى التي استقى منها أولئك المتشددون عقيدتهم وبرروا بها جرائمهم وإرهابهم وفضح المتواطئين والداعمين من أنظمة وحكومات ومؤسسات ساهمت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في انتشار تلك الجماعات والفكر الذي يستندون إليه ودعمت أئمة الضلالة بالمال والنفوذ لينشروا عقيدتهم حول العالم في مقابل إسباغ الشرعية على هذا النظام الحاكم أو ذاك أو لشراء صمتهم على تجاوزات هذه الأنظمة.

إن صور وأسماء ومقتنيات وأصوات الشهداء الذين أراق الإرهابيون دماءهم في المساجد والأسواق وعلى شواطئ البحار ذبحا وحرقا وإغراقا وتفجيرا يجب أن تخلد ولا سيما تضحيات أولئك الذين اختاروا العمل ضد الجماعات الإرهابية في داخل المدن التي يسيطر عليها الإرهابيون غير آبهين بالمصير الذي ينتظرهم حين يتم اكتشاف أمرهم.

لقد ضحى أولئك الأبطال، ويعود الفضل لهم في دحر الإرهابيين والقضاء على أبرز قادتهم من خلال المعلومات الاستخباراتية التي كانوا يرسلونها وتعرضوا بسبب ذلك لأقسى صنوف العذاب وأبشع أنواع القتل ولذا فإن أقل ما يمكن فعله من أجلهم هو تخليد ذكراهم والاعتراف بتضحياتهم.

أتمنى أن يبلور المهتمون فكرة متحف شهداء الإرهاب لتصبح واقعا في المستقبل القريب 

​​إن من الضروري أن يكشف هذا المتحف زيف ادعاءات الجهاديين بأن الغرب يعاديهم ويستهدف عقيدتهم وثرواتهم، فهم الذين يقتلون المسلمين الذين يختلفون مع توجهاتهم وأفكارهم وهم الذين يكفّرون المسلمين ويعادون اليهود والمسيحيين والشيعة والأقباط ويستحلون دمائهم، وهم الذين يفتون بجواز تنفيذ العمليات الانتحارية التي تستهدف الأبرياء في المساجد والأسواق والمطاعم ومحطات القطارات، وهم الذين يسرقون البنوك ويدمرون المباني بما فيها المعالم الأثرية التي لا تقدر بثمن، ويهددون الأمن والاستقرار وينشرون الفوضى؛ في الوقت الذي يفتح فيه الغرب حدوده أمام مئات الآلاف من اللاجئين والمطاردين والمطرودين والمغضوب عليهم في بلدانهم من ملحدين وعلمانيين ومثليين وشيعة ومسيحيين وصوفيين وأيزيديين وغيرهم من الشرائح التي يصر الإرهابيون على استهدافها واستعبادها والمتاجرة بها وإجبارها على اعتناق الإسلام أو دفع الجزية.

لست أعول كثيرا على الحكومات العربية والإسلامية لبناء هذا الصرح الهام، فقد لعبت هذه الحكومات دورا بارزا في ظهور الجماعات الإرهابية من خلال القمع الممنهج الذي مارسته بحق المعارضين ورفضها تعزيز فكرة التداول السلمي للسلطة والاعتراف بحق البشر في حرية التعبير.

اقرأ للكاتب أيضا: رحلة الانعتاق من التشدد الديني

وبما أن تدخل الحكومات قد يؤثر في حيادية عمل القائمين على المتحف، فإنني أقترح أن يكوّن المهتمون لجنة للتواصل مع المكاتب المختصة في منظمة الأمم المتحدة والتنسيق مع السلطات المحلية في كل مكان طاوله الإرهاب من أجل جمع ما يمكن جمعه من معلومات عن الشهداء وعائلاتهم وخلفياتهم والاستفادة من الإصدارات التي وثق فيها الإرهابيون جرائمهم.

أتمنى أن يبلور المهتمون فكرة متحف شهداء "الإرهاب الإسلامي" لتصبح واقعا في المستقبل القريب يوثق بشاعة "الإرهاب الإسلامي" وتستلهم منه الأجيال القادمة المواعظ والعبر ليشكل مانعا قويا ضد التشدد والتطرف الفكري وحائلا ضد انخراط النشء في براثن عقائد الجماعات الإرهابية ويكشف زيف ادعائها امتلاك الحقيقة المطلقة واحتكار الحق في تمثيل إرادة الله وإزهاق الأرواح وتدمير الممتلكات.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!