البروفسور ويليام نوردهاوس الفائز في نوبل للاقتصاد للعام 2018
البروفسور ويليام نوردهاوس الفائز في نوبل للاقتصاد للعام 2018

بقلم عبد الحفيظ شرف/

تتسيد جائزة نوبل الجوائز العالمية لجهة القيمة المعنوية والشهرة. تعلن جوائزها سنويا في علوم الطب والفيزياء والكيمياء والأدب والاقتصاد وكذلك السلام. كان من الملاحظ على مر تاريخ هذه الجائزة، منذ بداية القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا، سيطرة الولايات المتحدة على أغلب الجوائز في شتى العلوم والاختصاصات؛ فعلماء هذا البلد حصدوا أكبر عدد من الجوائز في كل من الطب والفيزياء والكيمياء والاقتصاد. وهنا تساؤل مشروع: هل هناك تحيز سياسي لصالح أكبر وأقوى دولة في العالم، أم أن الولايات المتحدة تستحق بالفعل هذه الصدارة؟

سأبدأ بداية من نظرة المواطن العربي المنصف الذي يعترف يقينا بأن الولايات المتحدة تتصدر المجالات العلمية. فهي الأولى في الطب وعلوم الإدارة وكذلك في الفيزياء والكيمياء والاختراعات؛ الجميع في عالمنا العربي يعرف هذا وهو ما يدفع كثيرا من العلماء للسعي إلى الهجرة للولايات المتحدة للمشاركة في تطوير البحث العلمي.

تنفق واشنطن على البحث العلمي أكثر من أربعة وأربعين ضعف ما تنفقه الدول العربية مجتمعة

​​أما المواطن العربي المشبع بنظرية المؤامرة، فهو يعتقد أن الجائزة مسيسة كما كل شيء تقريبا في العالم، وأن ما يحصل مؤامرة كبرى ضد الإسلام والمسلمين. وإثبات وجهة نظره، سيعود بك إلى التاريخ القديم ليتحدث عن إنجازات الدولة العباسية والسلجوقية في المجالات العلمية، وأن العرب هم من أسسوا كل هذه العلوم. لا شك أن للعرب والمسلمين مساهمة تاريخية كبرى في الكثير من العلوم، ولا أريد أن يفهم من هذا المقال التقليل من الإنجازات التاريخية المهمة التي ساهمت في تطوير العلوم؛ ولكن عودة إلى الواقع، فلنتساءل سويا:

هل تعلم أن الولايات المتحدة تتصدر إنفاق الدول عالميا في مجالات البحث العلمي؟ فواشنطن تنفق أكثر من 475 مليار دولار سنويا في شتى مجالات الأبحاث. وهي تنفق على البحث العلمي أكثر من أربعة وأربعين ضعف ما تنفقه الدول العربية مجتمعة.

اقرأ للكاتب أيضا: سورية ما بين أردوغان وبوتين ونتنياهو

هل تعلم أن هناك آلافا من المؤسسات البحثية في الولايات المتحدة؟ وهي مؤسسات متخصصة تقوم بأبحاث دقيقة للغاية في كل المجالات العلمية والإدارية والمجتمعية.

هل تعلم أن هناك مئات من المؤسسات المتخصصة في آليات الرقابة على الأبحاث؟ عملها شبه الوحيد أن تضمن وتراقب مسيرة الأبحاث العلمية وتضمن النزاهة العلمية في تلك الأبحاث.

هل تعلم أن هناك آلاف مراكز الإحصاء؟ إذ من الصعب أن تجد بلدا ناجحا في البحث العلمي بدون مراكز إحصاء تجمع الأرقام والمعطيات على جميع المستويات، بحيث تستفيد المراكز البحثية من هذه الأرقام. وهذا طبعا ما لا نجده في عالمنا العربي لأننا نحاول دوما إخفاء المعلومة بدلا من طرحها وتداولها.

