يعاني قطاع غزة من نقص كبير في الخدمات والمواد الاستهلاكية الأساسية مثل الوقود
يعاني قطاع غزة من نقص كبير في الخدمات والمواد الاستهلاكية الأساسية مثل الوقود

بقلم محمد السمهوري/

من الصعب أحيانا تصور في العام 2018 أنه كان هناك رؤية قائمة في غزة مختلفة عن الرؤية الحالية المعروضة في الأخبار، وتلك التي يعيشونها سكان غزة يوميا. ولكنني كنت عضوا في مجموعة متفائلة من التكنوقراط الذين أعدوا خارطة طريق واضحة لغزة بعد فك الارتباط الأحادي من قبل إسرائيل في العام 2005، ومن ثم راقبت تداعي تلك الخطة.

فالعبر المستخلصة من تلك الفترة حول أسباب فشل هذه الرؤية الأكثر تفاؤلا لغزة تشكل جزءا لا يتجزأ من المحادثات الأوسع حول النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، ومضادا مهما لسيرة تبين تصاعد "حماس" والعنف اللاحق على أنه أمر محتم. ولكن من الأساسي للاعبين الدوليين والإقليميين على حد سواء أن يفكروا في التجارب الفاشلة المتعلقة بالمساعدة التقنية لغزة فيما تستمر جهود الأسرة الدولية لإيجاد حل لأزمة متفاقمة.

يوم مغادرة إسرائيل لغزة

في ساعات الصباح الأولى في 12 أيلول/سبتمبر من العام 2005، كنت من أوائل الأشخاص الذين دخلوا المستوطنة اليهودية نتساريم التي تم إخلاؤها، جنوب مدينة غزة مباشرة، فيما كان آخر الجنود الإسرائيليين يغادرون غزة. وعند شروق الشمس، كنت في غوش قطيف، وهي أكبر كتلة مستوطنات إسرائيلية تمتد على طول ساحل غزة الجنوبي الجميل المطل على البحر المتوسط. ومن هناك، توجهت إلى الجانب الفلسطيني من معبر رفح الحدودي الذي تم إخلاؤه أيضا مع طريق فيلاديلفي الممتدة على 13 كلم من الحدود بين غزة ومصر. وقد اختتمت نهاري في المستوطنات الثلاثة الصغيرة التي تم إخلاؤها وهي دوجيت ونيسانيت وعيلاي سيناء، الواقعة على طول السياج الشمالي بين غزة وإسرائيل وفي منطقة بيت حانون/إيرز الصناعية.

إن المشهد الذي رأيته في المستوطنات السابقة في ذلك اليوم كانت تسوده فوضى عارمة ومطلقة. فعشرات آلاف الأشخاص الذين كانوا يعيشون في مخيمات اللاجئين الثمانية في غزة وفي القرى الصغيرة القليلة المتاخمة للمستوطنات انتشروا في الممتلكات التي تم إخلاؤها وأخذوا ما استطاعوا أخذه من المباني التي تركها المستوطنون الإسرائيليون وراءهم، من الأنابيب والأبواب إلى الخرسانة ومواد بناء أخرى أساسية. ولم يشاهَد أي من رجال الشرطة الفلسطينية الذين تم تعيينهم لتوفير الأمن. ولم تبقَ سوى الدفيئات الواقعة في المستوطنات الوسطى والجنوبية على حالها نظرا لوجود حراس أمن خاص تم توظيفهم بشكل مسبق لتوفير الحماية. وفي نهاية اليوم، لم يبقَ سوى الأنقاض والحطام.

الاستعدادات الفلسطينية لليوم التالي

قصدت تلك المواقع مرات كثيرة ومتتالية كواحد من 40 خبير فلسطيني تم حشدهم لتحضير غزة لما بعد فك الارتباط. كان الفريق يضم خبراء تقنيين رفيعي المستوى في الزراعة والصناعة والتجارة والمعابر الحدودية والمياه والكهرباء والصرف الصحي وتخطيط الأراضي والإسكان والاتصالات. وكنا بمعظمنا قادمين من غزة، بمساعدة عدد صغير من الخبراء القانونيين والتجاريين وخبراء المياه التابعين لـ"وحدة دعم المفاوضات" في منظمة التحرير الفلسطينية التي تتخذ رام الله مقرا لها.

