رجال أمن أمام مقر إقامة القنصل السعودي في اسطنبول
رجال أمن أمام مقر إقامة القنصل السعودي في اسطنبول

بقلم حسن منيمنة/

حين أقدم المجلس البلدي لإحدى ضواحي بيروت على إطلاق اسم متهم من المتهمين باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري على شارع رئيسي فيها، كانت الحجة أن هذا المتهم بريء إلى أن تثبت عليه التهمة. وكذلك حال البعض اليوم في السياسة والإعلام إزاء ما حصل للصحافي السعودي جمال خاشقجي، في رفضهم تحميل قيادة المملكة العربية السعودية المسؤولية، إذ التحقيق جار والتهمة لم تثبت بعد، فالبراءة بنظرهم لا تزال متحققة.

ثمة خلط هنا وهنالك بين الشأن العدلي والشؤون السياسية والاجتماعية والأخلاقية.

ففيما يتعلق بالمسؤولية الجنائية، تجمع الأنظمة المعتبرة على تحميل الجهة المدعية مسؤولية إثبات زعمها. والمتهم، وفق القاعدة السائدة في النظام القضائي في الولايات المتحدة، بريء إلى حين إثبات التهمة. وكذلك فإن البيّنة، وفق التأصيلات الفقهية للشرع الإسلامي، هي على من ادعى. المسألة، من وجهة النظر القضائية، هي مسألة حقوق يشكّل التخلف عن هذا المعيار اعتداء عليها، وهي، من وجهة نظر شرعية، مسألة حدود، يكون تطبيقها ظلما ما لم يتبين ما يوجبها. فدون البرهان الملزم للتصديق، يؤدي افتراض صحة التهمة وما يتبعه من عقوبة إلى تجاوز لحق المتهم قضائيا، والمس بعصمته شرعيا.

إلى حين صدور الحكم، المتهم بريء عدليا، أي غير مستحق للعقوبة. ولكن نيل المتهم التكريم ليس حقا له لا يجوز حرمانه منه

​​ولكن الإصرار على إثبات التهمة عدليا لا يقتضي التخلي عن المسؤولية السياسية والاجتماعية والأخلاقية، ولا يجوز أن يعني مطلق الامتناع عن التطرق إلى الموضوع إلى حين انتهاء الجهة العدلية من النظر به.

مضى على اغتيال رفيق الحريري أكثر من ثلاثة عشر عاما، كان السعي إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة خلالها طريقا شاقا، سواء في التوافق أو عدمه على محكمة دولية تتولى المتابعة، أو تأمين التمويل لها، أو التشكيك بصدقيتها ونزاهتها، أو إثارة الملفات الجانبية التي من شأنها تشتيت الثقة بها، مثل قضية "الشهود الزور" التي أثارت استهجان الجهات المعارضة للمحكمة يوما لينطفئ الاهتمام بكشف ملابساتها يوم أصبحت هذه الجهات بموقع القادر على ذلك. أخطر ما طال هذا السعي وهذه المحكمة هو مرور الزمن، بما يسمح بطرح السؤال لدى البعض حول الجدوى والنجاعة، بل بما يجعل منها بحكم رتابة إجراءاتها جانبا هامشيا وحسب من الحياة السياسية في لبنان، لا يحظى باهتمام جيل جديد لم يشهد المرحلة السابقة ويتساءل بحسن نية عن الحكمة في التركيز على جريمة وحسب في وطن تستنزفه الجرائم.

اقرأ للكاتب أيضا: الجمهورية والإيالة والإقطاعية: معضلة الكيانات اللبنانية المتداخلة

الأجوبة الوافية على هذه التساؤلات متوفرة، ولكن الأعوام الفاصلة بين الجريمة والحاضر، بما شهدته من مواقف سياسية متقلبة ومن اصطفافات وزيارات لقصور رؤوس المتهمين، تجعل من الإجابة أمرا مرتبكا. هنا بالتالي تتجلى أهمية الاحتفاظ بالحق المعنوي بالاتهام، لاعتبارات الصالح العام لا لمجرد الوفاء الشخصي أو العائلي للفقيد.

