صورة الصحافي جمال خاشقجي خلال تظاهرات أمام القنصلية السعودية في إسطنبول
صورة الصحافي جمال خاشقجي خلال تظاهرات أمام القنصلية السعودية في إسطنبول

بقلم كوليت بهنا/

لم يثبت حدوث الجريمة حتى الساعة؛ لكن كل ملابسات قضية اختفاء الكاتب والصحافي السعودي جمال خاشقجي الذي دخل قنصلية بلاده في اسطنبول ولم يخرج، تشبه أجواء رواية بوليسية مثيرة للكاتبة "أجاثا كريستي". رواية يتشارك في كتابتها دول العالم وكبار ساسته وأجهزة استخبارات ومحققون ومحطات إعلامية وصحافيون وكتاب وناشطون، إضافة إلى الملايين من مشتركي وسائل التواصل الاجتماعي عبر العالم؛ كل منهم يحاول أن يبدي رأيا أو استنتاجا يتعلق بهذه القضية التي ابتدأت أحداثها المثيرة في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وقد تنتهي في وقت قريب جدا.

قضية لا شك أنها سلطت الضوء بقوة أو أعادت فتح ملفات ساخنة وحساسة عدة في وقت واحد، يتصدرها ملف حرية التعبير وانتهاكات حقوق الإنسان والصحافيين وملف الأداء الإعلامي وملف الابتزاز السياسي بين الدول، إضافة إلى ملف المخطوفين والمفقودين والمعتقلين حول العالم والصمت الدولي عنه أو فتحه بحسب التقلبات السياسية. تبدو هذه الملفات منفصلة ظاهريا، لكنها متصلة في الحقيقة ومترابطة جذريا، جنحت مؤشراتها جميعا في السنوات الأخيرة نحو مزيد من التدهور العالمي على حساب قيم أممية إنسانية وأخلاقية أولها كرامة الإنسان التي تنتهك على مدار الساعة في كل مكان في زمن "البلطجة" والعصابات الرسمية وغير الرسمية.

الإخفاء القسري هو من أقسى أنواع الجرائم ضد الإنسان

​​في ملف الأداء الاعلامي، اكتفت معظم المحطات العالمية بلعب دور محايد عبر نقل ملابسات القضية وما يستجد عنها من تصريحات أو تطورات نقلا عن وكالات أنباء عالمية، فيما كان ملفتا الأداء الإعلامي العربي وتحديدا الممول سعوديا أو قطريا، إذ ما زال الطرفان يلعبان منذ أكثر من عام دور المناكفة الإعلامية المستمرة. كل منهما يسعى لتسجيل نقطة على الطرف الآخر، في مبارزة إعلامية بدت في قضية خاشقجي بشكل خاص، أكثر استفزازا ومملة وتدعو أحيانا للسخرية.

اقرأ للكاتبة أيضا: الحراك السوري الجديد

ففي حين بدا الإعلام الممول قطريا وكأنه يلعب دور المحقق "شيرلوك هولمز"، ظهر الإعلام الممول سعوديا باهتا في ردوده المفترض أن تكون أكثر شفافية وانفتاحا حيال قضية مواطنهم (خاشقجي). واكتفى الإعلام الممول سعوديا بتفنيد كل ما يصدر عن الإعلام الممول قطريا خبرا إثر خبر وتصريحا إثر تصريح، وصورة إثر صورة، دون أن يلحظ المتابع لهم جهدا صادقا لأجل الضغط وكشف حقيقة اختفاء الرجل. واكتف هذا الإعلام، كما فعلت السلطات الرسمية، بإلقاء المهمة على عاتق السلطات التركية وانتظار ما ستسفر عنه التحقيقات. حتى أن بعض الإعلاميين، المشهود لهم بتاريخهم المهني الجيد، ظهر بعض الارتباك في أدائهم للمرة الأولى وهم يحاولون نقل ما تفرضه عليهم سياسة وسائل الإعلام التي يعملون فيها. وأوحت سحنات وجوه بعضهم عكس ما يضمرونه، وبدوا في موقف لا يحسدون عليه وفقا لمعادلة وحسابات استمرار وظائفهم على حسابات شرف المهنة، وهي معادلة صعبة يعاني منها كثير من الصحافيين والإعلاميين في العالم، وعلى نحو خاص العرب الذين يضطرون للعمل في أماكن تخالف سياساتها قناعاتهم المهنية.

قد تخف أو تتلاشى التداعيات التي يتم التلميح لها دوليا، وفقا للسياسة أيضا، ولن يكون مفاجئا إن تم تحميل وزر الجريمة ـ إن حدثت ـ لفرد وليس لدولة

​​في المقابل، يمكن القول إن الضغط الاعلامي الكبير الذي تلعبه المحطات الممولة قطريا، أو غيرها، وإن بدا مبالغا به، لكنه يمكن أن يلعب دورا فعالا وضاغطا على الرأي العام من أجل خدمة الهدف وهو الوصول إلى الحقيقة على ألا تكون هذه السياسة الإعلامية وحيدة الاتجاه وخدمة لمآرب سياسية، بل أن تكون نهجا حقيقيا جذريا ومستمرا؛ بمعنى هل كان هذا الإعلام القطري سيلعب دور المحقق ويضغط بهذه الطريقة الملحة لو كانت القضية تتعلق بمواطن قطري يدخل سفارة بلاده ولا يخرج؟ أو أية قضية أخرى تتعلق بحقوق الإنسان في قطر أو في دولة أخرى تتقاطع مصالحها السياسية مع قطر؟ وهو تساؤل عام يوجه للإعلام العربي برمته، وجوابه معروف وواضح بالفشل الذريع في هذا الإطار.

قضية جمال خاشقجي ليست سابقة في ملف الاغتيالات السياسية ـ إن حدث ـ الذي تمارسه دول كثيرة حول العالم بحق معارضيها أو منتقديها في الداخل والخارج، لكنها بدت أكثر حساسية لشهرة الرجل ومكانته وسمعته المهنية ولحيثياتها وتزامنها وتقاطعها مع مصالح سياسية دولية تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، وهو ما قد يفسر بعض التواطؤ والارتباك الواضح على المستويات السياسية كافة.

اقرأ للكاتبة أيضا: الزمن الجميل

وقد تخف أو تتلاشى التداعيات التي يتم التلميح لها دوليا، وفقا للسياسة أيضا، ولن يكون مفاجئا إن تم تحميل وزر الجريمة ـ إن حدثت ـ لفرد وليس لدولة من أجل حفظ ماء الوجه، ويترافق الأمر مع التلاشي الإعلامي التدريجي ومن ثم تناسيها وطيها مثل آلاف القضايا السابقة، حينئذ سيثبت من جديد، وبمرارة جديدة، أن حسابات السياسة الدولية أهم من حسابات حياة شعوب أنهكها ساستها بالحروب والفقر والاستبداد والظلم وانتهاك حقوقها وكم الأفواه.

لو كانت الكاتبة أغاثا كريستي ما زالت حية، ربما كانت ستصاب بالحيرة في كيفية إنهاء لغز هذه الرواية، لكنها قطعا كانت ستؤكد مرارا على أن الإخفاء القسري هو من أقسى أنواع الجرائم ضد الإنسان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.