اعتصام صامت في اسطنبول عام 2013
اعتصام صامت في اسطنبول عام 2013

بقلم سناء العاجي/

أن يعشقا بعضهما ويعيشا علاقة حب لا تؤذي أحدا، لكنها تزعج حراس المعبد؛ فتلك جريمة خطيرة ستتحرك لها المدافع والرشاشات.

أن يتزوجها على سنة الله ورسوله، ويضربها ويهينها ويغتصبها (إذ يوجد بيننا من لا يعترف بعد بالاغتصاب على فراش الزوجية ويعتبر أنها، ما دامت زوجته، فمن حقه ممارسة الجنس معها في كل الأوقات وبكل الأشكال)، فهذا لا يطرح إشكالا. أليست العلاقة حلالا، معترفا بها من طرف المجتمع والأسرة والمحاكم والجيران والأعراف والتقاليد وبائعة الخبز وحارس العمارة ومالك الشقة التي يؤجرانها، وبقية اللائحة الطويلة؟

أن تطلب امرأة الطلاق لأنها غير راضية جنسيا عن علاقتها بزوجها، فذلك يجعل منها عاهرة فاسدة منحلة

​​أن يضرب أطفاله، فذلك حقه وأسلوبه الخاص في التربية. أليست العصا من الجنة؟ أن يضرب زوجته أيضا هو تأديب مذكور في القرآن لأنه يعرف مصلحتها. لكن، أن يختار ذلك الطفل تفاصيل خاصة بحياته لا ترضي أهله، فذلك عصيان يجلب له سخط الوالدين، ومعهما المجتمع.

أن يخون زوجته، فهذا أمر معيب. لكن، عليها أن تقبل بالوضع، فـ"كل الرجال يميلون لمغامرات خارج عش الزوجية"، مهما بلغ حب زوجاتهم لهم أو حتى حبهم لهن؛ "لكنهم يعودون في النهاية". ليس على الزوجات أن يقلقن. بالمقابل، فأن تطلب امرأة الطلاق لأنها غير راضية جنسيا عن علاقتها بزوجها، فذلك يجعل منها عاهرة فاسدة منحلة.

اقرأ للكاتبة أيضا: 'أميرة في بيت زوجي'

أن يكون مثليا، فهذا جرم خطير في حق أعراف المجتمع. لكن، أن يتحرش بفتاة في الشارع أو أن يغتصب طفلة، فنسائل الضحية وملابسها ووقت خروجها. بل إن بين بلداننا من تصر قوانينه، في حالة اغتصاب الأب لابنته القاصر، على تسليم الطفلة بعد المحاكمة... لوالدها! هكذا، بكل بشاعة الظلم والقهر والظلم والتخلف. طبعا، أليس ولي أمرها؟ وهل يجوز لها الخروج عن طاعة ولي الأمر؟

أن يسائل شخص بعض المعتقدات الموروثة، بما فيها تلك المتعلقة بالدين أو الطائفة، وأن يشكك في بعضها الآخر، فهذا كفر بيّن وهرطقة وجنون وخروج عن الملة. لكن، أن يستغل شخص آخر نفس المعتقدات لممارسة العنف أو للاغتناء أو للوصول لأهداف سياسية أو جنسية أو مادية، فذلك لا يزعج أحدا ما دام من داخل نفس الدين أو الطائفة وما دام يتفق مع التصور العام السائد.

وحتى حين يقتل باسم تلك الموروثات، فسيجد من يبرر جرائمه، أو من يخفف من بشاعتها معتبرا أن الأمر يتعلق بـ"فهم خاطئ للدين". فقط!

حين تولد في منطقة جغرافية معينة من بلدان بؤسنا الإنساني، فأنت تنتمي بالضرورة لدين معين وطائفة معينة. قالها زياد الرحباني ذات يوم: "خمس دقائق بعد أن تولد، سيختارون اسمك وجنسيتك ودينك وطائفتك، وستقضي عمرك كله تدافع عن أشياء لم تخترها!"

هل تتخيل مثلا أنك لو ولدت في بلد ذي أغلبية شيعية، فستدافع عن المذهب الشيعي بنفس القوة التي تهاجمه بها اليوم، والعكس صحيح؟ هل تتخيل أنك لو ولدت في إسرائيل، فهناك حظوظ كبيرة لأن تدافع عن هذه الدولة التي تكرهها اليوم؟ هل تتخيل أنك لو ولدت أميركيا أبيض البشرة في الستينيات، فستكون في الغالب عنصريا يعتبر سود البشرة فئة دنيا؟

من يقتل باسم تلك الموروثات، سيجد من يبرر جرائمه، أو من يخفف من بشاعتها معتبرا أن الأمر يتعلق بـ"فهم خاطئ للدين". فقط!

​​بل، هل تتخيل أنك، حين تولد في بلد معين من منطقتنا الجغرافية، فأنت بالضرورة لست مسلما فقط، بل مسلما سنيا أو مسلما شيعيا، حتى دون أن تختار؟ وداخل نفس المذهب السني مثلا، فأنت إما مالكي أو حنبلي أو حنفي أو شافعي؛ لتمتد التفرعات إلى ما لا نهاية؛ وهنا أيضا، دون أن تكون قد اخترتها.

سيصعب عليك في ممارساتك ومعتقداتك، ليس فقط أن تسائل الإسلام، بل أن تسائل المذهب الفرعي الذي ينتمي إليه مجتمعك؛ حتى والجميع يغرد بأن المذاهب هي اجتهاد بشري لا قداسة لها... لكن لها قداسة الواقع. قداسة تمنعك من ممارسة أشياء لا يقبلها مذهبك الرسمي أو الفرعي أو ما دون الفرعي.

اقرأ للكاتبة أيضا: ضع نفسك مكانها

في المغرب مثلا، فأنت، إن لم تكن ضمن الأقلية اليهودية، ستولد بالضرورة مسلما سنيا تبعا للمذهب المالكي وعلى الطريقة الأشعرية... وهكذا، في كل بقعة جغرافية. لا انحراف لك ولا محيد عما ورثته، حتى داخل الدين نفسه.

باختصار، في الحب، في الدين، في العلاقات الإنسانية... ليس مطلوبا منك أن تغرد خارج السرب ولا أن تفكر بطريقتك ولا أن تتساءل ولا أن تختار أسلوب عيش مختلف.

كل ما هو مطلوب منك، أن تطبق ما ورثته عمّن سبقوك. أن تعيد استنتساخ ما كانوا عليه. أن تكون نسخة طبق الأصل ممن يحيطون بك.

ــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.