في معرض الرياض للكتاب
في معرض الرياض للكتاب

بقلم محمد المحمود/

تشير نظريات التلقي/ نظريات الاستقبال إلى أن طبيعة التلقي لأية رسالة، هي ما تكشف الستر عن الأنساق الثقافية الكامنة المهيمنة على نظام الوعي الكلي لمجتمع ما. فالعبرة ـ في فهم آلية اشتغال الذهنية الجمعية ـ ليست مرهونة بما يُقال ويكتب ويشاهد/ النص، وإنما في طبيعة/ درجة الاستهلاك الثقافي لما يُقال ويكتب ويشاهد؛ بعدما كانت الفعالية النقدية تستهلك جهدها لفهم هذه الأنساق من خلال الرسالة/ النص، ومن قبل؛ من خلال مبدع النص/ القائل/ الناصّ؛ باعتباره صانع الحدث الثقافي.

ما يستهلكه مجتمع ما، ثقافيا، لا يكشف المستقبل فقط، لا يكشف ما سيكون عليه المجتمع لاحقا؛ باعتبار أن هذا المُستهلَك سيشكّل الأنماط الأساسية لنظام الوعي الكلي، وإنما يكشف أيضا عن راهنية الوعي الثقافي الذي انحاز ـ على نحو جمعي، وغير واعٍ ـ لهذه البضاعة الثقافية دون غيرها. بمعنى أن "نوعية المُستهلَك الثقافي" تكشف عن طبيعة الوعي الراهن؛ بقدر ما تكشف عن طبيعة الوعي المستقبلي الذي لا يزال في طور التشكّل، والذي لابد وأن يمتدّ أثره ـ المباشر وغير المباشر ـ لعدة أجيال.

لاحظنا بشكل مباشر كيف أن كتبا لهذا الواعظ الفضائي أو ذاك بيع منها عشرات الألوف من النسخ بينما تطبع الدار الشهيرة ألف نسخة لأشهر مفكري العرب​

تغيب الإحصائيات الدقيقة في العالم العربي، وخاصة فيما يخص المستهلَك الثقافي الذي لم تُحدّد أسواقه/ ميادينه بعد؛ على نحو دقيق. لكن، إذا ما أخذنا أحد أشهر مواقع التواصل والإعلام الشبكي: "تويتر"، بما يوفره من إمكانية ملاحظة أعداد المتابعين/ المهتمين؛ كمؤشر على رواج الأشخاص الذين يُمثلون قيمة ثقافية أو إعلامية أو اجتماعية... إلخ، فإننا نلاحظ أن ممثلي الخط الديني التقليدي الشعبوي يحظون بمتابعات مليونية تتجاوز العشرين مليون أحيانا. ولا ينافسهم على هذه الأعداد المليونية إلا الحسابات التي تقترب من هذا الخط الشعبوي التقليدي (يُستثنى من ذلك حسابات كبار القنوات الإعلامية وكبار السياسيين ومشاهير الفن؛ فهذه ليست في سياق المقارنة الثقافية هنا). بل ويلاحظ أن ثمة علاقة عكسية، غالبة، وليست حتمية، مفادها: يقلّ عدد المتابعين والمتفاعلين؛ كلما كان الحساب أكثر علمية/ أكثر صرامة ثقافية، والعكس صحيح، إذ يكثر عدد المتابعين والمتفاعلين؛ كلما كان الخطاب الثقافي شعبويا، هزليا، طرائفيا، أو وعظيا ساذجا يتاجر بعواطف بسطاء المتدينين.

