"قصر الأمم"، وهو المبنى الذي يضم مكاتب الأمم المتحدة في جنيف
"قصر الأمم"، وهو المبنى الذي يضم مكاتب الأمم المتحدة في جنيف

بقلم حسين عبد الحسين/

الصديقة ليزا، ديبلوماسية سابقة في وزارة الخارجية الأميركية. عملت على مدى سنوات على الأزمة في سورية، وهو ما تطلب منها القيام بعدد كبير من الرحلات العابرة للقارات. تشكي ليزا أن الحكومة الأميركية تجبر ديبلوماسييها على السفر في كابينة "الدرجة السياحية"، التي تفرض مقاعدها الضيقة على المسافرين التلاصق إلى حد العناق.

وفي كتابه الأخير، يروي السفير الأميركي السابق في روسيا مايكل ماكفول، أن الحكومة تمنح السفراء وعائلاتهم بطاقات درجة "رجال الأعمال" في الرحلتين الأولى والأخيرة لهم إلى العاصمة التي يتم تعيينهم فيها. أما الرحلات الكثيرة التي قام بها ماكفول، أثناء عمله سفيرا، فكانت في مقصورة "الدرجة السياحية"، على الرغم من أن مدة الرحلة بين واشنطن وموسكو تقارب الساعات العشر.

البذخ ليس المشكلة الوحيدة في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، بل هو يقترن بفساد ومحاباة

​​شروط التقشف المفروضة على العاملين في الحكومة الأميركية تطال كذلك رحلات العاملين في أي مؤسسة غير حكومية تنفذ برامج بتمويل حكومي، مثل مؤسسات التنمية البشرية، وهو ما يثير السؤال التالي: كيف يطلب "البنك الدولي" من حكومات العالم محاربة الفساد وترشيد الإنفاق، فيما يطير موظفوه في درجة "رجال الأعمال" الباهظة الثمن؟ ولماذا يتقاضى رئيس "البنك الدولي" راتبا يبلغ 120 في المئة راتب رئيس الولايات المتحدة؟

و"البنك الدولي" ليس وحيدا في البذخ، بل هو كما "صندوق النقد الدولي" والأمم المتحدة، يقدمون عقودا وظيفية تجعل أكثر حكومات العالم فسادا في العالم تبدو متقشفة. فالعاملون في "البنك" أو "الصندوق" أو الأمم المتحدة يفيدون من تعويضات سكن وطب وتعليم للأولاد بالغة السخاء، فضلا عن إجازات سنوية يكاد يبلغ عدد أيامها عدد أيام العمل، وغيرها من التقديمات الفائقة الكرم الممولة من جيوب دافعي ضرائب الدول المانحة.

اقرأ للكاتب أيضا: رأي الجماعة والرأي الآخر

والبذخ ليس المشكلة الوحيدة في الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، بل هو يقترن بفساد ومحاباة، إذ لا يحاسب الأمم المتحدة و"البنك" و"الصندوق" هيئات منتخبة أو مسؤولة، وتقتصر المراقبة على "التدقيق الداخلي"، وغالبا ما تكون تقارير المراقبة غامضة وغير مفهومة. لذا، لم يكن مستغربا أن يتورط ابن أمين عام راحل للأمم المتحدة في صفقة نفط مقابل غذاء مع حكومة العراق في زمن صدام حسين. وليس مستغربا أن يمنح بعض رؤساء "البنك الدولي" المتعاقبون صديقاتهم، أو حتى عشيقاتهم البديلات لزوجاتهم، عقود عمل ووظائف، ويطلقون أيدي العشيقات في توظيف الأصدقاء والمحاسيب والأزلام.

