اعتصام ضد القمع في بيروت
اعتصام ضد القمع في بيروت

بقلم حسين عبد الحسين/

في العام 2002، انعقدت القمة العربية في بيروت فيما كانت "عملية السور الواقي" الإسرائيلية تقضي على "الانتفاضة الفلسطينية الثانية"، بالتزامن مع حصار على رئيس السلطة الفلسطينية الراحل ياسر عرفات في مقره المعروف بـ"المقاطعة" في رام الله.

يومذاك، حاول عرفات الإدلاء بخطابه إلى القمة عبر الأقمار الاصطناعية، فقام رئيس لبنان السابق والقمة إميل لحود، بتعليمات من راعيه السوري بشار الأسد، بحجب خطاب عرفات، فنقلته بعض الفضائيات العربية مباشرة. وعملا بشعار "الرأي والرأي الآخر"، كانت إحدى الفضائيات العربية تعتزم إجراء مقابلة  رئيس حكومة إسرائيل الراحل آرييل شارون إلى الزعماء العرب، حثهم فيه على التوصل إلى سلام.

تلقفت حكومات العرب والمسلمين الحرب على الإرهاب، وحولتها إلى حرب على الحرية

​​ثارت ثائرة الإعلاميين في "المركز الإعلامي" المخصص لتغطية أعمال القمة في بيروت ضد الفضائية التي بثت خطاب شارون، وتظاهروا ووقعوا عرائض. فبررت الفضائية خطوتها بالقول إن مهنيتها تفرض عليها إفساح المجال للرأي، أي عرفات، والرأي الآخر، أي شارون. كان ذلك في زمن الفسحة الضيقة من الحرية، يوم كانت بعض الفضائيات تستضيف نذرا يسيرا من "الرأي الآخر".

اليوم، يغيب عن معظم الإعلام العربي "الرأي الآخر"، وإن صادف أن استضافت فضائية رأيا مغايرا لسياستها الإعلامية، تسلّط على الضيف المسكين غضب مقدمي برامجها، معززا بغضب الضيوف الآخرين المناصرين للفضائية ورأيها، ويصل الأمر في معظم الأحوال إلى الاستهزاء بالضيف صاحب "الرأي الآخر"، والسعي إلى تسخيفه، ومحاولة إظهار شواذ منطقه، وبطلان أقواله.

اقرأ للكاتب أيضا: تونس الكرامة وبصيص الأمل

في الماضي، كان بعض الإعلام العربي يصور "الرأي" على أنه الرأي الصائب ورأي الجماعة، أي رأي الإجماع العربي. أما الرأي الآخر، فكان رأي العدو، في صورة إسرائيل الصهيونية المتآمرة وأميركا الإمبريالية الغاشمة. لم يخطر في بال الإعلام العربي، في أيام شذرات الحرية التي عاشها، أن "الرأي الآخر" يمكنه أن يكون رأي عرب من الخارجين على "رأي الجماعة" والإجماع العربي والإسلامي.

لكن تعدد الرأي في صفوف العرب والمسلمين هو أساس الاستقرار والتقدم، وهو ليس "بثّا للفرقة" بينهم، ولا هو من أعمال أعداء الأمة. وحده العنف من خارج الحكومات هو الإرهاب الذي يسيل الدماء، وهو الذي يؤدي إلى الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة.

أما التمرد على "ولاة الأمر"، ومعارضة "رأي الجماعة"، والحوار مع العدو، فكلها من الأمور الإيجابية، وهي من التفكير النقدي المطلوب. فالنقاش يغني الآراء ويفتح الباب أمام المواطنين للمبادرة وللخروج عن المألوف في عالمي السياسة والأعمال، وتاليا يؤدي تعدد الآراء وتباينها إلى الازدهار والاستقرار.

