في أحد أحياء إدلب
في أحد أحياء إدلب

بقلم آلدار خليل/

يميل الرئيس التركي في تصريحاته ومواقفه العلنية إلى تقسيم العالم ما بين عالم خير وعالم شر انطلاقا من مفاهيمه الخاصة ومصلحته الشخصية. فكل من يسانده في طموحاته، المشروعة منها وغير المشروعة، يندرج ضمن الخانة الأولى، في حين أن أي مقاومة أو معارضة بما في ذلك الميل إلى الهيمنة على الغير واضطهادهم فتصنف بالشر وتحديدا بالإرهاب.

بالنظر إلى المرحلة التي تلت معارك حلب وجنوب دمشق واجتياح الجيش التركي لبلدة عفرين واحتلالها، يتضح أن معركة إدلب ستؤتي بتغييرات هامة ومعقدة في الأزمة السورية على المستويين الإقليمي والدولي. وإذ تبدو التحالفات والمصالح مقدِمَة على تبدل مع بدء هذه المعركة الجديدة، يصبح من الواجب فصل الموقف المعلن للدولة التركية بشأن دورها في تلك التبدلات عن إنسانيتها المزعومة.

تعتبر مسألة إدلب قضية شائكة على نحو غير معقول بالنسبة لأي شخص من المجتمع الدولي مهتم بتفادي سفك الدماء بشكل لا داعي له

​​ولا بد من قراءة نوايا أردوغان في هذا السياق بالذات. فمع أن أردوغان كان يروج مؤخرا لموقف واضح بظاهره من مستقبل شمال سورية، إلا أن مَن يراقب مواقفه الداخلية والإقليمية والدولية حيال الأزمة السورية على مدى السنوات الماضية يجد أن مجموعة أوسع من التصرفات المقبولة تقوم على منفعته الشخصية. من هنا، لا يجدر بالأطراف الفاعلة الدولية في كل من أوروبا والولايات المتحدة أن تعتد بالقيمة الظاهرية لتلك الادعاءات، لا بل سيكون من المفيد للشعب السوري لو نظر المجتمع الدولي إلى أبعد من الخطاب الإنساني الذي تنادي به الدولة التركية وكوّن فهمه وردّه على نوايا تركيا في سورية بالاستناد إلى تحركات تركيا الماضية على أرض جارتها الجنوبية.

في مقاله الصادر في صحيفة "وول ستريت جورنال" تحت عنوان "على العالم إيقاف الأسد"، يرسم أردوغان عن إدلب صورة مصممة لجذب اهتمام الجماهير الدولية وتحديدا الغربية، إذ يجادل بأن "جبهة النصرة" ("هيئة تحرير الشام") هي "جزء من سكان إدلب" وأن طريقة تركيا الوحيدة في التعامل مع جهود مكافحة الإرهاب التي تتطلبها هذه الجيوب يمكن أن تمنع سفك الدماء غير الضروري.

بيد أن هذه الفكرة، بتركيزها على تنظيم إرهابي واحد، تبهم وتشوش على العدد الكبير من التنظيمات المتطرفة المتشعبة التي تعمل تحت تسميات مختلفة في إدلب. فهذه التنظيمات التي تشابه "القاعدة" في عقيدتها تتألف من نحو عشرة آلاف عنصر على الأقل. وتشكل قدرتها على مواصلة عملياتها في إدلب تهديدا على الصعيدين الإقليمي والدولي أكبر مما تكشف عنه رسائل أردوغان. والحقيقة المعقدة والمقلقة في إدلب هي ـ علاوة على النسبة الكبيرة من المدنيين ـ أن مجموعة متنوعة من التنظيمات الإرهابية المتشعبة التي دحرت من مناطق أخرى من سورية احتشدت في إدلب، والمجتمع الدولي يملك معلومات محدودة عن نطاق عملياتها أو مدى اندماجها العام في سكان تلك المنطقة.

