وضع بومبيو البنود الـ 12 الأساسية لأي اتفاق جديد مع إيران
وضع بومبيو البنود الـ 12 الأساسية لأي اتفاق جديد مع إيران

بقلم جويس كرم/

سيتضاعف التصعيد الأميركي ضد إيران بتاريخ 4 تشرين الثاني/نوفمبر، موعد العقوبات النفطية على طهران، والتي قد يسبقها تحركات في الكونغرس لتضييق الخناق على حزب الله. إنما يخطئ من يعتقد أن هذه الضغوط هدفها مواجهة عسكرية أو قلب النظام، لأنها تسير باتجاه واحد هو: المفاوضات.

بات أسلوب الرئيس الأميركي دونالد ترامب واضحا؛ الأمثلة من العلاقة مع كوريا الشمالية إلى المكسيك وكندا تدل على ذلك. يبدأ ترامب بضغوط وحرب كلامية وينتهي بالجلوس على طاولة المفاوضات وبمستويات غير مسبوقة (كاللقاء بين ترامب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون) وينتهي كما حصل في ما يخص اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، باتفاق شبيه مع بعض التعديلات. ترامب ليس جورج بوش أو رونالد ريغان؛ بمعنى أن عناوين التغيير بالقوة (العراق) أو بالعزل (الاتحاد السوفياتي) لا تهمه بقدر ما يمهه التفاوض واتفاقات تلبي بالدرجة الأولى المصالح الأمنية والاقتصادية الأميركية، وإيران ليست استثناء لهذه القاعدة.

بدأت طهران تبدي مرونة في ملف تشكيل الحكومة العراقية وربما قريبا في لبنان بما قد يعكس جهوزية للتواصل مع الأميركيين

​​فالانسحاب من الاتفاق النووي شبيه بمفاوضات "نافتا" على المستوى التكتيكي، إذ يرغب بأن تؤدي إعادة التفاوض إلى اتفاق قد يشبه الاتفاق النووي، إنما أصرم وأشمل، وهذا ما عاد وكرره ترامب الثلاثاء، وسبق أن وضع إطار هذا التفاوض والاتفاق والبنود الـ 12 الأساسية الخاصة به وزير خارجيته مايك بومبيو.

وبحسب تسريبات من اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن ترامب أخبر نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه مستعد للحوار مع إيران إنما الوقت لم يحن بعد و"عليهم أن يتعذبوا أكثر" كما نقل الكاتب ديفيد أغناشيوس في صحيفة "واشنطن بوست".

اقرأ للكاتبة أيضا: بصيص أمل للعراق والمعتدلين فيه

في الأمم المتحدة أيضا، تكرر الحديث عن احتمال لقاء بين ترامب والرئيس الإيراني "اللطيف"، بحسب تغريدة ترامب، حسن روحاني. هذا اللقاء لم يحدث إنما ليس مستبعدا أن يحدث إذا ما نضجت الظروف طبقا لهذه العوامل:

من وجهة نظرة إدارة ترامب، على إيران أن تدرك بأن الملفات مترابطة وأن أي مفاوضات لن تكون فقط حول التخصيب ومستوى اليورانيوم بل ستشمل الأزمات الإقليمية، وقد يكون للدول العربية حضور فيها كما لكوريا الجنوبية واليابان دور في المفاوضات مع بيونغ يانغ. تأمل واشنطن بأن تدفع الضغوط الاقتصادية والإقليمية بطهران إلى طاولة التفاوض، وأن مرونة ترامب ونهجه غير التقليدي يجعل كل الخيارات مطروحة من ضمنها وعود بالرخاء الاقتصادي والتبادل التجاري مع الولايات المتحدة. فالرئيس الأميركي على عجلة من أمره، وهو غير متمسك بالسياسات والخطوط التقليدية لأسلافه والتي منعتهم من لقاء أي رئيس إيراني أو كوري شمالي أو من الانسحاب من اتفاقات دولية ونقل السفارة الأميركية إلى القدس.

ترامب الذي رفض حربي العراق وليبيا ليس مقتنعا بتغيير النظام الإيراني

​​أما من وجهة النظر الإيرانية، فهي ربما تعتقد أن الانتخابات النصفية قد تغير من ملامح السياسة الأميركية وهذا رهان خاطئ كون القيادة الديموقراطية في مجلس الشيوخ والنواب (تشاك شومر ونانسي بيلوسي) لم تكن متحمسة لنهج باراك أوباما وأولوياتها ليست شرق أوسطية. في نفس الوقت بدأت طهران تبدي مرونة في ملف تشكيل الحكومة العراقية وربما قريبا في لبنان بما قد يعكس جهوزية للتواصل مع الأميركيين، أو على الأقل إيجاد آليات لتنفيس الاحتقان.