كما يسمح النقاش بتلاقح الأفكار وتطويرها وتحريك الركود الفكري والخمول وطي صفحة التصفيق للزعيم الخالد أو التهليل لقراراته، التي غالبا ما يصورها إعلامه على أنها سامية معصومة عن الخطأ؛ فتدفع نرجسية الحاكم وإعجابه بنفسه ـ وهو إعجاب يعززه تصفيق المتملقين المحيطين به ـ إلى قمع أي انتقاد أو رأي مخالف، إذ ذاك تعجّ السجون بالمتنورين، ويدير البلاد حمقى من أصحاب الفكر الساذج ممن ينهمكون في التآمر للحفاظ على مراكزهم.

الرأي والرأي الآخر شعار بديع وتنويري، ولا بد من التمسك به وتطبيقه

​​في العقد الماضي، سعت الولايات المتحدة إلى نشر الحرية في الدول القمعية اعتقادا منها أن القمع يثير الإحباط، وأن الإحباط يؤدي إلى اليأس، وتاليا إلى الإرهاب.

تلقفت حكومات العرب والمسلمين الحرب على الإرهاب، وحولتها إلى حرب على الحرية، وتم تصوير معارضي رأي الحاكم على أنهم إرهابيون، وتصوير الإرهابيين على أنهم خوارج على "رأي الجماعة" أو على "رأي ولي الأمر"، وانتشر شيوخ الإنترنت وفتاواهم الصادرة على حسب طلبات بعض الحكام والإرهابيين، وصار التباين في الرأي تراشقا في الاتهامات والشتائم.

اقرأ للكاتب أيضا: 'يوم كيبور' وعاشوراء

لن يكفي النمو الاقتصادي لإخراج الشرق الأوسط من مأساته، ولا بديل عن قيام الحكومات برعاية التباين في الرأي، وحماية الرأي الآخر، وإقامة استفتاءات وانتخابات حرة ومتكررة للوقوف على رأي الأكثرية، وعدم تحديد الآراء المقبولة وتحريم تلك المخالفة، حتى لو طالبت الآراء المخالفة بانفصال الكرد أو القبط، أو بسلام فوري وحوار مع إسرائيل. فالحوار هو في صميم معظم الحلول، مثل في سورية، حيث لا بديل عن سماع الصوت السوري القائل بأن "سورية لينا وما هي لبيت الأسد"، وأن لا مستقبل يرتجى مع حافظ الثاني أو بشار الثالث. كذلك في لبنان، حيث يرث الأبناء الزعامة والأنسباء الرئاسة؛ لا نهاية للفساد من دون إنهاء الوراثة.

الرأي والرأي الآخر شعار بديع وتنويري، ولا بد من التمسك به وتطبيقه. أما تحويله إلى شعار "رأي الجماعة" والرأي الآخر، فهو يؤدي وظيفة معاكسة، ويحول الأفراد أصحاب الآراء المتعددة إلى "جماعة" صاحبة رأي واحد، ويحول رأي الأقلية إلى خيانة، فتتحول بذلك عملية نشر الحرية إلى فرض للاستبداد.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية
"قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة. أرشيفية - تعبيرية

على مدى خمس سنوات وخمسة أشهر، وفر لي هذا الموقع "alhurra.com" مساحة أسبوعية حرة، أخاطب من على منصتها، جمهورا متنوعا، رفقة نخبة من كتاب ومفكرين وإعلاميين وازنين، ومن دون تلك القيود والضوابط التي أثقلت كاهل الكتاب والمحللين والمثقفين في العالم العربي...هنا، وربما هنا فقط، بمقدورك أن تسمي الأشياء بأسمائها، دولاً وحكومات، دون خشية من قوانين "تعكير صفو العلاقة"، ومن غير أن تحسب حساب لأثر ما تكتب على "المساعدات" التي تتلقاها بلادك من هذه الدولة أو تلك.

ولأنك تخاطب جمهورا متنوعا، لا يجمعهم جامع سوى "لسان الضاد"، فأنت تجد نفسك مكرها على القفز من فوق "زواريب" السياسة المحلية في بلدك، التي لا يعرفها ولا يُعنى بها، سوى أهلها، أو بعض أهلها في كثيرٍ من الأحيان، وهو أمر له ما له وعليه ما عليه، فهو من جهة يُنجيك من "طبقات الرقابة" المتراكبة في مجتمعاتنا من سفارات وهويات دينية واجتماعية، بيد أنه من جهة ثانية، ينحو بما تكتب صوب التجريد والتعميم، وبصورة قد تُخلّ بمقتضيات "التحليل" في بعض الأوقات.