بالنتيجة، ستكون معركة إدلب معقدة وحافلة بالتحديات. لكن أردوغان يزيد تسييس الوضع بفعل نظرته الانتقائية لما يستتبعه "الإرهاب" وللخطوات الأنسب إزاء هذا التهديد. كما أن تاريخ تركيا في سورية لا يوحي بأن قواتهما العسكرية ستعملان كقوة رصد ورقابة لحماية مواطني إدلب من انتهاكات حقوق الإنسان.

في المقابل، يجب الأخذ في الحسبان بمصالح الدولة التركية الشخصية في موقفها من إدلب، شأنها شأن نوايا أي قوى إقليمية أخرى معنية بالصراع. لطالما عمد أردوغان إلى استغلال الصورة الإنسانية التي تعطيها نسبة اللاجئين الكبيرة في بلاده لأغراض سياسية، في الوقت الذي لم تُظهر فيه تصرفاته حرصا يذكر على صالح السوريين في سورية فيما يتعدى دورهم في خدمة أهدافه الشخصية كطرف إقليمي فاعل.

في الوقت الراهن، تستوجب استراتيجية أردوغان منه الوقوف بوجه حلفاء الأمس ـ أي روسيا والنظام السوري ـ للحرص على اضطلاع تركيا بدور فاعل في رسم معالم حدودها الجنوبية حيث تقع إدلب. ولكن لا يجدر بأي هيئة دولية معنية بصون حقوق الإنسان أن تثق بالتبريرات الإنسانية التي يستعملها أردوغان. ولا يجوز أيضا السماح له بابتزاز ضمير المجتمع المدني خدمة لمخططاته السياسية على حساب ما هو الأفضل لمواطني إدلب وسورية ككل.

أظهر أردوغان اهتماما محدودا بالمشاكل الإنسانية متى توافقت سياسات نظام الأسد مع أهدافه الاستراتيجية الخاصة

​​وتعتبر عفرين المثال الأبرز عن ضلوع الدولة التركية في سورية، إذ لا يمكن نسيان التناقض الذي حصل هناك بين خطاب أردوغان الإنساني وتحركات الجيش التركي على الأرض. فقد رفع عدد من المنظمات الإنسانية الدولية عدة تقارير عن مختلف الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون خلال المعركة وبعدها، بما فيها القصف الذي استهدف المستشفى الرئيسي في عفرين وأعمال النهب التي ارتكبت هناك. وقد صدر التقرير الأحدث عن الأمم المتحدة في 13/9/2018 تحت عنوان "تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية" وهو يوثق استهداف الجيش التركي للمدنيين الأبرياء في عفرين من خلال مئات المقابلات. وقد بررت الدولة التركية تلك الهجمات الجوية والبرية التي وقعت خلال عمليات "غصن الزيتون" في مطلع العام 2018 تحت ذريعة محاربة الإرهاب. بيد أن عفرين تبرهن أنه لا يمكن اعتبار القوات التركية بديلا جديرا بالثقة عن القوات الروسية أو قوات النظام السوري في إدلب.

فضلا عن ذلك، أظهر أردوغان اهتماما محدودا بالمشاكل الإنسانية متى توافقت سياسات نظام الأسد مع أهدافه الاستراتيجية الخاصة. فهو لم يعرب عن سخطه حينما تعرض عدد كبير من المدنيين للقتل أو أرغم على النزوح في دوما وداريا وجنوب دمشق بسبب حملة النظام المزعومة ضد الإرهاب. ومن الصعب رؤية الاختلاف بين تلك الحالات وحالة إدلب باستثناء أنه ليس من مصلحة أردوغان أن يتقدم النظام السوري باتجاه الحدود التركية.

تعتبر مسألة إدلب قضية شائكة على نحو غير معقول بالنسبة لأي شخص من المجتمع الدولي مهتم بتفادي سفك الدماء بشكل لا داعي له. لكن الحل ليس بتجاهل واقع أن إدلب تشكل حاليا قاعدة لعدد من التنظيمات الإرهابية وأن كثيرين من الثلاثة ملايين مدني فيها يعانون هم أيضا تحت حكم تلك التنظيمات. ولا يجدر بالمجتمع الدولي الأخذ بالقيمة الظاهرية لتوصيات طرف معني مثل أردوغان انطلاقا من أفعاله الشخصية، بل يجب على الأطراف التي تقدم المصالح الإنسانية على المصالح السياسية أن تعمل على ضمان حقوق المدنيين السوريين حتى مع تطهير إدلب من التنظيمات المتطرفة.