اقتصاديا، الإدارة الأميركية مستاءة من ارتفاع أسعار النفط والتي قد تصل إلى مئة دولار للبرميل مع تطبيق العقوبات ضد طهران. ويسعى ترامب مع حلفائه في الخليج إلى إعادة الاتزان في السوق النفطي رغم أن المسألة أكثر تعقيدا من ضخ السعودية بطاقتها الإنتاجية القصوى. إنما بيت القصيد هو أن المصالح الاقتصادية تحفز المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، في حال عدل النظام من توجهه الأيديولوجي.

اقرأ للكاتبة أيضا: أميركا وإيران والرقص على 'أبواب الجحيم'

هذا لا يعني أن المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية قريبة؛ لكن لا مفر منها في المدى المتوسط، إذ لا بديل عنها. فالخيار العسكري ليس حقيقيا؛ وترامب الذي رفض حربي العراق وليبيا ليس مقتنعا بتغيير النظام.

تدرك القيادة العسكرية والديبلوماسية الأميركية ذلك وهي اليوم تؤيد الرئيس الأميركي في تحركاته وزيادة الضغوط. هذه الضغوط ليست باتجاه حرب مع إيران، وهي حرب غير مطروحة كما قال الجنرال جوزيف فوتيل، بل للتهيئة لحوار متشعب ومفتوح بين ترامب، كما يرى نفسه أنه صانع الصفقات، والإيرانيين إذا ما كانوا قادرين على إتمامها.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

مسلسل "الاختيار"
أحد ملصقات مسلسل "الاختيار" نقلا من حساب الشركة المنتجة على موقع تويتر | Source: Twitter

لم يبكني عمل درامي كما أبكاني المسلسل المصري "الاختيار". بصراحة، لم أكن أتخيل أن ينجح بهذا الشكل الملفت.

تساءل موقع BBC عربي، هل مسلسل الاختيار "ملحمة وطنيه" جديدة أم "دراما موجهة"؟ تقييم أي عمل درامي من هذا المنظور ثنائي الاستقطاب ليس هو الأسلوب الأمثل من وجهة نظري. المنطلق الأفضل للتقييم، هو دراسة تأثير العمل سواء بالسلب أو الإيجاب على المجتمع.

تأثير مسلسل "الاختيار" على المجتمع المصري، وبدون أي جدال، كان إيجابيا، وهذا هو سر نجاحه.

تعودنا أن تلجأ الأعمال الدرامية المصرية إلى تمجيد شخصية الحاكم، كأفلام "ناصر ٥٦" و "أيام السادات"، أو تقدم معالجات درامية من خيال مؤلفيها، كغالبية الأفلام المنتجة عن حرب أكتوبر 1973. أما مسلسل "الاختيار" فقد اختلف تماما عما قبله لعدة أسباب:

أولا؛ لأنه اختار أن يسلط الضوء، على قائد ميداني في القوات المسلحة، بدلا من زعيم أو عضو بارز في المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية. سلط المسلسل الضوء على العقيد أحمد منسي، الذي يمثل بشخصيته ووطنيته ورجولته الآلاف من شباب مصر.

ثانيا، اعتماد المسلسل على وقائع وشهود عيان عن كل حادث إرهابي تناوله، مما زاد من مصداقية العمل.

ثالثا، مقارنة أحمد منسي، الذي دافع عن بلده في كمين البرث عام 2017، بضابط آخر ترك الجيش ليسلك طريق الإرهاب، وهو هشام عشماوي، مؤسس جماعة المرابطون، مما ساهم في توضيح الفكرة في ذهن المشاهد.

سلط المسلسل الضوء على تعقيدات الحرب على الإرهاب، التي لا تزال ملتبسة في أذهان العديد من المصريين

رسالة المسلسل، ببساطة، أن الإرهاب اختيار وهذا الاختيار هو خيانة للوطن، وأن معارضة الحاكم لا تبرر هذه الخيانة، التي لن تنجح مهما كانت الملابسات والنتائج.

هذه الرسالة مهمة وأساسية في المجتمع المصري، حيث فيه مصطلحات كالوطنية والخدمة العسكرية والدفاع عن الوطن من الغموض والارتباك على مدى عقود.

ومنذ مقتل الرئيس أنور السادات، تضاءل الاهتمام بالجيش المصري تدريجيا في وجدان البعض وخصوصا بين الأجيال الشابة، التي اعتبرته مرحلة مؤقتة من التجنيد الإجباري. ثم ازداد التسفيه والسخرية من الجيش بعد خلع الرئيس حسني مبارك، بحيث أصبحنا نسمع تهكمات مثل " جيش المكرونة"، التي تسخر من مصانع الجيش الغذائية. وتعبيرات مثل "عبيد البيادة" التي تصور زي القوات المسلحة كرمز للعبودية والولاء للحاكم وليس الولاء للوطن.