على أنك وأنت تكتب لموقع يتخذ مقرا له على مبعدة عشرة آلاف كلم، تبقى ملاحقا بهاجس "الرقابات"، حكومية وغيرها، من حكومة بلدك وحكومات الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تعاظمت وطأة تأثيرها لاعتبارات "الجيوبوليتك" و"العلاقات الخاصة والمميزة"...أنت لا تشعر أنك حرٌ تماما، حتى وأنت تكتب لموقع "الحرة".

ذات ظهيرة، اتصل بي الصديق ألبرتو فيرنانديز، ومعه بدأت حكاية المقال الأسبوعي، كنت عرفته عندما كان دبلوماسيا رفيعا في سفارة الولايات المتحدة لدى عمّان، وكان شغل موقع الملحق الثقافي، ولقد وجدنا يومها شيئا مشتركا، فهو قضى سنوات في دمشق، وأنا فعلت الشيء ذاته، وإن في مراحل مختلفة، وكانت لديه شبكة واسعة من العلاقات مع المثقفين السوريين، وكنت كذلك، وكان هذا الموضوع على الدوام، يحتل مساحة بارزة في نقاشاتنا، ولطالما رتبنا أنا وإياه لقاءات لشخصيات أميركية ثقافية وسياسية وازنة في مركز القدس للدراسات السياسية، صحبة نخبة محترمة من سياسيي الأردن ومثقفيه.

ألبرتو كان قد تسلم للتو مسؤولياته في المؤسسة التي تصدر عنها "قناة الحرة" و"راديو سوا" و"موقع الحرة الإخباري"، طلبني لكتابة مقال أسبوعي، متعهدا بأن يحترم ما أكتب، وأظنه كان على علم بتوجهاتي السياسية والفكرية، ولكنه أراد للموقع أن يصبح منصة للحوار والجدل والتعدد.

ذات مرة، أثير نقاش حول هوية كتاب الحرة، وأُخذ على الموقع أنه ينتقيهم من أبناء مدرسة سياسية وفكرية واحدة تقريبا، يومها "غرد" فيرنانديز نافيا "الاتهام"، مستشهدا بتواجد أسماء وكتاب من خارج هذه المدرسة، ولقد ذكرني من بين آخرين، بوصفنا شهودا أحياء على تهافت الاتهام...مع أنني أشاطر أصحاب "الاتهام" بصرف النظر عن نواياهم، بأن غالبية الزملاء وليس جميعهم بالطبع، ينتمون لمدرسة في الفكر والسياسة، معروفة توجهاتها وخلفياتها، وهي في مطلق الأحوال، مدرسة حاضرة بقوة في دولنا ومجتمعاتنا، اتفقنا معها أم اختلفنا.

حرص الرجل على استحداث انطلاقة في مسار ومسيرة القناة والراديو والموقع، المتعثرة نسبيا، ولقد استعان بنخبة من الإعلاميين المجربين، أذكر منهم الزميل نارت بوران، الذي شغل موقع مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في الأردن، وكان مؤسسا لعدد من الفضائيات في الإمارات، ولقد زاملته في عمان، حين كان مديرا للمؤسسة، وكنت أقدم برنامجا حواريا على شاشة التلفزيون الأردني بعنوان "قضايا وأحداث"، ولقد كان الرجل مهنيا بامتياز، وتعين على أن يجذّف في بحر متلاطم الأمواج وهو يدير مؤسسة تتجاذبها رياح التأثير من مختلف مراكز القوى وصنع القرار في البلاد، كان الله في عونه، وعون أسلافه وخلفائه.