اقرأ للكاتب أيضا: التنوير والفقهاء المستنيرون

يمكن أن نأخذ بعض الأسماء من هذا الموقع التواصلي للمقارنة. طبعا، لن آتي بباحثين/ مثقفين كبار تجاوزوا أو ناهزوا الثمانين من أعمارهم، أمثال: عبدالله العروي أو حسن حنفي أو رضوان السيد، لأقارنهم بمشاهير الوعظ الفضائي؛ لأن أمثال هؤلاء ليسوا متفاعلين مع هذه المواقع التواصلية أصلا، ومن ثم ليسوا في سياق المقارنة الدالة على الرائج الثقافي هنا. سأختار ـ كمثال يشير لأشباهه: الباحث والمفكر الموريتاني/ السيد ولد أباه، وهو أحد المثقفين الجادين، الدارسين للفكر العربي ماضيه وحاضره، والفكر الغربي كذلك، والمتفاعل مع الطرح الجماهيري حاليا، سواء على مستوى الكتابة الصحفية أو على مستوى موقع التواصل الشهير "تويتر". وفي المقابل سأختار من يقاربه في العمر، بل وفي بعض الاهتمامات الفكرية، ولكن على نحو شعبوي وعظي تحشيدي غارق في الأدلجة الدينية/ السياسية، وهو الواعظ الكويتي/ محمد العوضي. هنا سنلاحظ أن عدد متابعي المفكر/ السيد ولد أباه بلغ حتى هذا اليوم (19370)، بينما بلغ عدد متابعي الواعظ/ محمد العوضي (4345900). نعم، تسعة عشر ألفا، مقابل أكثر من أربعة ملايين!

طبعا لم أذكر أولئك الوُعّاظ الذين لا علاقة لهم بالفكر وجدلياته، أي الذين ينتهجون وعظا قصصيا حكائيا بالغ السذاجة؛ كالواعظ المصري/ عمرو خالد الذي بلغ عدد متابعيه اليوم أكثر من (11000000)/ أحد عشر مليونا، أو الواعظ الكويتي الآخر/ نبيل العوضي الذي بلغ عدد متابعيه (11303630)، فهذان بأرقامهما ـ وإن كانت دالة في سياقها ـ لا يتقاطعان في الاهتمام مع الباحث/ السيد والد أباه؛ من حيث العلاقة بشؤون الفكر/ العلم؛ فلا تكون المقارنة كاشفة بالمقدار الذي يمكن أن تكشفه مع أمثال: محمد العوضي.

إن أول ما نلاحظه أن الفرق بين الأرقام يعكس حجم المأساة الثقافية العربية بحق. الفرق بين الأرقام ليس مما يمكن ردمه؛ بمستوى أن الفرق بين واقع العرب والعالم المتقدم مما لا يمكن ردمه. لاحظ أن الفرق ليس في مستوى ضعفين أو ثلاثة أو أربعة أضعاف، بل لا يتعدى عدد متابعي السيد ولد أباه 0،5 في المئة/ نصف بالمئة من عدد متابعي محمد العوضي، مع الأخذ بالاعتبار أن السيد ولد أباه ليس غائبا عن المجال الحيوي الذي يحضر فيه العوضي، إذ هو حاضر في الجدل الثقافي الخليجي، يحضر ندواته ويكتب في أشهر صحفه، وله علاقات بكثير من المؤسسات الثقافية فيه (وهو مجرد مثال، وغيره كثير، من ذوي الأرقام المقاربة لأعداد متابعيه).

وإذا كان "تويتر" يعكس الوضع الثقافي المأسوي بالأرقام المعلنة على مدار اللحظة، وبالتالي هو مؤشر ـ من جملة مؤشرات بالطبع ـ لا يمكن إغفاله في قدرته على توصيف الواقع الثقافي وتحولاته، فإن متابعي معارض الكتب لديهم كثير من المعلومات الدالة، التي قد لا تكون دقيقة، ولكن ـ على أية حال ـ تعكس واقع المستهلَك الثقافي. فليس سرا لدى دور النشر أن الكتاب الفكري/ العلمي الجاد ليس رائجا رواج الكتاب الوعظي القصصي المتخم بالغرائب، وأحيانا بالخرافات والأساطير الوعظية. وقد لاحظنا بشكل مباشر كيف أن كتبا لهذا الواعظ الفضائي أو ذاك بيع منها عشرات الألوف من النسخ في المعرض الواحد، خاصة عندما تتواتر التوصيات من رموز الوعظ الجماهيري على كتاب يقع في صلب مسيرة التأسيس الأيديولوجي، بينما تطبع الدار الشهيرة ألف نسخة لأشهر مفكري العرب؛ فلا تنفد إلا بعد سنتين أو ثلاث.

