صورة خاشقجي أمام القنصلية السعودية في اسطنبول
صورة خاشقجي أمام القنصلية السعودية في اسطنبول

بقلم إبتهال الخطيب/

ليس هناك ما هو أسوأ من تمويه المعلومة وإخفائها سوى تمويه الأشخاص وأخفائهم؛ ونحن نعيش في بقعة من هذه الأرض حيث "الإخفائيون" ظاهرون، وحيث إخفاء يساند إخفاء وتضارب يدعم تضارب، حتى تتضبب الصورة تماما ويصبح فك شيفرتها عملية عصية تنتهي غالبا بالاستسلام.

قاهرة هي سياسة غياب أو فوضوية المعلومة. فالمعلومة التي تغيب أو تغوص في الفوضى تذهل جمهورها. تقع بهم في شراك الشكوك والشائعات. تضخم الأكاذيب وتكذب الحقائق، حتى يصبح التصديق عصيا حتى على المنطق والمعقول والمتوقع. إلا أن غياب المعلومة أو فوضويتها لا ينطوي فقط على مخاطر السعي الجمعي في الظلام، حيث شعوب بأكملها تبدو سائرة في صحارى قاحلة في ليل دائم ليس له نهار، إنما هي تنطوي على إهانة فاحشة وتحقير للشعوب واستخفاف بردود فعلها، ولربما ـ فقط أقول ربما ـ هو استخفاف مستحق.

خوفنا المتزايد على أرواحنا وأبنائنا يجعلنا نضحي بالمعرفة مقابل الأمان، ونحن دون أن ندري نضحي بالأمان في الواقع بتضحيتنا بالمعرفة ومعلوماتها

​​تغيب عنا كشعوب شرق أوسطية المعلومات باستمرار، رؤانا دائمة التضبب، حقائقنا معجونة بالشائعات، وأكاذيبنا أقرب إلى الحقائق؛ ونحن، بعاداتنا وتقاليدنا الغائرة في منطق الخصوصية والخجل والعيب والعار ووجوب الطاعة، نقبل ونسكت ونتناسى؛ أفلا يكون الاستخفاف بنا مستحقا؟

شعور غريب أن تعيش في القرن الواحد والعشرين، قرن الإنترنت حيث المعلومة عند أطراف أصابعك وحيث التواصل المستمر بين بشر العالم ينهي فكرة الخصوصية ويجعل من السرية ضربا من الخيال؛ ومع ذلك لا يزال الناس يختفون في محيطك تحت جنح الظلام، تماما كما في الأفلام العربية القديمة حيث زوار الليل والسجادة الحمراء تلتف على الجثة والسيارة السوداء تنتظر لتتخلص منها. فرق أوحد بين حياتنا وهذه الأفلام، زوار الليل أصبحوا زوار وضح النهار، والاختفاء أصبح عادة متكررة لا موضوعا استثنائيا يستحق أن يكون مادة فيلم سينما. حياتنا غريبة، غائرة في المؤامرات، ضائعة في دهاليز القصور، مضببة بالدخان، دخان أسود قاتم يبررونه على أنه بخور فاخر.

اقرأ للكاتبة أيضا: مرار بيولوجي

يختفي الصحافي جمال خاشقجي، كما اختفى غيره كثيرون وكما سيختفي بعده كثيرون كذلك.

ترى الحكومات والمجتمعات في الغرب المختلف على أنه مكسب ـ على ما يسبب من متاعب ـ مدخر من نوع سيكون له فائدة ولو بعد حين. يتعاملون معه على أنه لربما يصبح في موقع سلطة في يوم، فالديموقراطية الغريبة عندهم تعطي فرصة للجميع وتغير الأقدار بشكل سريع وحاد.

المختلف في محيطنا الشرق أوسطي المعبق بالبخور والعطور المعتقة هو عبء؛ حمل آخر يحمل على الأكتاف؛ زيادة ناتئة عن الصف المرتب الجميل لابد من استقطاعها، وفي النهاية ما هي قيمة فرد ـ وفرد مزعج في الواقع ـ في مجتمع جمعي الجماعة فيه فوق الفرد، والحكومة فيه فوق الجماعة، والمصالح فيه فوق الحكومة؟ يذهب واحد يأتي غيره ألف ألف واحد. فبلادنا ولادة وأبناؤها أضحيات لمصلحة الجماعة، والناتئ عن الصف شيطان مزعج لا بد من قصقصته لتنتظم الحياة مرة أخرى.

أكاد أراني وقد نسينا أو تناسينا بعد أسبوع أو أسبوعين، وقد شغلتنا حيواتنا ولقمة عيشنا وتأمين أبنائنا عن تقصي الحقيقة

​​اسمحوا لي أن أغير رأيي؛ ليس الأسوأ في الواقع اختفاء الأشخاص، فكلنا سنختفي في يوم ما! تتعدد الأسباب والاختفاء واحد، إنما الأسوأ هو تضبيب المعلومة وعجنها بالشائعات والمغالطات وفردها في طبق من التهديدات ثم رش وجهها أخيرا برشة رعب لنأكله نحن في النهاية هناء وشفاء.

إن إخفاء المعلومة والخوف من تداولها وسرية التعامل مع الأحداث والأسباب هو السيف المسلط على رقابنا جميعا وأبدا. هو ما قتل وسيقتل وما ستر وسيستر. لربما نحن شعوب وجماعات لا حق لنا في المعلومة لأننا لا نريد أن ندفع ثمنها. خوفنا المتزايد على أرواحنا وأبنائنا يجعلنا نضحي بالمعرفة مقابل الأمان، ونحن دون أن ندري نضحي بالأمان في الواقع بتضحيتنا بالمعرفة ومعلوماتها.

اقرأ للكاتب أيضا: أنا حرة؟

يقول الدكتور شفيق الغبرا في مقاله المعنون "جمال خاشقجي: من أجل الحرية والعقلانية" والمنشور في القدس العربي بتاريخ 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي: "لقد تغير الزمن، لم يعد خطف صحافي بارز كجمال أو قتله وإخفاؤه يمر مرور الكرام. فالضجة حول جمال في العالم كله وفي العاصمة الأميركية وفي تركيا وفي عوالم الغرب والعرب أكبر بكثير من كل التوقعات. إن خطف جمال والإساءة إليه جسديا (تعذيب) وإمكانية تصفيته وقتله لا زالت تتفاعل، بل من المرجح أن تزداد هذه القضية تفاعلا في أوساط تركية وأميركية وعربية وعالمية وإعلامية".

كم أتمنى لو بقي في الصدر شيء من تفاؤلك دكتور، أكاد أراني وقد نسينا أو تناسينا بعد أسبوع أو أسبوعين، وقد شغلتنا حيواتنا ولقمة عيشنا وتأمين أبنائنا عن تقصي الحقيقة. سنترك الموضوع للغرب، وسيحسبها الغرب حسبة مصلحية وسترقد الحادثة بجانب أخواتها السابقات طي الكتمان. كم هي مخيفة حيواتنا.

ــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.