هل تعلم أن الولايات المتحدة تستقطب كثيرا من الباحثين من شتى أنحاء العالم سنويا وتوفر لهم كل الإمكانيات البحثية والشخصية ليتمكنوا من إنجاز أبحاثهم وليصلوا إلى نتائج قد تغير شكل العالم؟

هل تعلم أن الولايات المتحدة لديها نظام هجرة خاص للباحثين بحيث تسهل لهم الحصول على الإقامة الدائمة والجنسية الأميركية لاحقا، لتضمن لهم الراحة النفسية والاجتماعية بالإضافة إلى توفير الإمكانات البحثية لهم؟

هل تعلم أن كل الوزارات في أميركا لديها أقسام خاصة في البحث العلمي لتطوير قدراتها وإمكانياتها؟

هل تعلم أن قطاع التعليم العالي يستحوذ على أكثر من نصف الأبحاث العلمية في الولايات المتحدة وأن الشباب هم أكبر عنصر مساهم في هذه الأبحاث؟ وستجد أن شباب الجامعات يشاركون في أبحاث قيد الإنشاء أو في أبحاث مستقرة ويساهمون في تحليل نتائجها وكيفية الاستفادة منها. ومن أمثلة ذلك، موقع "فيسبوك" الذي كان عبارة عن بحث ومشروع جامعي للطالب مارك زوكربرغ.

هل تعلم أن أحد أهم البنود في ملفك الشخصي عند البحث عن عمل في الولايات المتحدة هو البحث العلمي، وما إذا كان لديك أبحاث سابقة تم نشرها؟ في حال نشرك أبحاثا في مجلات متخصصة، فهذا يرفع من فرصك في الحصول على الوظيفة.

ومن المعلومات التي يفترض بنا ملاحظتها، ما تنفقه دولة إسرائيل لوحدها على البحث العلمي، فهي تنفق أكثر من كل الدول العربية مجتمعة.

أتمنى أن أرى مزيدا من العرب والمسلمين يحصلون على جوائز نوبل مكافئة لهم على اختراعات تفيد البشرية والعالم وتساهم في تطورنا الإنساني

​​الإنترنت، الذي دخل كل بيت تقريبا، هو نتاج لأحد أبحاث وزارة الدفاع الأميركية. كلنا يعرف مدى أهمية الإنترنت لكل شخص يعيش على هذا الكوكب حاليا. أما في الطب فأميركا تتربع على عرش البحث الطبي ومحاولة اختراع وإيجاد علاجات مؤثرة وفعالة لكل أشكال الأمراض في العالم، واختراع ما يلزم لحماية صحة الإنسان والاكتشاف المبكر لكثير من الأمراض.

علينا أن نعترف أن كل هذه الأسباب مجتمعة أهلت الولايات المتحدة بجدارة لتتصدر قائمة الجوائز البحثية عالميا لأكثر من قرن من الزمان، وأن الاهتمام والتركيز على مجالات البحث العلمي المستقبلي سيكون أحد أسباب تمكين الولايات المتحدة من استمرار سيادتها عالميا ويعزز من قوتها وأثرها على العالم، فهي دولة تفكر بالمستقبل بدل الغرق في نظريات المؤامرة كما حال الجزء الأكبر من مجتمعاتنا، ومن السخرية بمكان، أن أكثر الناس اقتناعا بنظرية المؤامرة، هم من يلجأ لمستشفيات أو لاختراعات الولايات المتحدة وهم أكثر الناس استخداما لها.

اقرأ للكاتب أيضا: عهد التميمي 'نيالك على عدوك'

علينا التعلم من تجربة الولايات المتحدة بدلا من إيجاد الأسباب والأعذار غير المنطقية لتراجعنا العلمي والحضاري والمجتمعي. علينا أن نعرف أن أول خطوات الحل هي الاعتراف بالمشكلة بدلا من الإنكار، وعندها سنضع أرجلنا لنخطو أول خطواتنا على طريق حل المشكلة القائمة حاليا.

أتمنى أن أرى المزيد من العرب والمسلمين يحصلون على جوائز نوبل مكافئة لهم على اختراعات تفيد البشرية والعالم وتساهم في تطورنا الإنساني.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!