متظاهرون لبنانبون ضد الفساد في العام 2015
متظاهرون لبنانبون ضد الفساد في العام 2015

بقلم حازم الأمين/

يدور النقاش اليوم في لبنان حول حقيقة من يتفوق على الآخر بالفساد؛ السياسيون أم شعوبهم وجماعاتهم وطوائفهم. ذاك أن معادلة اختبرناها في الفترة الأخيرة وتتمثل في أن الفساد كممارسة وكهوية سياسية لا يُضعف من القوة التمثيلية للسياسي، لا بل في أحيان كثيرة يعزز منها. وليس الفساد وحده القيمة السلبية التي جرى استدخالها بصفتها شرطا في المواجهة الأهلية الباردة التي تخوضها الجماعات اللبنانية. المذهبية مثلا، صارت معطى بديهيا وشرطا تمثيليا لا يطمح أحد إلى تجاوزه. وهنا علينا أن نتوقف عند حقيقة أن "الشعب" أكثر مذهبية من ممثليه؛ والأخيرون في كثير من الأحيان هم مجرد مستجيبين لهذا الشرط الشعبي.

حين تلتقي بأحمد الحريري مثلا، وهو الأمين العام لتيار المستقبل (السني) يمكن أن تلاحظ أنه على المستوى الشخصي ليس مذهبيا. في مزاجه وثيابه وخياراته الخاصة يشبه إلى حد بعيد معظم شباب جيله، ولكن ما أن تباشر معه حديثا عاما من نوع قانون الأحوال الشخصية المدني، حتى يأتيك جواب من نوع: "أنا لا أمانع هذا القانون لكن الشارع لا يتحمله".

اليوميات المذهبية في لبنان تقول كثيرا عن حقائق هذه الظاهرة وتدحض كثيرا من الخُطب التي تنزه "الشعب" وتلصق هذه الظاهرة بـ"الزعماء الفاسدين"

​​جبران باسيل نفسه، وهو أيقونة التوتر المذهبي في لبنان، أميل إلى الاعتقاد بأنه مراوغ في مذهبيته ولا يمارسها في حياته الشخصية، إلا أنه يعرف أنها القيمة شبه الوحيدة التي يمكن أن تثمر ولاء وتصدرا وتمثيلا. فالطوائف تصفق أكثر لصاحب الصوت الأعلى في مواجهة الطائفة الأخرى. وهنا يلوح الفساد بصفته قناة تصريف لهذه المعادلة. السياسي فاسد بهدف تصريف مصالح جماعته. حين يتدخل لمنع المحاكمة عن ضابط متورط بشبكات دعارة، فهو يرعى مصالح أبناء طائفته. هذا الفعل سيضاعف من قوته التمثيلية طالما أن قانون الانتخابات حصر ناخبيه بأبناء طائفته.

تنسحب هذه المعادلة على شيء في لبنان، وبالتالي فإن من يعيش خارجها سيشعر بيتم من المرجح أن يعقبه قرار بالعودة إلى حضن الطائفة. هذا ما قاله تقريبا الفنان زياد عيتاني الذي جرى الاعتداء على حريته ولفقت له تهمة العمالة وبقي شهورا في السجن إلى أن تدخلت طائفته ونجدته. زياد لم يكن قبل هذه المأساة جزءا من وجدان طائفته، وفي أحيان كثيرة كان خارج هذا الوجدان تماما، إلا أنه أدرك اليوم أن العيش خارج هذا الوجدان هو يُتم لا يريده لنفسه ولا لابنته.

اقرأ للكاتب أيضا: زمن جوزيف أبو فاضل اللبناني

"حزب الله" أقل ضجيجا من القوى الأخرى في مذهبيته. هو حزب مذهبي تعريفا، إلا أنه أكثر قدرة على المراوغة في ممارسته هذه المذهبية، أو ربما يمكن القول إن مذهبيته صادرة من حساسية أعمق وهو ما يساعدها على تجاوز المذهبية السطحية وعلى عدم ابتذالها. أمثلة كثيرة يمكن للمرء أن يسوقها على هذا الصعيد. ففي اليوم الذي نقلت فيه محطة "أل بي سي" خبرا عن إقدام زعيم الدروز وليد جنبلاط على التحذير من التعرض لضابط من أبناء طائفته، كانت قوة من الجيش اللبناني تنفذ عملية قتل فيها تاجر مخدرات شيعي في منطقة نفوذ "حزب الله" وبتسهيل من الأخير. هذان الحدثان يرمزان إلى تلك المعادلة. معادلة الطائفة المأزومة والطائفة المنتصرة.

إن الانهيار الأخير سيأتي على كل شيء، وهذه المعادلة البائسة ستأخذ معها "الجمل بما حمل"

​​اليوميات المذهبية في لبنان تقول كثيرا عن حقائق هذه الظاهرة وتدحض كثيرا من الخُطب التي تنزه "الشعب" وتلصق هذه الظاهرة بـ"الزعماء الفاسدين".

وخطاب التنزيه إذ يمارس عملية نكران كبرى لحقائق ثقيلة نختبرها ونعيشها كل يوم يدفع أحيانا إلى تصديق مزاعم السياسيين حين تلتقيهم في جلسات غير عامة ويباشرون الشكوى من "الشعب". ذاك أن "الشعب" ينتظر منهم ما يفوق قدراتهم على تحقيقه. هذه معادلة صحيحة. ففي لبنان الدولة ضعيفة وفاشلة، ولا تستطيع تلبية حاجات الناس على كل المستويات. منازل الزعماء تتحول إلى إدارات عامة لدخول المستشفيات ولتأمين مقاعد دراسية وللتخفف من الضرائب وصولا إلى الخلافات الزوجية والعائلية وقضايا الإرث. هذا يرتب أعباء هائلة على السياسيين ويدفع إلى عدم غبطهم على ما أنعمت عليهم به السلطة من نفوذ وتصدر.

اقرأ للكاتب أيضا: علينا أن نخاف على البصرة

لا يصلح عرض حال السياسيين هذا لأن يكون منولوغا حزينا على حال السياسيين وذما بـ"الشعوب اللبنانية". يصلح لأن يكون عرضا لحقيقة الاهتراء الناجمة عن انهيار الدولة وانكفاء الناس إلى طوائفها بصفتها الخيار البديل. فكيف يمكن لشيعي لبناني أن يشعر أن الدولة هي دولته في وقت أتاح له "حزب الله" قدرات تفوق قدرات الدولة على كل الأصعدة. وكيف يمكن لمسيحي ألا يكون مع جبران باسيل طالما أن الأخير هو فرصته الوحيدة للوظيفة وللحماية وللارتقاء.

لكن في المقابل فإن الانهيار الأخير سيأتي على كل شيء، وهذه المعادلة البائسة ستأخذ معها "الجمل بما حمل". وإذا كان السياسيون قد أمنوا طرق الهرب إلى ودائعهم في الخارج، فإن جبران باسيل سيبقى وزيرا للخارجية من دون مسيحيين، وحزب الله سيبقى "هم الغالبون"، وسيحتفظ سعد الحريري بقدرة تمكنه من إخراج زياد عيتاني من السجن.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.