مع خروج آخر جندي إسرائيلي من غزة في ساعات الصباح الأولى في 12 أيلول/سبتمبر 2005، تم إغلاق غزة في الواقع وتسليمها إلى "حماس"

​​عمل فريقنا أيضا بتنسيق وثيق مع البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمات دولية أخرى تعمل في المناطق الفلسطينية. ففي فترات منتظمة، كنا نعقد اجتماعات مع المجتمع المدني الفلسطيني والقطاع الخاص والفصائل السياسية في قطاع غزة والضفة الغربية لعرض عملنا على هذه الجهات والاستماع إلى تعليقاتها. تمت أيضا إحاطة أسرة المانحين وممثلي البعثات الدبلوماسية في السلطة الفلسطينية حول خططنا التقنية. وكان الانطباع العام الذي كوناه في كافة تلك الاجتماعات إيجابيا ومشجعا للغاية.

وبعد شهرين من الانسحاب الأحادي الإسرائيلي من غزة، في 15 تشرين الثاني/نوفمبر، توسطت الولايات المتحدة لعقد اتفاق التنقل والعبور بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وقد عزز هذا الاتفاق على ما يبدو إلى حد كبير آفاق التنفيذ الناجح لخططنا التقنية المتعلقة بغزة ما بعد فك الارتباط. فقد صُمم اتفاق التنقل والعبور لتحسين معاملات غزة التجارية العابرة للحدود مع إسرائيل، ما يتيح مرورا آمنا بين غزة والضفة الغربية. كما سهل اتفاق التنقل والعبور عمليات التصدير الزراعية من المستوطنات الإسرائيلية السابقة التابعة لغزة وفصل الاستراتيجية التشغيلية لمعبر رفح الحدودي المراقَب من قبل الاتحاد الأوروبي وسمح باستئناف المحادثات المتعلقة ببناء ميناء غزة وإعادة بناء مطار غزة الذي دمر خلال الأشهر الأولى من الانتفاضة الثانية التي اندلعت في 28 أيلول/سبتمبر من العام 2000.

تلاشي الآمال

سرعان ما تبددت آمالنا وتطلعاتنا كتكنوقراط لبدء فصل جديد من تاريخ غزة. فالنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني الأوسع والسياسات الفلسطينية الداخلية أثبتت بأنها أقوى من خططنا التقنية المتعلقة بغزة. ونحن لسنا بسذج، إذ لم نتوقع تنفيذ خططنا، أو في هذه الحالة اتفاق التنقل والعبور بذاته، بسهولة وسلاسة. ولكن حتى في أسوأ كوابيسنا، لم نتصور غزة كما هي عليه اليوم بعد 13 عاما من فك الارتباط، أي مكان ممزق بأكثر من عقد من الانقسامات السياسية الفلسطينية المريرة وثلاث حروب بين "حماس" وإسرائيل وحظر خانق وعزلة شبه كلية عن بقية العالم.

بنتيجة ذلك، يعاني سكان غزة اليوم من ارتفاع معدلات البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي وتداعي الخدمات الأساسية والبنى التحتية العامة وتراجع اقتصاد القطاع الخاص والانتشار الواسع لليأس والإحباط الكلي بين سكان غزة الذين يبلغ عددهم مليونين.

إسرائيل و"حماس" ووقائع فك الارتباط

قادت مجموعة عوامل إلى هذه النتيجة المؤسفة، بما فيها بشكل أساسي مقاربة إسرائيل و"حماس" لخطة فك الارتباط وتطبيقها وكيفية عرضها.

من الجانب الإسرائيلي، بالرغم من أن خطة إخلاء غزة، التي فاجأت الجميع عندما تم الإعلان عنها للمرة الأولى في كانون الأول/ديسمبر من العام 2003 من قبل رئيس الوزراء السابق أرييل شارون، اعتمدت بشكل كبير على مصلحة إسرائيل الاستراتيجية، فإن انسحاب إسرائيل من غزة كان أمرا محتما، وهي نقطة غالبا ما يتم تجاهلها في الكتابات المعنية بفك الارتباط عن غزة.