آلدار خليل سياسي سوري كردي. وهو عضو في اللجنة التنفيذية لحركة المجتمع الديمقراطي (TEV-DEM) في سورية.

المصدر: منتدى فكرة

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

Sudanese women lift national flags by burning tyres as they take part in a demonstration on Sixty Street in the capital…
مواطنات سودانيات خلال إحياء ذكرى ضحايا الهجوم القوى العسكرية على المتظاهرين أمام مقر قيادة الجيش السوداني ومقتل أكثر من مئة متظاهر قبل عام

في العام الماضي، انتصرت سلمية الشعب السوداني على ثلاثين عاما من الظلم، وصك الشعار الأشهر للثورة بما يعكس توق الشعب ورغبته في تحقق معاني المفردات الثلاث؛ حرية، سلام، عدالة. وأفرزت العملية التفاوضية بنية سياسية ذات فروع سيادية وتشريعية وتنفيذية مكلفة بتحويل هذه الأحلام والمفردات إلى حقيقة.

وتم الاتفاق على أن تتكون السلطة التنفيذية من أصحاب الكفاءات غير الحزبية بغرض تحقيق أكبر قدر من التوافق وإبعادها عن التجاذب الحزبي. وعليه شُكلت الحكومة في سبتمبر من العام 2019 برئاسة الدكتور عبدالله حمدوك وهو خبير اقتصادي تتوفر له خبرات في مجالات متعددة منها إصلاح القطاع العام والحوكمة وبناء السلام وسجل وظيفي مميز يتضمن منظمة العمل الدولية واللجنة الاقتصادية لأفريقيا.

ومع ذلك، واجه حمدوك وحكومته والسودان نفسه عددا من التحديات على مدى الأشهر التسعة الماضية، أدت إلى اختبار الهيكل الحكومي، وطرحت سؤالا عما إذا كان باستطاعة السودان أن يحقق استقرارا اقتصاديا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. وفي حين تمتلك الحكومة سلسلة من الخيارات عندما يتعلق الأمر بالإصلاحات المحلية، فإن تيسير إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي وإعطاء دفعة قوية للاقتصاد عن طريق رفع العقوبات مع تأمين معيار سياسي وأمني يفضي إلى التنمية، يمثل ضرورة قصوى لنجاح الإصلاحات الأخرى.

 السياسة المتصدعة وأسئلة الاقتصاد الشائكة

على الرغم من أن البعض يرى أن الدافع الأساسي للثورة هو وعي الجماهير ورغبتها في تحقيق ذاتها وحفظ كرامتها الإنسانية، غير أن الواقع يشير إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في أواخر سنوات الرئيس المخلوع وانعكاساتها قد شكل الدافع الرئيسي لشريحة كبيرة من الشعب للانخراط في الثورة ضد النظام القديم. 

فعقب تشكيلها، ورثت الحكومة الانتقالية العبء الاقتصادي مع خزائن خاوية وموارد مبددة. وعلى الرغم من المساعدات السخية التي حصل عليها للمجلس العسكري من عدة دول لها أجندتها الخاصة، فإن هذا الدعم قد أخذ في التناقص بشكل كبير عقب تشكيل الحكومة، وهو أمر يتم تفسيره بمحاولة تدجين الحكومة الانتقالية وخلق نظام يتوافق مع أجندة هذه الدول.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية

إحدى أشكال المعضلة الاقتصادية للحكومة ووزارة ماليتها هي كيفية التوفيق بين استخدام الموارد المحدودة لتوفير الاحتياجات اليومية من الخبز والوقود والدواء وغيرها وبين استخدامها لتعزيز بنية الاقتصاد وتوسيع قاعدته الإنتاجية بما يضع السودان على أولى عتبات سلم التنمية في المديين المتوسط والطويل.