فجاء المسلسل ليرد الاعتبار للشباب المصري الذي يدافع عن الوطن من خلال خدمته في القوات المسلحة. المسلسل أيضا دحض ادعاء أن الجيش المصري يدفع فقط بالمجندين للخدمة في سيناء، وأثبت أن خيرة رجاله يحاربون هناك ويقتلون دفاعا عن هذا الجزء من تراب الوطن.

بالإضافة أن المسلسل سلط الضوء على تعقيدات الحرب على الإرهاب، التي لا تزال ملتبسة في أذهان العديد من المصريين.

فغالبية البيانات الرسمي للجيش والداخلية المصريين مقتضبة وقصيرة لأسباب أمنية، مما أتاح الفرصة للجماعات الإرهابية، لنشر العديد من المغالطات عن أداء الجيش المصري في سيناء. هذه المغالطات استغلها البعض لاتهام الجيش بالتقصير وعدم المقدرة على مواجهة "شوية عيال يلبسون شباشب".

فجاء المسلسل ليصور الواقع المعقد في سيناء والحدود الغربية مع ليبيا، وتحديات مواجهة الجماعات الإرهابية والأنفاق على الحدود مع قطاع غزة، والصلة المباشرة بين المهربين والإرهابيين.

من ناحية أخرى، انتقد البعض، وأنا منهم، جرعة التدين الزائدة في المسلسل، وكما غرد الكاتب إبراهيم عيسى: "محاربة الإرهابيين ليست بالمزايدة عليهم في التدين والتنافس معهم في التشدد، المعركة بين وطن وجماعات إرهابية. وليست أبدا معركة متدينين حلوين في مواجهة متدينين وحشين".

إلا أن المسلسل استطاع أن يتخطى هذا الجدل في مشهدين مهمين. المشهد الأول، حين قال أحد الإرهابيين (أبو سعد): "ده حتى الطواغيت بيصلوا ويصوموا" وهو اعتراف واضح أن الجماعات الإرهابية تحارب من أجل أهداف سياسية، وليست لنصرة الدين، كما تدعي. فحتى لو كان الجيش المصري كله من حفظة القرآن الكريم، فسيظل الإرهابيين ينظرون له كجيش "الطواغيت" لأن الجيش المصري لا يدين بالولاء لأمرائهم وخلفائهم المزعومين.

يعتقد معارضو النظام المصري، سواء من إسلاميين أو ثوريين، أن تحقير الجيش المصري والتهكم على أدائه هو نوع من الوطنية

المشهد الثاني، حين استضاف المسلسل في حلقته الأخيرة عساكر أقباط (حكما بأسمائهم) ممن حاربوا الإرهابيين وكيف كانوا فريقا واحدا مع رفقائهم في السلاح المسلمين، حيث لا فرق بينهم وهم يحاربون سويا دفاعا عن الوطن، وبهذا أوضح أن الدين ليس هو المعيار الوحيد للوطنية، وأن الجيش المصري ليس جيشا طائفيا كما يحدث في بلاد أخرى في المنطقة.

أثار دفاع المسلسل عن ابن تيمية، وتصوير الجماعات التكفيرية على أنها أخرجت "أفكاره من سياقها التاريخي"، الكثير من الانتقادات اللاذعة. ولكن رب ضارة نافعة.

فقد حفز المسلسل كثيرون للبحث أكثر عن مفهوم الإصلاح الديني ومقارنة فكر ابن تيمية بأفكار آخرين مثل فرج فودة. بسبب مسلسل "الاختيار" أصبح التطرف الديني غير مقبول به مجتمعيا. حتى موقع الجزيرة، أجبر على حذف مقال يدافع عن هشام عشماوي.

يعتقد معارضو النظام المصري، سواء من إسلاميين أو ثوريين، أن تحقير الجيش المصري والتهكم على أدائه هو نوع من الوطنية. فجاء المسلسل ليضرب هذا المفهوم ضربة قاتلة ويعيد للشعب المصري ثقته بجيشه واحترامه لكل شاب يدافع عن بلده.

كما فكك المسلسل الكثير من الألغام الفكرية والاجتماعية التي زرعتها جماعات الإسلام السياسي في مصر، وضبط إيقاع المجتمع وأعاد ثقته بنفسه وبصلابة ووطنية أبنائه، في وقت تواجه فيه مصر الكثير من التحديات الداخلية والخارجية، ولهذا نجح نجاحا مدويا، رغم أنف الكارهين.