وبخلاف الضفة الغربية، لم تبرز قط أي آفاق للاحتلال الإسرائيلي لغزة على المدى الطويل أو اعتبارها منطقية من الناحية الاستراتيجية. فلا الجغرافيا ولا الديموغرافيا الخاصة بالمنطقة تسمح بوجود إسرائيلي مطول وسط سكان فلسطينيين شباب ومتطور ينمو في أراض صغيرة. وتشكل غزة في نهاية المطاف جزءا صغيرا من الأراضي، وتعتبر إحدى أكثر المناطق اكتظاظا بالسكان في العالم، إذ كان عدد سكانها عند فك الارتباط يبلغ 1.3 مليون، مع زيادة سنوية بـ 3.5 في المئة. وعلى ضوء هذه الوقائع، كان فك الارتباط الإسرائيلي في الواقع متوقعا على المستوى الاستراتيجي، إذ أنه كان مسألة وقت فحسب.

بالمقابل، قدمت "حماس" من جهتها فك الارتباط كنصر، من خلال تبرير فعالية مقاربة المقاومة المسلحة الخاصة بها التي نجحت في "تحرير" غزة. ولم يكن واقع أن الخطوة الإسرائيلية لم تكن مكتملة مهما بالنسبة إلى "حماس" (بعد فك الارتباط، أبقت إسرائيل على سيطرة حصرية على فضاء غزة الجوي ومياهها الإقليمية وسجل السكان الفلسطينيين والفضاء الكهرومغناطيسي ودخول/خروج السلع والأشخاص من/إلى غزة، باستثناء حركة الأشخاص عبر معبر رفح الحدودي مع مصر).

في اندفاعها للاستفادة من إنجازها المعلن المتمثل بانتصار المقاومة، تنافست "حماس" مع حركة "فتح" العلمانية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي أجريت في كانون الثاني/يناير من العام 2006 وفازت في النهاية، ما شكل مفاجأة للجميع.

وهكذا، ومع خروج آخر جندي إسرائيلي من غزة في ساعات الصباح الأولى في 12 أيلول/سبتمبر 2005، تم إغلاق غزة في الواقع وتسليمها إلى "حماس". وقد أصبحت عملية التسليم رسمية من خلال الانتصار الانتخابي المزلزل لـ"حماس" في بداية العام 2006، وتم تأكيدها بعد ذلك في منتصف حزيران/يونيو 2007 مع استيلاء "حماس" العنيف على قطاع غزة برمته. وكما أظهرت السنوات المأساوية اللاحقة، أخذ وضع غزة بالتراجع مذاك.

فرصة ضائعة؟

بما أن إسرائيل و"حماس" قامتا بتظهير فك الارتباط كوسيلة لخدمة مصالحهما السياسية الخاصة، لم يكن هناك مجال كبير، هذا إن وُجد أصلا، لإنجاح فك الارتباط من خلال الجهود الدولية الرامية إلى توفير منافع اقتصادية ملموسة لغزة. وقد كانت هناك عدة محاولات في هذا السياق.

من غير المرجح أن تنجح الحلول التقنية لمشاكل غزة المعقدة، ما لم يتوفر سياق سياسي وأمني داعم

​​قاد البنك الدولي هذه المساعي في كانون الأول/ديسمبر من العام 2004 عبر توفير مجموعة أوراق تقنية حول تحديث معابر غزة الحدودية مع إسرائيل وإنشاء مناطق صناعية ومناطق تصدير وجعل الاقتصاد الفلسطيني تنافسيا. وفي 14 نيسان/إبريل من العام 2005، تم تعيين الرئيس السابق للبنك الدولي جيمس وولفنسون كمبعوث خاص للجنة الرباعية حول الشرق الأوسط لفك الارتباط عن غزة. وبعد شهرين، في تموز/يوليو، تعهدت قمة مجموعة الثمانية التي عقدت في غلين إيفلز في اسكتلندا بتقديم دعم مالي يصل إلى 3 مليارات دولار سنويا على مدى ثلاث سنوات لمساعدة وولفنسون على إنجاز مهمته. وتضمنت مبادرات أخرى للقطاع الخاص مخصصة لغزة استثمارات في دفيئات المستوطنات الإسرائيلية السابقة في جنوب غزة، وفي منطقة بيت حانون ـ إيرز الصناعية في الطرف الشمالي لقطاع غزة.