وقد أثارت هذه المعضلة الخلاف بين بعض التيارات التي تمثل الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير) ووزير المالية الذي تتمثل رؤيته للحل في إعادة هيكلة الإنفاق العام وأولوية إصلاح الدعم السلعي الشامل، الذي يعتبر عبء يستنزف الموارد ويحد من قدرة الحكومة على إعادة توجيها. 

إلا أن الحديث عن إصلاح الدعم يثير حفيظة بعض مكونات الحاضنة السياسية إذ ترفضه بعض تياراتها من منطلقات أيديولوجية، حيث ترى أن إصلاح الدعم جزء من سياسات صندوق النقد الدولي لإفقار الدولة النامية فيما ترفضه تيارات أخرى بحجة عدم ملائمة التوقيت وأن هنالك إجراءات ضرورية ولازمة يجب وضعها لتخفيف الأثار السالبة على الطبقات الضعيفة قبل الشروع في إصلاح الدعم.

وفي إطار التشاور قدمت لجنة الخبراء بقوى الحرية والتغيير مقترحات ترى أنها ستعالج الأوضاع الاقتصادية دون الحاجة إلى إصلاح الدعم السلعي، منها على سبيل المثال، استعادة الأموال المنهوبة بالخارج وإعادة ولاية المالية على المال العام بالإضافة إلى سيطرة الحكومة على شركات القطاع العسكري بمكوناته المختلفة والتحكم في إنتاج وتصدير الذهب وغيرها، وهي مقترحات جيدة في مضمونها وإن كان جزء منها يصعب تحقيقه خلال الفترة الانتقالية.

بعيدا عن المعارضين لسياسية إعادة هيكلة الدعم، فإنه من الصعوبة بمكان أن  تستطيع الحكومة الانتقالية أو أي حكومة قادمة توجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية لتدعيم النمو وتحقيق التنمية دون مراجعة لسياسة الدعم السلعي الشامل، فسياسة الدعم المطبقة حاليا بالإضافة إلى عبئها المالي منحازة لسكان المدن دون غيرهم، كما تسهم في إبقاء الفقراء في دائرة الفقر بالحد من قدرة الاقتصاد على النمو، بالإضافة إلى أن تمويل الإنفاق عليها يستنزف الموارد الطبيعة مما قد يؤدي إلى حرمان أو خفض نصيب الأجيال المستقبلية فهي سياسة تحابي الحاضر على المستقبل.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية أيضا بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية. ويتكون الفاعلون الرئيسيون من قوى الحرية والتغيير وهي تحالف عريض يضم قوى نداء السودان، قوى الإجماع الوطني وكليهما يتكون من تحالف عدة أحزاب، بالإضافة إلى تجمع المهنيين السودانيين ومجموعات مدنية أخرى.

وبجانب قوى الحرية والتغيير هنالك حركات الكفاح المسلح التي تضم الجبهة الثورية والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح عبد العزيز الحلو وجناح مالك عقار، وهنالك أيضا حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وهي غير مشاركة في محادثات السلام المنعقدة بجوبا عاصمة دولة جنوب السودان. القوى السياسة أعلاه تصنف كداعمة للحكومة الانتقالية إلا أن التباين الشاسع بين مكوناتها يحد من فعاليتها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة

لا تؤيد جميع الأحزاب الحكومة الانتقالية؛ حيث تتواجد في الساحة السياسية أيضا بعض التنظيمات الإسلامية المتحالفة مع بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وهي ترى الحكومة الانتقالية كحكومة يسار وتسعي لإسقاطها من خلال الاحتجاجات وافتعال الأزمات المختلفة. ولكن تظل لجان المقاومة وهي لجان شبابية غير حزبية كانت عماد الثورة وهي الفاعل الأكثر تأثيرا بما لها من قدرات على العمل السياسي الاحتجاجي المباشر.

وإلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله، حيث أن هناك فاعل آخر يتمثل في المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، ولكليهما مطامع في السلطة ويبدو هنالك تنافس خفي بينها، وإن كان المناخ السياسي بعد الثورة لن يتقبل أي انقلاب أو حكم عسكري مع ذلك يظل المكون العسكري يمثل التهديد الأكبر للفترة الانتقالية وللعملية الديمقراطية. وإن كانت تصدعات المكون المدني تفهم في إطار التنافس السياسي فإن التصدع والمواجهة بين أطراف المكون العسكري مخاطرة يتمنى الجميع عدم حدوثها.

أدت هذه الصراعات السياسية على السلطة، إلى جانب عدم الاتفاق على كيفية إدارة الاقتصاد، إلى حالة من الشلل والركود في أداء المالية العامة فضلا عن أداء المؤسسات الاقتصادية الأخرى. وبالتالي، فإن تحسن الأداء المالي من جانب الحكومة الانتقالية لا يزال رهينة اختلاف الآراء بشأن أولويات الإصلاح وأساليب إدارة الاقتصاد.

العقوبات الدولية وتحديات التحرير الاقتصادي

تمثل إعادة السودان إلى خارطة الاقتصاد العالمي ضرورة ملحة، إذ أنه بلا تدفقات أجنبية في شكل استثمارات ومساعدات تنموية وتحويلات عاملين وبدون علاقات وانفتاح على الأسواق العالمية، يصبح من الصعب توقع تحقيق نهضة اقتصادية في ظل اقتصاد مغلق ومحاصر.

ولسنوات طويلة مثلت العقوبات الأميركية إحدى أهم أسباب تدهور الأداء الاقتصادي، إلا أن أكثرها إيلاما هو الحصار الاقتصادي في العام 1997 الذي عزل السودان عن منظومة الاقتصاد العالمي ومؤسساته المالية فأصبح من غير الممكن استخدام الشبكات المصرفية للقيام بالتحويلات للعاملين بالخارج أو التحويلات المتعلقة بالتجارة الخارجية من صادر ووارد وغيرها، كذلك حد الحصار من إمكانية الحصول على قطع الغيار اللازمة للسكك الحديدية والطائرات، كما قلل من فرص البعثات التعليمية وعطل نقل المعرفة والاستفادة من التقنيات الحديثة.

وفي هذا الصدد، بذلت الحكومة الانتقالية منذ تشكيلها العديد من الجهود لمعالجة ملف العقوبات مع الولايات المتحدة الأميركية، ونتج عن الزيارات والاتصالات المتبادلة بين الطرفين الاتفاق على ترفيع مستوي التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير.

تلقي المفاوضات المعقدة حول القضايا الاقتصادية الرئيسية بظلالها على أداء الحكومة الانتقالية

وبالإضافة إلى ذلك، تم رفع العقوبات المفروضة على عدد من الشركات السودانية الخاصة في أبريل الماضي. كما وأنه وفي إطار معالجة القضايا القانونية ضد السودان بالمحاكم الأميركية تم دفع تسوية لأسر ضحايا المدمرة كول برغم ضيق ذات يد الحكومة الانتقالية. والآن، يعمل البلدان على تسوية المطالبات المعلقة على الحكومة السودانية، لكن العملية لم تكتمل بعد.

إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تحديا حقيقيا وذا تأثير مباشر على نجاح أو فشل الحكومة الانتقالية، فوجود السودان ضمن القائمة يحد من قدرته الاقتصادية في الحصول على الموارد اللازمة ـ على وجه الخصوص المساعدات المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية، كما وأنه يدفع المصارف العالمية إلى عدم إكمال المعاملات المصرفية التي يكون السودان أحد أطرافها.

إن حرمان السودان من المساعدات التنموية والقروض الميسرة وإحجام المصارف العالمية عن التعامل معه يجعل الحكومة الانتقالية رهينة وخاضعة لمساعدات دول لها أجندة سياسية مثل الأمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. والتي يعتقد على نطاق واسع داخل السودان، أنها ضد أي انتقال حقيقي يغير موازين القوي وينتج دولة ديمقراطية.