حسنا فعلت حكومة الولايات المتحدة بوقف تمويل بعض مغارات اللصوصية في الأمم المتحدة، وحسنا تفعل الولايات المتحدة إن هي انقضّت على هذه المؤسسات العالمية التي تحولت إلى إمارات يديرها أحيانا فاسدون، وأحيانا متحرشون جنسيا. وعلى هذه المؤسسات الدولية الاقتداء بمحاضرات الحوكمة الرشيدة وترشيق الإنفاق التي تعطيها لحكومات العالم. وفي هذا الباب، علينا التساؤل: كيف يمكن لـ"البنك الدولي" إسداء نصائح لحكومات العالم بتعيين أشخاص أكفاء وذوي اختصاص في وزاراتهم ومناصبهم، فيما البنك نفسه ـ يتولى إدارة مشاريع اقتصاد وتنمية ـ يديره طبيب؟

ليست المطالبة بالإطاحة بعشرة طوابق من مبنى الأمانة العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك من باب الافتراء على المنظمة الدولية أو تقويض القانون الدولي، بل هي مطالبة بإخضاع هذه المنظمات الدولية لمراقبة ولقوانين مشابهة للتي يخضع لها من يشغلون وظائف حكومية مشابهة في الدول المانحة، إذ لا يجوز الإغداق في الإنفاق على متخصصين يفترض أنهم انضموا للأمم المتحدة أو البنك الدولي بدوافع إنسانية، ثم الادعاء أن إغراءهم بحوافز مالية هدفه منافسة القطاع الخاص الذي يسعى خلف هذه الخبرات.

على هذه المؤسسات الدولية الإصلاح الفوري والخضوع لمراقبة خارجية، وإن تعذّر، فلتحل نفسها!

​​العاملون في حكومات دولهم لا يعملون في الغالب للكسب المالي، بل يقدمون سنوات من عمرهم، وأحيانا عمرهم بأكمله، في خدمة وطنهم، وإن برواتب أقل من نظرائهم في القطاع الخاص. وبالطريقة نفسها، على العاملين في الأمم المتحدة و"البنك الدولي" و"صندوق النقد" النظر إلى وظيفتهم كشرف في خدمة الكوكب، ومحاربة الفقر، ومكافحة الفساد، ونشر التعليم، لا التوقع بأن ثمن خبرتهم في خدمة الإنسانية توازي ما يمكن أن يتقاضونه في القطاع الخاص! فإذا كانت ليزا تطير في "درجة سياحية" للتخفيف من وطأة الكارثة السورية على اللاجئين وللتسريع في إنهائها، فلا شك أنه يمكن للعاملين في "البنك الدولي"، ممن يسعون لبناء شبكة مياه حديثة للباكستانيين مثلا، أن يتكبدوا كذلك بعض العناء من دون أن يكلفّونا، نحن دافعي الضرائب حول العالم، ثمن رفاهيتهم الفارهة، أو، فلنعطي أموالنا لمؤسسات القطاع الخاص مباشرة ونطلب منهم مكافحة الفقر ومحو الأمية.

اقرأ للكاتب أيضا: تونس الكرامة وبصيص الأمل

قبل أعوام قليلة، أعلن رئيس "البنك الدولي" عطلة لبضعة أيام بهدف "رفع المعنويات المتدهورة" للموظفين. لم يلاحظ العالم غياب "البنك" ولا موظفيه، بالطريقة نفسها التي لن يلاحظ أحد فيها الإطاحة بعشرة طوابق أو أكثر من مبنى الأمم المتحدة في نيويورك.

على هذه المؤسسات الدولية الإصلاح الفوري والخضوع لمراقبة خارجية، وإن تعذّر، فلتحل نفسها!

ــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟. أرشيفية - تعبيرية
"متى يفيق رجال الدين للحقيقة من دون إقحام الدين في العلم؟" أرشيفية - تعبيرية

يحتدم الجدل بين العديد من رجال الدين الذين يصفون أنفسهم بأنهم "علماء" وبين مفكرين داعين إلى التنوير يرون ولعدة أسباب أن كلمة "علماء" لا يمكن أن تنطبق بأي حال على رجال الدين.

فشيوخ الدين يعتمدون على آية في القرآن الكريم تقول: "أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (سورة الشعراء 197).

وعلى النقيض من هذا الفهم للآية تماما يقول العديد من المفكرين ودعاة الاستنارة، مثل الدكتور خالد منتصر وغيره أن كلمة "علم" و"علماء" لا ينبغي أن تطلق على الدين ورجاله، لأن أساس العلم هو الشك في المعلومة ووضع أي فكرة للتجربة لإثباتها بالدليل القاطع في حين أن الدين قد ينهار تماما إذا طبقنا هذه القواعد عليه.