بغض النظر عن التوصيف الذاتي لـ"حزب الله" والذي يجاهر بل يفاخر بالتبعية للخارج، فإن هذا الحزب، في مجلس النواب كما على مستوي الوجدان الشعبي يمثل شريحة واسعة من اللبنانيين. وهؤلاء يستحقون من شركائهم في الوطن المصارحة بعدم انتظام الحالة التي يراد لها قسرا أن تعتبر طبيعية: ثمة أفراد ضمن "حزب الله" متهمون بأدلة وقرائن مقنعة للعديدين بأنهم هم من نفّذ عملية اغتيال رئيس الوزراء السابق. وهذا الحزب مشهود له بالانضباطية، أي لا يعقل أن تكون الجريمة نتيجة مبادرة شاذة لعناصر مارقة. ثم أن قيادة الحزب لم تتبرأ من المتهمين ولا هي سعت إلى التحقيق الشفاف بشأن الاتهامات، بل عمدت عرضا وحسب إلى طرح قرائن لطروحات بديلة واهية مضعضعة. فانتظار قرار المحكمة، وإن اقترب، لا يستقيم، بل بغضّ النظر عن هذا القرار لا بد من دعوة واضحة إلى مواجهة الحقيقة الصعبة والتي مفادها أن قسما واسعا من اللبنانيين يعتبر أن "حزب الله" ليس قوة قاهرة نظريا وحسب، بل ظاهرة طغيان لا تنتظم معها ديمومة الوطن. أحد المعلقين، من المؤيدين لـ"حزب الله"، كتب ردا على إشارة سابقة في هذا السياق "موتوا بغيظكم". لا غيظ هنا، بل دعوة صادقة للاعتبار. أما من يسير إلى الموت ما لم يجر تدارك الأمر فهو الوطن الواحد.

إلى حين صدور الحكم، المتهم بريء عدليا، أي غير مستحق للعقوبة. ولكن نيل المتهم التكريم ليس حقا له لا يجوز حرمانه منه. بل إهمال تضافر الأدلة والقرائن، وتسمية الشوارع باسم أحد المتهمين، وإن تستر بافتراض البراءة وانتظار قرار المحكمة، والذي في حال جاء بالإدانة سوف يرفض على أي حال، هو ممارسة للطغيان من باب "موتوا بغيظكم".

صدام حسين، طاغية العراق، جرى إعدامه بعد إدانته بقضية واحدة، وهي تمكينه للعقاب الجماعي بحق بلدة الدجيل بعد محاولة تمرد. أي أن صدام حسين لم يحاكم ولم يصدر الحكم بحقه بشأن مسؤوليته الجلية عن قتل مئات الألوف في حروبه وممارساته القمعية. فهل يجوز، قياسا على منطق إشهار البراءة ما لم يصدر قرار الإدانة من المحاكم أن صدام حسين بريء من دماء شهداء الأنفال وشهداء الانتفاضة الشعبانية؟

تحويل الانتباه إلى المسائل العرضية، مثل الاستفاضة في نقد استغلال الإعلام المعادي للمملكة العربية السعودية للحادثة، كما إشهار مبدأ ضرورة الامتناع عن إصدار الإحكام إعلاميا وسياسيا إلى حين استكمال التحقيق، طبع كذلك مواقف العديدين من المدافعين عن السعودية. التروي والتصدي للتشهير من الأمور الواجبة دون شك. ولكنها لا تقتضي التخلي عن المنطق.

يمكن السعي إلى فرز حادثة تغييب جمال خاشقجي باتجاهات شتى. غير أن معظمها لا يتجاوز صفة المغامرات الفكرية. فالأقرب إلى الواقع، بدرجة تجاور مطلق الرجحان، هو مسؤولية سعودية عن التغييب. الأسئلة التي يعقل طرحها هي هل الأمر عملية استجلاب صاحبها عنف أودى بحياة الرجل، أم هل هي فعل تصفية متعمّد؟ القيادة السعودية تستحق بهذه وتلك النقد، ولكن طبيعة النقد وتداعياته تختلف.

