جدارية في بلغراد لجورج أورويل يقول: الحرية هي الحق في أن تقول للناس ما لا يريدون سماعه". (الجدارية من تنفيذ مجموعة GTR البلغارية)
جدارية في بلغراد لجورج أورويل يقول: الحرية هي الحق في أن تقول للناس ما لا يريدون سماعه". (الجدارية من تنفيذ مجموعة GTR البلغارية)

بقلم مالك العثامنة/

أنا ممن يعتقدون بأن بداية ثورة الوعي في العالم العربي، تبدأ من المدارس.

الطريق طويلة، لكنها ليست شاقة لو بدأنا من مناهج التعليم، التي منذ أن تعرضت لدس أيديولوجي ممنهج ومنظم صارت أداة تضليل معلوماتي وخلقت حالة وعي مزيف شكل أرضية خصبة لملء فراغاته بالتطرف والجهل.

أنا، مثلا، من جيل درس في المدارس الأردنية، وكانت مناهج اللغة الإنكليزية مثلا تتضمن تذوقا أدبيا رفيع المستوى في اختيارات تضمنت من بين ما تضمنت رواية جورج أورويل العظيمة "Animal Farm". وأذكر أننا درسنا قصيدة لشكسبير يتحدث فيها عن مراحل الحياة. وكذلك مقال تحليلي باللغة الإنكليزية كتبه الراحل محمد حسنين هيكل محتواه دسم سياسيا ويتحدث فيه عن تصوراته للحرب العالمية الثالثة.

امرؤ القيس، ليس أكثر من رمز "جاهلي"، والجاهلية حسب هؤلاء فراغ مطلق لا تفاصيل فيه ولا حياة

​​كان هناك منهاج التاريخ الذي تضمن استنارات حقيقية في قضايا مركبة (بين كل الكذب الحكومي فيه) عن المسألة الشرقية مثلا، أو في عرض القضية الفلسطينية من وجهة نظر القانون الدولي بكتاب حمل اسم القضية الفلسطينية (أعده سياسي وتربوي ووزير ورئيس ديوان ملكي سابق وهو الراحل ذوقان الهنداوي).

كانت القصائد الشعرية في دروس البلاغة العربية والمحفوظات، نصوص متنوعة من شعر ما قبل الإسلام (ظلموا الحقبة بتسميتها بالجاهلية)، ومنها قصائد لامرؤ القيس منذ كان يومه خمرا وغده أمرا، مرورا بالعصر الإسلامي وإضاءات على عمرو بن أبي ربيعة الذي اشتهر بالغزل الجميل. وقد علمونا كيف تشبب بهند التي "ليتها أنجزت ما تعد"، وليس انتهاء بالعقاد ورسائله إلى مي زيادة، وطه حسين وجدلياته العقلية، والمازني. كما كانت فدوى طوقان تمهيدا لفهم شعر محمود درويش، ونازك الملائكة ضرورة لاستيعاب الشعر الحر. أما فنون عروض الشعر وبحوره فكان لها مساق مستقل يعلم التلميذ أن الكلمات موسيقى يمكن لمن يتذوقها أن يخلق من جملة ما لحنا ومن فقرة نوتة متكاملة.

اقرأ للكاتب أيضا: بالنسبة للكرامة.. والشعب الثائر

كانت الأحياء مساق مستقل عن العلوم، والمناهج العلمية تتركك أمام أسئلة بحجم الكون تدفع إلى تشغيل العقل.

كانت الثقافة الجنسية جزءا من علوم آخر المرحلة الإعدادية، وهي مرحلة إعداد فعلا!

تم استبدال كل ذلك في عملية تسلل تاريخية مدهشة وغريبة من خلال مناهج تسلل إليها الفكر الإخواني من جهة، والعتمة الوهابية من جهة أخرى، فلم تحتمل رواية جورج أورويل "مزرعة الحيوانات". أما قصيدة شكسبير في مراحل الحياة فهي تتناقض مع خطاب الجهل لمحمد عبد الوهاب، وبلا شك فإن الراحل هيكل "نموذج سيء" لتعليم الأجيال أن الكتابة العالمية ممكنة.

أنا مدين جدا لكل تلك المعرفة، وآسف أنها استبدلت بالتنجيم والشعوذة باسم الدين، أو حتى باسم الميوعة الحداثوية

​​المسألة الشرقية، تعري وتكشف في تفاصيلها التاريخية انحطاط الدولة العثمانية في ذلك الوقت، وتورطها في كل المؤامرات على الأقليات والأجناس من البشر؛ فكان لا بد من إلغائها. أما الجانب القانوني الواعي من القضية الفلسطينية فهو مرفوض أمام خطاب ديماغوجي أوصلنا إلى ما أوصلنا إليه من تشابك رديء في المعطيات حد الدوخة.

امرؤ القيس، ليس أكثر من رمز "جاهلي"، والجاهلية حسب هؤلاء فراغ مطلق لا تفاصيل فيه ولا حياة، وتعليمها مضيعة للوقت. أما عمرو بن أبي ربيعة فهو فاسق لا عاشق، والعقاد وفدوى طوقان وكل النهضويين في عصرهم ما هم إلا مارقون أمام فكر ابن تيمية مثلا.

اقرأ للكاتب أيضا: 'مع مين؟'.. جسامة السؤال الملكي وتهافت الأجوبة

العروض والبلاغة مصدرها واحد لا يجب الخروج عنه، وحسان بن ثابت هو النموذج الوحيد المطلوب دراسته. أما علوم الأحياء والفيزياء، فتم تضييقها إلى حد قولبتها في قوالب الحفظ المجرد لا التفكير الحر بعد إلغاء المنطق والفلسفة.

أنا مدين جدا لكل تلك المعرفة، وآسف أنها استبدلت بالتنجيم والشعوذة باسم الدين، أو حتى باسم الميوعة الحداثوية.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!