خلال هذه الرحلة مع "الحرة" كتبت 280 مقالا أسبوعيا، بمعدل وسطي 1200 كلمة للمقال الواحد، أي ما يعادل "336000 كلمة"، لم يتعثر منها سوى مقالات ثلاثة، اثنان لاستبدال عبارة بأخرى أو شطب كلمة، وآخر لأنني كنت كتبته مبكرا، ولقد جرت أحداث كثيرة ما بين كتابته ونشره، فاستوجب استبداله بمقال آخر... بلغة الإحصاءات، أقل من 1 بالمئة من مقالاتي أثارت نقاشا مع المحرر، لكن الأهم، أن أحدا في فيرجينيا لم يكن ليخطر بباله استبدال كلمة بأخرى، أو شطب كلمة، دون استئذان وموافقة من الكاتب، حتى في تلك المرات النادرة التي أتيت على ذكرها، وتلكم بالنسبة لشخص سبق أن منعت له ثمانية مقالات في شهر واحد، تجربة مثيرة للاهتمام.

لست هنا في باب كيل المديح لموقع أغادره ما أن يرى هذا المقال النور، ولكنني أصدر عن تجربة شخصية في الكتابة وهوامش الحرية المتاحة للكاتب، لأضيف إلى ما سبق ذكره، أنني اعتنيت بمقالتي الأسبوعية على موقع الحرة، أكثر من غيره، لكل الأسباب التي أوردتها، ولسبب آخر إضافي، أن الكاتب يرغب في "توثيق" و"تسجيل" مواقفه من أهم الأحداث والتطورات والظواهر الكبرى التي تشغل باله، وما يحول بينه وبين فعل ذلك، إما غياب المنبر، في ساحة إعلامية – صحفية عربية مستقطبة إلى أبعد حد، أو للقيود الصارمة التي تصاحب الكتاب في صحف ومنابر محلية وعربية.

وكان من دواعي سروري واعتزازي دائما، أن الزملاء في "راديو سوا" لطالما استخدموا المقال الأسبوعي مادة/موضوعا لحلقة إذاعية، غالبا ما كنت ضيفها أو أحد ضيوفها، بالنسبة للكتّاب، كان ذلك بمثابة حافز إضافي، يدفعه للتفكير في اختياراته والاهتمام بجودة ما يكتب.

موقع الحرة، كما أبلغني الزميل بهاء الحجار، قرر إغلاق باب كامل من أبوابه تحت عنوان "من زاوية أخرى"، وفيه كانت تحتشد مقالات الرأي من لبنان والعراق والمغرب العربي والأردن وغيرها... أحزنني ذلك، لاسيما أن المقال لم يعد على ما يبدو جاذبا للقراء الذين يتجهون بكثرتهم، الشابة خصوصا، إلى "التك توك" و"الإنستغرام" والفيديوهات القصيرة، بحساب الربح والخسارة، من العبث الاستمرار في استثمار كهذا، في حين يمكنك أن تجتذب جمهورا أوسع، لو أنك وضعت مواردك في مكان آخر.

هي "قصة موت معلن" للمقالة والصحافة المكتوبة، ولقد سبقني الزميل على هذا الموقع، حسن منيمنة، لرثاء المقالة المكتوبة، قبل أيام، فلا حاجة بي لمزيد من "الرثائيات"، وعلينا أن نسلّم بحقيقة أن العالم يتغير، وأن فنونا وألوانا من العمل الإعلامي والصحفي قد شقت طريقها للانقراض. نقول ذلك، ونحن معشر المشتغلين بالصحافة والمقالة المكتوبة، يعتصرنا الألم والإحساس بـ"اللاجدوى".

هو فصل جديد، سبق أن انتهت إليه كبريات من الصحف والمجلات في العالم، والعالم العربي، وفي ظني أن "الحبل على الجرار"، فمن بقي من هذه الصحف واقفا على قدميه، إنما نجح في ذلك بأعجوبة، أو بتمويل سخي، طافح بالأجندات والاستهدافات السياسية، إلا من رحم ربي، واستطاع أن يجد لنفسه موطئ قدم في ميادين الإعلام الجديد وعوامل السوشال ميديا والمرئي والمسموع، وإلى لقاء على منصة أخرى، وتجربة مختلفة.