الاستجلاب، أي الاعتقال خارج البلاد في ظروف أقرب إلى الاختطاف، عمل مقيت يتجاوز الأعراف المتبعة

​​نعم، ثمة سعودية جديدة تتصف بالحزم والعزم، وفق التوصيف المتكرر واللائق، ولكن القيادة السعودية الشابة قد أقدمت في أكثر من موقع على خطوات تجاوزت الجرأة لتبلغ حد التهور، والتعليق عليها ليبقى سليما لا بد أن يتراوح من النصح إلى الإدانة.

هو ملف اليمن، حيث الحرب العبثية تقتل وتدمر وتدفع هذه البلاد خلاف ما تريده إلى أحضان قوى معادية للمملكة، إيران والقاعدة وغيرها. هو ملف قطر، هذه المواجهة العقيمة والتي كان من شأن الرياض، بما لها من تأثير، تحقيق إرادتها بشأنها لو اعتمدت سبيلا غير المفاخرة والسعي إلى الحط من الأقدار. هو ملف اعتقال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري واستقالته المزعومة بلغة غير لغته، قبل التراجع، مع التفهم الكامل لاستياء الرياض من انخفاض عائدية استثماراتها السياسية في لبنان. هي اعتقالات مرفوضة في السعودية نفسها، للناشطين والمفكرين، لأسباب واهية، ومزاعم مرفوضة كذلك بأن الاعتراض على هذه الاعتقالات تعد على الشأن الداخلي السعودي.

ثم يأتي ملف جمال خاشقجي ليدفع إلى السؤال، هل أن الصمت أو التحفظ في الملفات السابقة كان من العوامل الممكّنة لهذا الفعل؟

اقرأ للكاتب أيضا: الحالة السنية في المشرق (2) لبنان: من 'رفض الانضمام' إلى 'لبنان أولا'

الاستجلاب، أي الاعتقال خارج البلاد في ظروف أقرب إلى الاختطاف، عمل مقيت يتجاوز الأعراف المتبعة، ولكنه أمر حاصل، بل لربما أن من شجّع عليه هو تجاسر الولايات المتحدة على ممارسته في فترة ماضية. أقدمت عليه الصين مؤخرا بحق مدير منظمة الشرطة العالمية الإنتربول، وهو من مواطنيها، وتقدم عليه تركيا، حيث جرى تغييب خاشقجي، بما يشابه الانتظام.

كان الأجدى بالسعودية إدراج غياب خاشقجي على الفور في هذا السياق، لتتحمل الاعتراض والانتقاد، ممن يريد لها الخير كما ممن يضمر لها الشر. ولكنها تلكأت وتأخرت وأنزلت الضرر بنفسها. وبغض النظر عن جلاء خطواتها اللاحقة أو غموضها، وانتهاء التحقيقات الصادقة والكاذبة على حد سواء، ثمة مسؤولية أخلاقية معنوية مبدئية في عدم التخلي عن العقول وتوجيه أصبع الاتهام إلى الرياض، علّها تعتبر من هذه الحادثة الخطيرة وتسير، كما يتمنى لها من يريد الخير لها وللعالم، نحو الإصلاح النافع.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا
المسار الحالي للصراع يسير بشكل أفضل بالنسبة لأوكرانيا منه بالنسبة لروسيا

يصادف الجمعة (24 فبراير) مرور عام كامل على الحرب الروسية ضد أوكرانيا. ولمن يريد التذكّر فقد كان هدف هذه الحرب التي أمر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بشنها وسماها عملية عسكرية خاصة، كان هو إخضاع أوكرانيا عبر احتلال عاصمتها كييف ومدنها الكبرى، وإسقاط حكومتها، وتنصيب أخرى موالية لموسكو، ونزع سلاح الجيش الأوكراني، واعتقال المئات وربما الآلاف من القوميين الأوكرانيين المناوئين لروسيا وقتلهم أو محاكمتهم. 

وللتذكير أيضا فإن أيا من هذه الأهداف لم يتحقق. والفضل في ذلك يعود إلى جملة من العوامل أهمها صمود الأوكرانيين والأداء السيء للجيش الروسي، ومسارعة حكومات الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى تقديم العون والمساعدة للحكومة الأوكرانية.

بعبارة أخرى هذه الحرب لم تفشل فقط في تحقيق أي من أهدافها، ولكنها كانت كارثية على روسيا بجميع المعايير. 