تبدو هذه الجهود الدولية، التي تشكل جزءا من بدايات تاريخ فك الارتباط، ذكرى بعيدة اليوم، إذ تم تضييعها في ظل الدمار الذي لحق بغزة في الماضي القريب. فلو تسنت فرصة ترجمة هذه الجهود على أرض الواقع إلى أقصى درجة، كانت لتقدم لغزة فرصة جيدة بمستقبل مختلف، إلا أن ذلك لم يحصل. وبما أن إسرائيل و"حماس" لديهما حكايات متناقضة حول فك الارتباط، كان الفشل شبه محتم.

بالإضافة إلى ذلك، كانت الجهود الدولية ذات طبيعة تقنية محض، وكانت بالتالي غير ملائمة بطبيعتها للتعامل مع "مسألة غزة" المترسخة بعمق في سياق نزاعات شديد التعقيد. وسرعان ما اصطدمت هذه الجهود الدولية بحائط مسدود عند انهيارها في كانون الثاني/يناير من العام 2006، مع صعود "حماس" المفاجئ إلى السلطة، وأعلن لاحقا عن فشلها مع استيلاء "حماس" المسلح على غزة في منتصف العام 2007.

العبر المستخلصة

لم تغير خطة فك الارتباط سوء الحظ المستمر اللاحق بغزة. يمكن أن تعزى هذه النتيجة إلى أسباب متعددة. ولكن يمكن استخلاص عبرة واضحة: من غير المرجح أن تنجح الحلول التقنية لمشاكل غزة المعقدة، ما لم يتوفر سياق سياسي وأمني داعم. نحن مدركون أصلا لهذا الواقع. ولكن يبدو أن هذه العبرة وتداعياتها على مستوى السياسات غير مفهومة جيدا اليوم.

على سبيل المثال، بالرغم من الإدراك المتزايد بأن تردي ظروف العيش في غزة يقترب بسرعة من نقطة الانهيار أو قد بلغها أصلا، فالحلول التي يتم تقديمها، سواء من قبل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أو الإدارة الأميركية الحالية، تتخذ كلها شكل "قائمة مشاريع عملاقة" تهدف إلى إنقاذ اقتصاد غزة المتداعي. وبالرغم من دورها المحوري في معالجة الصعوبات الاقتصادية الاجتماعية المتزايدة في غزة والنقص المزمن في خدماتها العامة الأساسية، لا يمكن، انطلاقا من خبرة غزة ما بعد فك الارتباط، تنفيذ هذه المشاريع وتحقيق كامل إمكاناتها، إلا إذا وفقط إذا استقر الوضع السياسي والأمني في غزة أولا. يعيد هذا الشرط مسألة غزة إلى سياقها الأوسع حيث تنتمي، وحيث ما زال ضروريا إنجاز أعمال كثيرة على تلك الجبهة من قبل جميع الأطراف المعنية، بما فيها الفلسطينيين بأنفسهم.

د. محمد السمهوري هو اقتصادي وأكاديمي فلسطيني وزميل أول ومحاضر سابق في "مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط" التابع لجامعة براندايس. وهو أيضا مستشار اقتصادي أول سابق للسلطة الفلسطينية. من شباط/فبراير حتى تشرين الأول/أكتوبر 2005، كان عضوا في فريق تقني فلسطيني مسؤول عن تحضير غزة لفترة ما بعد فك الارتباط. كما أن د. السمهوري هو مؤلف تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2017 حول غزة بعنوان "ما بعد الصمود: تحديات الانتعاش الاقتصادي والتنمية الطويلة الأمد في قطاع غزة".

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