فهل يستطيع مثلا أن يثبت لنا رجال الدين بالتجربة العملية أن البخاري كان دقيقا في بحثه وهل يستطيعون أن يثبتوا بالدليل القاطع ما ينسبونه للرسول من أحاديث؟ وهل بإمكانهم إعطاؤنا البرهان الحاسم أن فهمهم لرحلة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة فيها هو الحقيقة المطلقة؟ 

الرد ببساطة ....لا! فهم لا يملكون دليلا علميا واحدا خاضعا لقواعد البحث العلمي ليبرهنوا على مفاهيهم الدينية، فكيف لنا أن نصفهم بأنهم "علماء" أليس في هذا خداع لكلمة "علم" وتعبير "علماء"؟

والحقيقة في هذا السياق أن القرآن حينما عرّف كلمة "علماء" لم يتكلم على الإطلاق عن رجال الدين ودعونا نتأمل للحظات في هذه الآية الكريمة والتي يستخدمها الكثيرون لإعطاء رجال الدين صفة "علماء".

فالآية تقول: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (سورة فاطر آية 28).

ولكن ما ذكره القرآن الكريم قبل الآية يوضح تماما أن المقصود بكلمة "علماء" في هم من يدرسون ويبحثون ويتفكرون في خلق السموات والأرض، فالآية تقول ما يلي: "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ" (سورة فاطر آية 27-28).

أي أن الآية التي يستخدمها رجال الدين لوصف أنفسهم بصفة "علماء" كانت تتكلم عن نزول المياه من السحب وإخراج الثمرات الجميلة من الأرض وتنوع الخلق وألوان الثمار وعجائب خلق الجبال والطيور، ولم تكن كلمة "علماء" تعني كما يظن البعض، أو الكثيرون، تتكلم عن فقه السنة وآداب الجماع ونكاح "الصغيرات" وشرب بول البعير وإرضاع الكبير وغيرها من الأمور التي أطلق عليها شيوخ الدين كلمة "علم" أو "علوم" ومن ثم أسموا أنفسهم بالعلماء.

وتتفق الآية السابقة "كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء" مع روح القرآن الكريم الداعية للبحث والتأمل في الخلق من حولنا. وتجلت هذه الدعوة وهذه الروح القرآنية في العديد من الآيات مثل "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (سورة العنكبوت آية 20).

ومثل "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَاب  الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" (سورة آل عمران آية 190-191).

ومما زاد الطين بلة هو محاولة بعض رجال الدين  إقحام الدين في العلم والطب والذي تسبب في ابتداع أمور لها علاقة بصحة الناس دون أي دليل علمي  يؤكدها. فالكثير منا يعرف حديث الذبابة: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 'إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء'"، أخرجه البخاري، وأبو داود.

والمضحك المبكي أن بعض رجال الدين يقولون إن العلم أثبت "حديث الذبابة" دون إعطاء مرجع علمي واحد محترم يؤكد زعمهم.  

وإذا كان الأمر هكذا في حديث الذبابة فما بالنا بالحديث التالي: "ورد حديث في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها إنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إن الحبة السوداء شفاء من كل داء"!.

فهل إذا كان هذا الأمر حقيقي فلما ذهب أو يذهب كبار رجال الدين مثل "الشيخ الشعراوي" وغيره للعلاج في مستشفيات الغرب حينما يمرضون! وهل يجرؤ أحد هؤلاء الشيوخ الذين يروَّجون لمثل هذا الحديث على أنه "علم" أن يتناولوا سما قاتلا ويتناولون بعده الحبة السوداء لإعطائنا الدليل العلمي والبحث التجريبي الذي يؤكد هذا الأمر؟

وقد يكون للحبة السوداء أو حبة البركة كما يطلق البعض عليها فوائد طبية, ولكنها بالقطع ليست شفاء لكل داء!

فمتى يفيق رجال الدين للحقيقة ويمكثون في مساجدهم دون محاولة إقحام الدين في مجال العلم لأنهم بالقطع سيخسرون في هذه المواجهة، لأن معظم ما يقولونه، على عكس العلم الحقيقي،  ليس عليه دليل علمي واحد يؤكده.