نساء سودانيات ينقلن المياه
نساء سودانيات ينقلن المياه

بقلم منصور الحاج/

بينما كنت أستعد للمشاركة في مؤتمر الكرامة الإنسانية في تونس الذي نظمه معهد الولايات المتحدة للسلام وقناة الحرة في 28 أيلول/سبتمبر الماضي، كان الجدل على أشده في السودان تنديدا بالمداخلة الجريئة للناشطة السودانية وئام شوقي في حلقة تلفزيونية ناقشت مطالب المرأة السودانية.

للأسف الشديد، فإن الحدثين اللذين لا يفصل بينهما سوى أيام يكشفان بكل ألم الفرق الشاسع بين واقع شعوب الدول العربية والإسلامية وآمال وطموحات المشاركين في مؤتمر الكرامة. ففي الوقت الذي حمّل فيه غالبية المشاركين في المؤتمر الحكومات العربية والإسلامية مسؤولية تدهور أوضاع حقوق الإنسان، يؤكد الواقع بأن شرائح كبيرة في مجتمعاتنا تعارض الحقوق الأساسية للإنسان المعترف بها في المواثيق والإعلانات الدولية.

تصدى نفر من الكتاب لتلك الموجة العارمة من المواقف المعارضة لطرح الشابة وئام وأعلنوا تأييدهم لها وتضامنهم معها

​​عند استعراض مداخلة الناشطة وئام شوقي، يلاحظ أنها اعترضت على ظاهرة التحرش الجنسي، التي عادة ما يتم فيها تحميل الضحايا المسؤولية بدعوى أن عدم ارتدائهن ملابس محتشمة هو ما يدفع المتحرشين إلى استهدافهن بدلا من المطالبة بقوانين رادعة لكل من تسول له نفسه الاعتداء على امرأة.

كما تضمنت مطالبات الناشطة تحقيق المساواة التامة بين الجنسين وهي المطالب التي قوبلت باستهجان شديد من رجال الدين ورفض واسع من قبل قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، الذي رأى في الأمر تعديا على القيم والعادات وتجاوزا لتعاليم الدين والشرع.

وبتحليل ردود الفعل المبالغة على مداخلة الشابة وئام، والتي لم تقتصر فقط على وسائل التواصل الاجتماعي بل شملت أيضا خطب الجمعة على مدى أسبوعين متواصلين وتضمنت بعض الفيديوهات تهديدات صريحة بقتل وئام ومقدم البرنامج وسخرت من شكلها وتعرضت لوالديها، فإننا نلاحظ أنها انفعالية متشنجة تفتقر لأبسط قواعد المنطق والذوق السليم، بل إن غالبيتها خاوية من أي محتوى عقلاني ومن السهل جدا على كل صوت حر الرد عليها وتفنيدها وكشف فساد المنطلقات التي تستند إليها.

اقرأ للكاتب أيضا: حوار مع صديقي الإسلاموي الحائر

وقد تصدى نفر من الكتاب لتلك الموجة العارمة من المواقف المعارضة لطرح الشابة وئام وأعلنوا تأييدهم لها وتضامنهم معها؛ كالناشط ياسر محمد حسن ضحوي والدبلوماسي السابق نور الدين منان وزهير الفحيل والكاتب ياسر عبد الكريم وهادية حسب الله، التي اعتبرت أن "الدفاع عن وئام دفاع عن حق الأجيال الجديدة في التساؤل، ودفاع عن حرية الاختيار وحرية التعبير، وعن الأخلاق الحقة التي تقوم على الضمير الحر لا أخلاق المنافقة".

إلا أن من أفضل ما قرأت في تحليل ما دار في الحلقة وتبعاتها كان مقالا بعنوان: "النساء والشيخ: عندما ينكسر القيد" للسيد محمد محمود الأستاذ الجامعي ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان الذي اختتمه بالقول: "إن المطلوب ليس هو أن يستوصي الرجل بالمرأة لأن المرأة ليست بحاجة لوصاية الرجل عليها، فهي راشدة وكاملة عقل ووقفت على قدميها بفضل تعليمها الذي يؤهلها لاقتحام كل المجالات. إن المطلوب هو أن يدرك الرجل أن المرأة مساوية له وأن حريته لا تنفصل عن حريتها وأن ما يحتاج إليه هو أن يضع يده على يدها ليتشاركا عبء بناء مجتمع أفضل تتحقق فيه إنسانيتهما سويا وتتكامل".

تتحمل السلطة الوزر الأعظم بسبب السياسات العشوائية التي انتهجتها ورفضها تبني القيم والمبادئ العالمية لتعزيز حقوق الإنسان

​​إن من المؤسف أن يصل الحال بتلك الشرائح الرافضة للمطالب الإنسانية التي نادت بها الناشطة وئام إلى اختزال مفهوم الأخلاق في الملابس ونبرة الصوت وغطاء الرأس والتغاضي عن الفساد الممنهج الذي مارسه الحزب الحاكم في السودان على مدى عقود منذ وصوله إلى السلطة والتبعات المدمرة لسياساته التي أوصلت البلاد إلى مصاف الدول الأكثر فقرا وفسادا وتخلفا في جميع المجالات.

وبالنظر إلى المستوى الفكري لتلك الاعتراضات فإن كل ما على الليبراليين القيام به هو التشجع والرد على المداخلات والخطب والمشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي ومجموعات الواتساب وتفنيد الحجج الواهية التي استند إليها من نصبوا أنفسهم حراسا للفضيلة، فيما هم في الحقيقة ليسوا سوى ظواهر صوتية لا تجيد إلا الصراخ والعويل والتهديد والإرهاب وتبرير جرائم الحكام والاستقواء على الضعفاء والشرائح المهمشة.

اقرأ للكاتب أيضا: متحف شهداء الإرهاب الإسلامي

وحتى لا يفهم البعض أنني أبرئ الأنظمة والحكومات من هذا الواقع المزري الذي آلت إليه المجتمعات، أقول بأن السلطة تتحمل الوزر الأعظم بسبب السياسات العشوائية التي انتهجتها ورفضها تبني القيم والمبادئ العالمية لتعزيز حقوق الإنسان وتوفير البيئة المناسبة لارتقاء المجتمعات حضاريا بصورة سلمية عبر الحوار وترسيخ الحريات والتداول السلمي للسلطة بدلا من حماية المتطرفين وتقريبهم وتوفير المنابر الدينية والإعلامية لهم لنشر أفكارهم المتشددة التي لم تجر على مجتمعاتنا سوى الويلات.

وعود إلى مؤتمر الكرامة الإنسانية الذي تطرقت إليه في صدر هذا المقال فقد كان فرصة حقيقية لأنصار الكرامة لكي يعبروا عن آمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم في العيش في أوطان توفر لهم الحقوق والحريات بدلا من اللجوء إلى المنافي أو الاضطرار إلى تملق السلطات خوفا من الاعتقال أو الاغتيال على أيدي طيور الظلام بفتاوى أئمة الضلال الذين توفر لهم المناخ الملائم للتحليق بحرية والانقضاض على كل من ينشدون الحرية ويتوقون إلى العيش بكرامة.

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.