يبدو الوعي التنويري العربي هشا للغاية؛ حتى عند معتنقيه أو المتحمسين له​

يمكنني الحديث عن واقعة لها دلالتها في هذا السياق. فقبل خمسة عشر عاما تقريبا كنت أدرّس طلاب المستوى الخامس في كلية اللغة العربية مادة "النصوص الأدبية"، وقد لاحظت ـ من خلال تفعيل المحاضرات حواريا ـ أن اطلاعهم على أهم الأعمال الأدبية العربية يكاد يكون معدوما، بينما هم متخصصون في ذلك، وهم في النصف الثاني من دراستهم الجامعية؛ فيفترض أن السنوات السابقة حفّزتهم لقراءة أكبر قدر من هذه الأعمال.

لقد خطر لي في يوم من أيام ذلك الفصل الدراسي أن أجري استفتاء على أشهر أديب/ روائي عربي: نجيب محفوظ. فإذا كانوا لا يقرأون روائع الأدب وما يتعلق به وهم طلاب اللغة العربية وآدابها، فعلى الأقل، لا بد أنهم، أو أكثرهم، يقرأ للأديب النوبلي العربي الكبير، خاصة وأن الأدب الروائي سهل الهضم، وفيه كثير من التشويق الذي يُهوّن ملل القراءة لمن هم في بدايات المشوار التثقيفي. لكن، أتت المفاجأة عكس المتوقع، أو عكس المأمول، إذ كانت القاعة تضم ما يقارب 170 طالبا، وسألتهم ابتداء عن أشهر رواياته، فلم يجب أحد، ثم سألتهم عمن قرأ ولو رواية واحدة، فلم يحب أحد. لكن أحدهم قال إنه سمع أن روايته "أولاد حارتنا" فيها سخرية بالله وبالأنبياء، وأنه كاد يقتل بسببها!

اقرأ للكاتب أيضا: الرمز والترميز في الدين والتاريخ

أيضا، منذ خمس أو ست سنوات، وفي بهو أحد فنادق مدينة المنصورة في مصر، التقيت بعدد من الشباب المتطلع ثقافيا، الحالم بعصر جديد، القارئ نسبيا، وكانت المفاجأة أنهم لا يقرأون لكبار مثقفي بلدهم/ مصر، لم يقرأوا شيئا لحسن حنفي أو عبدالوهاب المسيري أو صلاح فضل أو جابر عصفور أو عبدالجواد يسين، فضلا عن طه حسين والعقاد ومحمود أمين العالم ونجيب محفوظ وإدوار الخراط، إنهم فقط يقرأون روايات خفيفة، كتبا عابرة، طرائفية، معلوماتية مُكَبْسَلة (على هيئة مقتطفات مُجزّأة في كبسولات). ومع أنهم كانوا مهتمين في مجريات الحدث السياسي آنذاك، إلا أن أحدا منهم لم يقرأ كتابا جادا في التنظير السياسي، ولا في الحفريات الثقافية التي تُساءل الوعي العربي الذي يُشكّل وعيهم ووعي المحيطين بهم من أشقائهم العرب.

لكل هذا، يبدو الوعي التنويري العربي هشا للغاية؛ حتى عند معتنقيه أو المتحمسين له؛ لا لأنهم لم يتجذروا ثقافيا في مبادئه الأساسية وتراثه العظيم فحسب، وإنما ـ أيضا ـ لأن المحيط الثقافي والاجتماعي الذي يتموضعون فيه يتشكل ـ بشكل أوسع وأعمق وأدوم ـ على وقع ثقافة تقليدية بدائية تصارعية، تتضمن كل المقولات المناهضة جذريا لمبادئ وقيم التنوير الذي كان سببا في ولادة عصر جديد للإنسان، أو بالأحرى، ولادة عصر الإنسان.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.