رغم الجهود الحثيثة ودعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غواتريس لإزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ودعم تجربة الانتقال في السودان، فإن التقدم مازال بطيئا الأمر الذي ولد شعورا لدي تيار عريض من السودانيين بان الإدارة الأمريكية لا ترغب في دعم عملية الانتقال الديمقراطي بالسودان، وبالتالي في حال فشل تجربة الانتقال سيكون للولايات المتحدة النصيب الأكبر من اللوم بلا شك.

حل النزاعات وتكلفة بناء السلام

 تشكل جروح السودان العميقة الناجمة عن عقود من الصراع تحديا هائلا للحكومة الجديدة. فبعد انفصال جنوب السودان، ظلت أقاليم دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق تعاني من ويلات الحرب وآلام النزوح وعدم الاستقرار. تحقيق السلام هو أحد أهم أهداف الثورة وما يجعل السلام أولوية قصوى هو عدم إمكانية تحقيق استقرار اقتصادي واستدامة تنموية في ظل وجود مناطق حروب ونزاعات نشطة، فالحرب تهزم الموازنة العامة وتعظم سلطات العسكر.

وكما أن للحرب كلفة فإن للسلام متطلبات أيضا، ففي الشق الاقتصادي هنالك حاجة لتوفير موارد ضخمة لمعالجة قضايا التعويضات وإعادة التوطين وإعادة الدمج والتسريح بالإضافة إلى تقديم الخدمات الأساسية. توفير هذه الموارد تحدي لن يكن بمقدور الحكومة الانتقالية التعامل معه، ولذا فإن خطاب رئيس الوزراء الخاص بطلب تشكيل بعثة أممية تحت الفصل السادس قد يمثل إحدى السبل لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام. ويمثل هذا النوع من الجهود الدولية لبناء السلام إحدى الطرق لتوفير الموارد اللازمة لتحقيق السلام.

إلى جانب الأحزاب المدنية، يحتوي المكون العسكري السوداني على بعض التصدعات داخله

إن وجود قيادة ذات رؤى وتحقيق الإدماج في الاقتصاد العالمي، وتحقق السلام غير كافية لوضع الاقتصاد على مسار الاستدامة. إذ لابد من توفر المؤسسات ذات الكفاءة والمقدرات الفنية والبشرية العالية. والأمر الذي لا شك فيه أن ثلاثون عاما من الحكم الديكتاتوري أوجدت مؤسسات بالية ذات كفاءة متدنية بفعل التمكين السياسي والعشائري، ترافق معها فساد مستشري وبيئة قانونية غير فاعلة. إن ضعف المؤسسات (قوانين ومنظومات) يحد من فعالية تنفيذ برامج الحكومة الانتقالية ويستدعي الشروع في الإصلاح المؤسسي بالتوازي مع الإصلاحات الاقتصادية.

هشاشة البني السياسية بأحزابها المشاكسة، وحركاتها المسلحة ومكونها العسكري تتطلب ولنجاح تجربة الانتقال المدني أن تتوفر لقادة التغيير مهارات تفاوضية ومقدرات على المناورة وربما رقابة دولية أو إقليمية مع إيجاد آليات لتبادل الآراء ووجهات النظر مع أطراف الخارطة السياسية والاتفاق على تقديم الأجندة الوطنية على ما سواها. تجارب الانتقال من نظام ديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تتضمن سلسلة من الصعود والهبوط، الكثير النجاحات والإخفاقات فالمسار ليس خطيا ونجاح الانتقال يعتمد على إدراك قادة التغيير للتحديات الجمة التي تكتنف مساره واستعدادهم للعمل معا لتجاوزها. كما يجب على المجتمع الدولي أن يعترف بهذه الجهود، وأن يبذل قصارى جهده لضمان نجاح السودان الجديد. فبوعي القيادة وهمة الشباب الثائر وبدعم الأصدقاء والقليل من الحظ قد نشهد نجاح تجربة الانتقال وتخلق سودان مختلف.

المصدر: منتدى فكرة