لنتذكر أن مبرر موسكو لخوض هذه الحرب كان هو الخشية من انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وبالتالي وصول الحلف إلى حدودها الغربية مباشرة.

ولكن بعد عام من الحرب فإن دولتين أصبحتا قاب قوسين أو أدني من عضوية الناتو، وهما فنلندا والسويد، والأولى تجمعها حدود مباشرة مع روسيا. فهذه الحرب التي أرادت روسيا أن تبعد من خلالها الناتو عن حدودها، هي التي جلبت في الواقع الحلف إليها، في حين أن انضمام أوكرانيا لم يكن أمرا محتما.

يظل بالطبع "الإنجاز" الأكبر للحرب على أوكرانيا هو في تغيير نظرة الأوروبيين لأمنهم وأيضا لعلاقتهم بروسيا. 

هناك من المحللين من يبدي استغرابا من المواقف الأوروبية الحازمة تجاه روسيا ويتصورون خطأ أنها تأتي انصياعا للإرادة الأميركية، ولكن الحقيقة هي أن الغزو الروسي لأوكرانيا شكل تهديدا هو الأبرز من نوعه للقارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتشعر العديد من الدول الأوروبية بانكشاف أمني بسبب هذه الحرب وتداعيتها. 

وجاء في تقرير أمني سنوي للاستخبارات العسكرية السويدية أن "المخاطر الأمنية على السويد زادت وأصبحت التهديدات للسويد أوسع وأكثر تعقيدا".

كما اعتبرت أن الوضع الأمني حاليا في أوروبا وفي المنطقة السويدية المحاذية "الأسوأ منذ بداية الثمانينيات على الأقلّ".

لكن أجهزة الأمن والاستخبارات العسكرية السويدية اعتبرت في تقريرها أن الوضع "ازداد أماناً" في السويد منذ إرسال طلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، وتلقيها ضمانات ثنائية بشأن الأمن من عدة دول، بانتظار العضوية.

الواقع أن الغزو الروسي أحدث حالة من الصدمة العنيفة التي ستظل تؤرق الأوروبيين إلى فترة طويلة قادمة. 

ولذلك لم يكن صدفة أن يخصص مؤتمر ميونيخ للأمن الحيز الأكبر من تركيزه على هذه الحرب. 

وفي هذا المؤتمر قال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يجب أن يدرك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أن أوروبا الآن موحدة أكثر من أي وقت مضى. في حين قال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إن الحلفاء الغربيين جاهزون لنزاع طويل الأمد في أوكرانيا، وإن "الوقت الآن ليس للحوار أو التفاوض، فقد اختارت روسيا الحرب ويجب مواجهتها".

والتشدد الأوروبي تجاه روسيا ليس منفصلا عن الموقف الأميركي الحازم من غزو أوكرانيا.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الغزو الروسي ليس مجرد نزاع على الأراضي، ولكنه في العمق منه تهديد وجودي لأوروبا ومحاولة إخضاعها من جهة ومن جهة أخرى إرساء قواعد دولية جديدة يمكن فيها للدول الكبيرة والقوية أن تعبث بالخرائط والحدود كيفما شاءت.  

لذلك اختارت الولايات المتحدة الوقوف مع أوكرانيا حتى النهاية. ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس بايدن لكييف هي إشارة قوية ولافتة على المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الإدارة الأميركية في التصدي للغزو الروسي.

يبقى القول بأن النهاية العسكرية لهذه الحرب قد لا تكون قريبة، وإن حدوث تغيير سياسي داخل روسيا ربما يظل الخيار الأكثر ملائمة والأقل كلفة، لكن إذا كان ثمة أمل في حدوث مثل هذا التغيير، فهو لن يتم عبر التفاوض مع موسكو أو الضغط على الحكومة الأوكرانية للقبول بالوضع الراهن، وإنما على العكس من ذلك تماما، هو سيتم عبر التمسك بالسياسة الحالية والمتمثلة في تزويد أوكرانيا بما تحتاجه من معدات عسكرية ودعم سياسي ودولي وفي الوقت نفسه فرض المزيد من العقوبات على روسيا وإحكام عزلها. هذه السياسة هي التي ستنضج في الأخير نهاية مقبولة لهذه الحرب.