تظاهرة نسوية في تونس
تظاهرة نسوية في تونس

بقلم إبتهال الخطيب/

رعب خشن تطلقه كل محاولات تحرير المرأة وتمكينها في عالمنا العربي؛ رعب من خسارة الجنس الأقوى لخدمات الجنس "المستضعف"؛ سواء كانت خدمات منزلية تتمثل في عمل المرأة في البيت أو خدمات اقتصادية تتمثل في مساهمتها المادية من عملها في بيتها أو خدمات نفسية تتمثل في رضوخها الجسدي والنفسي للذكور من حولها ينفسون فيها ضغوط الحياة ويمارسون عليها السلطة غير القابلة للممارسة في الشارع أو مقر العمل ويلعبون من خلالها لعبة السيطرة المريضة التي تعوض شيئا من الهزائم المتكررة التي يعيشونها سياسيا واجتماعيا وحياتيا.

تقول زهراء منصور في مقال لها بعنوان "السقوط في شرك المسميات النسوية... لا تقترب إنه فخ"، إن التركيبات الدينية والاجتماعية تشكل مجتمعا "مؤمنا بأن الذكور قادرون على الاختيار والتوجيه، في حين أن النساء غير قادرات على الاختيار بشكل صحيح" وإنه "بهذه الذرائع، تسرق الحقوق بطريقة قانونية شرعية، وستبدو مطالب نسوية ـ إنسانية ـ مثل: منع زواج القاصرات/ عدم الإجبار على الزواج/ وقف الختان/ المساواة في أجور العمل/ العنف الأسري/ الاغتصاب/ التحرش، وغيرها من قائمة تطول وتتشكل في المجتمعات التي تضيق الخناق حسب استطاعتها، تبجحا، وتبرمج على تقديم الذكورة واعتبارها صنفا أول، بناء على تقسيم جندري ـ لا فضل له فيه ـ ولا يؤخذ بالاعتبار ما يأتي بعده".

فجر النضال النسوي وصل إشراقة شمس كاملة على عتبات القرن الواحد والعشرين

​​تتأتى التركيبات الدينية ـ الاجتماعية الذكورية الصنع من تاريخ بشري طويل اعتمد القوة الجسدية كمقياس أفضلية؛ ولهذا المقياس في حد ذاته تاريخ غائر في القدم، يخمنه الأنثروبولوجيون على أنه بدأ حين كان المجتمع الذكوري البشري، في بدايات تشكل فصيل الهوموسيبيان، يمنع الطعام عن المجتمع الأنوثي فيأسره في مجاعات ممتدة، مما دفع بتطور الأجساد الأنثوية بشكل أضعف وأقل قدرة جسدية عضلية بالعموم. أتت التركيبات الدينية الاجتماعية لتعيد صدى هذا التاريخ المتوحش القديم، ولتمثله بشكل واضح وفج في كل أنحائها وزواياها بوضع الأنثى في طبقة أقل من الذكر وبالتالي في تعيينها، منذ ولادتها، في خدمة هذا الذكر وتحت سلطة مجتمعه الأبوي الذكوري من مهدها إلى لحدها.

إن المحاولات النسائية المتجددة اليوم للخروج من هذا التاريخ الأسود الطويل من خلال نضالات متعددة طويلة في أنحاء عالمنا هذا تثير رعبا متجددا في المجتمعات الذكورية. تعتمد المحاولات النسوية على التطور الفكري والضمائري والأخلاقي والقيمي والمنعكسة جميعها في الإعلانات والاتفاقيات الإنسانية، التي تبلورت بعد تاريخ طويل من النضال والتضحية الإنسانيين، أقول هذه المحاولات النسائية المستمرة تثير رعبا قديما متجددا في مجتمعات قامت على الأفضلية الذكورية والعبودية الأنثوية. إن فكرة تحرر المرأة وتساويها ككائن إنساني خالص لا ينقص من قدره تركيبة بيولوجية أو تصنيف نفسي تحمل في طياتها خسائر جمة للمجتمعات الذكورية. فهذه المجتمعات بنيت قوائمها وتحققت إنجازاتها بالاستعباد والعنف والتمييز، طبقة تجاه طبقة، وجنس بشري تجاه جنس، حيث كانت النساء دوما في ذيل الطبقات وفي أعلى قائمة الضحايا المستعبدة.

اقرأ للكاتبة أيضا: أنا حرة؟

أكاد الآن أسمع تعليقات البعض تتفوه بها الأفواه وتلوج بها القلوب، "ألم نمل من هذا الموضوع؟ توجد لدينا من المصائب ما لا يعد ولا يحصى، أهذا وقت موضوع النسوية؟ ماذا تريد النساء؟ ألم تأخذ حقوقهن ويزدن؟". لتبدأ بعدها السخرية الآثمة حول شكوى النساء المستمرة، حول نقصهن العقلي والديني، حول ضرورة التحكم بهن ووضعهن في أماكنهن؛ دائرة مريضة يدور فيها الحوار منذ فجر القرن الخامس عشر حين بدأ بزوغ فجر نضال نسوي حقيقي. لا يتغير هذا الحوار ولا تتبدل السخرية، أما التهميش فلا عقل له ولا منطق.

هذا زمننا وهي فرصتنا، حان وقت الخروج للنور مهما كان الثمن

​​وفي حين أن الغرب بدأ يأخذ خطوات جادة تجاه تحرير المرأة، متخطيا فكرة مساواتها بالرجل وذلك رفضا لوضع الرجل كمقياس للحقوق، متعديا بالمرأة إلى درجة إنسانية رفيعة تحقق هي من خلالها مستحقاتها ودرجة إنسانيتها بلا مقارنة مع الذكر؛ لا نزال نحن في شرقنا المسكين ندور في دوائر الخوف♦ والعنف. الخوف الذكوري من فقدان "العبدات" الطبيعيات اللاتي وهبهتهن التفسيرات الاجتماعية والدينية للذكور، والعنف الأبوي للمحافظة على نظام العبودية الطبيعي هذا ولتقوية قوائمه.

لا ينطوي الحديث على مبالغة! أن تختبر الحياة كلها وأنت مكبل إلى ذكورها، ألا يحق لك حق سوى بإقرار وصي ذكر عليك، أن تعمل ذات العمل وتقبض أجرا أقل، أن تُربط في ساقية خدمة منزلية لا ترقية فيها ولا تقاعد في نهايتها، أن يحق لشريكك أن يضربك أو أن يكرهك على علاقة جسدية خاصة، أن تكون عرضة للعيون والأيادي والألسنة باستمرار؛ وأن تأتي أنظمة عاداتية وتقاليدية ودينية لتبرر وتشرعن كل ذلك!

أن تعيش كل ذلك، يوما بعد يوم، سنة بعد سنة، عقدا بعد عقد، قرنا بعد قرن، حتى يتحول المرار إلى حالة بيولوجية تتوارثها النساء جيلا بعد جيل. أن تحيا كل ذلك وأكثر من ذلك وأعنف من ذلك وأبشع من ذلك من طفولتك إلى طعونتك، ساعتها لربما يصبح لديك شرعية الحديث عن المبالغة. فجر النضال النسوي وصل إشراقة شمس كاملة على عتبات القرن الواحد والعشرين، وعلى الرغم من أن الخروج إلى النور صعب على من اعتدن الظلام لسنوات، إلا أن هذا زمننا وهي فرصتنا، حان وقت الخروج للنور مهما كان الثمن.

♦ "دوائر الخوف" عنوان لكتاب رائع حول موضوع النسوية في مجتمعاتنا للدكتور نصر حامد أبو زيد.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.